يُصنف مسلسل" ممكن"، من إخراج أمين درة وبطولة نادين نجيم وظافر العابدين، ضمن الدراما الواقعية الاجتماعية، أو ما يُعرف بدراما المطبخ الواقعي (Kitchen sink realism) التي ازدهرت في الخمسينيات والستينيات في بريطانيا، وظلت حاضرة إلى اليوم في إنتاج المسلسلات الدرامية التي تنقل روايات المجتمع.
يتمحور مسلسل" ممكن" حول تجارب الناس مسلطاً الضوء على الطبقات الاجتماعية، خصوصاً تلك التي تقطن في الريف وتنزح إلى المدينة، مثل نور (نادين نجيم) التي تزوجت من شاب مُعنف، وقُدّر لها أن تعمل في الدعارة، بعدما سُجن زوجها وهي حامل منه، لتتمكن من سد مصاريف عائلتها في القرية.
هنا، يبدأ الصراع التقليدي: الشرّ متمثلاً في النادي الليلي ومديره مازن (آلان سعادة)، ومعاناة الفتيات اللواتي وقعن أسيرات ابتزاز مازن والرضوخ لأوامره.
طرحت الدراما العربية عدداً من الأفلام والمسلسلات التي تناقش قضية عاملات الجنس.
في عام 1983، عُرض فيلم" درب الهوى" من إخراج حسام الدين مصطفى القضية نفسها، لكن في" ممكن" الذي يعرض على منصة شاهد، حاولت الكاتبة منى الشيمي وزميلها مجدي أمين الذهاب بالحكاية إلى عوالم أخرى، متخذين من قصة فيلم" امرأة جميلة" (إخراج غاري مارشال، 2990) العنوان العريض لطرح قضية نور والطبيب زياد (ظافر العابدين) الذي يلتقيها في النادي الليلي يوم ميلاده بعدما مشاجرة مع زوجته ملاك (زينة مكي)، وتبدأ قصة الحب التي تجمع بين عاملة الجنس وطبيب يعيش صراعاً عائلياً بمشاكله مع زوجته، إلى جانب إدمانه على الكحول، وهروبه بالتالي من خصام مع والده النائب في البرلمان مروان (جورج شلهوب) الذي يسعى إلى الفوز بالانتخابات على الرغم من الفساد الذي تتخبط به مؤسسات الأب والمستشفى الذي يملكه.
لا ريب في أن العمل يروي تفاصيل دقيقة من واقع اجتماعي مرير، ويطرح قضايا خاصة في الفساد لا تبتعد عن مسلسل" خمسة ونص" الذي قدمته نادين نجيم في عام 2019 (إخراج فيليب أسمر) الذي واجهت ضمنه سياسة الفساد والاستشفاء وأزمة النفايات في لبنان.
لكن هذه المرة، الطرح التقليدي لرؤية قضايا ومأساة عاملات الجنس لا يمكن أن يسقط على الظرف الزمني الحالي.
يمكننا القول إن التعنيف ضد النساء هو بطل الحلقة الأولى من مسلسل" ممكن"، على الرغم من أن الواقع تخطى هذه المعضلة الاجتماعية منذ وقت، عبر نقل المعاناة وطرحها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.
وهذا ما لم يُوفّق المخرج أمين درّة في معالجته لاستكمال طرح القضية، رغم فضيحة الطبيب زياد في الحلقة الثانية من خلال نشر صورة له في الملهى الليلي إلى جانب فتاة على مواقع التواصل الاجتماعي.
من هنا، يحضر سؤال: لماذا لا تعمل النساء المعنفات داخل النادي الليلي على فضح مازن أو تصويره؟ مهما كانت ظروفهنّ قاسية؟أسس المسلسل لعمل قاتم لا تُبنى أحداثه في الزمن الحالي، بل يعود بنا إلى عالم الاستغلال الوظيفي والابتزاز الجنسي الذي كان سائداً في بداية الألفية الجديدة، خصوصاً أن محاولات مازن لاستغلال نور من خلال إجبارها على التوقيع على إيصالات أمانة (كمبيالات) وسدادها من خلال عملها في الملهى.
بدا مسلسل ممكن أسيراً لرؤية ضيقة للمخرج أمين درّة في مواقف كثيرة على الرغم من ضبط السيناريو، لكن درّة نفذه تنفيذاً ضعيفاً.
التصوير أقل من عادي، وكادرات تفتقر إلى قواعد أساسية في لعبة الربط بين المشاهد، واختزال تجارب وقضايا المسلسل من خلال قصة نور التي عانت العنف من زوجها، ودفعتها الأقدار إلى العمل في ملهى ليلي، مع غياب المبرر لكل هذا الواقع المرير، وما من بحث منطقي عن بصيص أمل وسط كل هذا العذاب.
من جهة أخرى، يستسلم بعض المشاهدين إلى قصة الحب المستحدثة بين الطبيب وعارضة الأزياء وإمكانية أن تكلل بالزواج، كما هو حال كل روايات الحب العاطفية في السينما أو التلفزيون.
لا ينبغي الخلط بين هذا النوع من الدراما التي ترتبط بقضايا إنسانية وقانونية، وبين طرح الحل أو العلاج، وهذا ليش شرطاً في عالم التأليف والخيال الدرامي، لكن محاولات ترتيب الخروج من المشكلة الأساس في طرح قصة فتاة دخلت عالم" المُحرمات" ونظرة المجتمع إليها هي سؤال مُحق، خصوصاً وأن سلم المؤامرات حاضر بقوة من الحلقة الأولى، لكن تطويل عدد الحلقات ربما كان دافعاً لتغليب أو تغييب الرد على المآسي والظلم، وهو ما يشكل أسئلة كثيرة تدور حول رؤية المخرج والكاتب لكل هذا الخيال في ممكن والبعد عن الواقع الاجتماعي.
منذ سنوات، تحاول الدراما العربية، المُشتركة خصوصاً، تقديم وجبة عاطفية دسمة للمشاهد، وشاركت الممثلة نادين نجيم وزميلها التونسي ظافر العابدين في إرساء هذا النوع من الإنتاجات.
تأتي هذه الأحلام والآمال المفرطة بالرومانسية لتكمل حالة الإشباع العاطفي، ما يُفسر الإقبال على هذا النوع من المسلسلات، خصوصاً أن الدارما التركية عرفت كيف تؤسس وتُروّج لمثل هذه الانتاجات في العقدين الأخيرين، ونجحت في التأثير على الدراما العربية وإلهامها بهذا النوع من القصص.
لكن الواضح أن" ممكن" انتزع من المجتمع صوراً محددة، وحاول أن يعالجها، لكن بتقليدية تتسم بالتكرار القائم أحياناً على إبراز التناقض الاجتماعي، فيما حاول المخرج إعادة رسم القيم بما يتماشى مع مصالح أبطال المسلسل وشركة الإنتاج بعد إخضاعه لفك وتركيب مجمل الأحداث، وحذف أي طارئ إضافي كي لا يؤثر على صورة" البطلة" حصراً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك