قناة القاهرة الإخبارية - الجيش الأمريكي يبدأ ضربات ضد إيران.. وطهران ترد: قواتنا المسلحة قوية ولن نترك أي هجوم دون رد قناة التليفزيون العربي - عاجل | وكالة أنباء مهر الإيرانية: دوي انفجارات جديدة في محيط منطقة جاسك وكالة شينخوا الصينية - المركز الثقافي الصيني في الكويت يستضيف فعالية تحتفي بالحوار بين الحضارات وتعزز التبادل الثقافي قناة العالم الإيرانية - إيران تحذر الأمريكيين: غادروا منطقتنا إن أردتم الأمان الجزيرة نت - مظاهرات المعلمين تغلق الطرق قبيل افتتاح مونديال 2026 في المكسيك القدس العربي - إدارة ترامب تطرح خدمة “مميزة” لتسريع مقابلات التأشيرات مقابل 750 دولارًا وكالة شينخوا الصينية - العراق: إنهاء مهمة التحالف الدولي أواخر سبتمبر استحقاق غير قابل للإرجاء قناة الجزيرة مباشر - The Geography of the Lebanon-Israel Border Region Casts Its Shadow Over the Details of the Recent... روسيا اليوم - "حنظلة": تم نقل إحداثيات جميع القوات الأمريكية في الخليج للحرس الثوري.. قريبا سترحبون بمسيّرات شاهد Independent عربية - كيف تحول نظام "الطيبات" إلى مصدر لـ"الخبائث" بعد شهرين من وفاة ضياء العوضي؟
عامة

آفة حارتنا

بوابة فيتو
بوابة فيتو منذ 1 ساعة

في رائعته" ثرثرة فوق النيل" لم يكن نجيب محفوظ يكتب عن شارع يُحفر أو طريق يُهدم، بل كان يكتب عن عقلية كاملة، وعن أزمة أعمق من مجرد أعمال مرافق أو مشروعات متعثرة، كان يرصد واحدة من أخطر الآفات التي ابتُ...

في رائعته" ثرثرة فوق النيل" لم يكن نجيب محفوظ يكتب عن شارع يُحفر أو طريق يُهدم، بل كان يكتب عن عقلية كاملة، وعن أزمة أعمق من مجرد أعمال مرافق أو مشروعات متعثرة، كان يرصد واحدة من أخطر الآفات التي ابتُليت بها مجتمعاتنا؛ آفة غياب التخطيط الحقيقي، وتشتت المسؤولية، وافتقاد الرؤية التي ترى المستقبل قبل أن تبدأ العمل في الحاضر.

حين قال بطل الرواية ساخرًا: " اللي يردموه يرجعوا تاني يفحتوه، واللي يسلفتوه يرجعوا تاني يهدوه"، لم يكن يصف شارعًا بعينه، بل كان يصف دورة عبثية تتكرر في كل شيء؛ طريق يُرصف ثم يُكسر، مشروع يُنفذ ثم يُعدل، قرار يُصدر ثم يُلغى، ومؤسسة يبدأ كل مسؤول فيها من الصفر كأن التاريخ بدأ يوم جلس على مقعده.

وما أشبه الأمس باليوم.

فما زالت شوارع كثيرة في عالمنا العربي تُحفر مرات متتالية لأن كل جهة تعمل بمعزل عن الأخرى؛ هذه تمد مواسير المياه، وتلك تضع خطوط الكهرباء، وثالثة تتذكر لاحقًا شبكات الاتصالات أو الصرف الصحي.

وبين هذا وذاك يدفع المواطن الثمن من وقته وراحته وأعصابه، بينما تُهدر الأموال العامة في إعادة ما كان يمكن إنجازه مرة واحدة لو وُجد التخطيط والتنسيق.

لكن المشكلة لا تقف عند حدود الشوارع والطرق.

فالحفر الحقيقي يحدث أحيانًا في مؤسسات الدولة نفسها.

إذ كثيرًا ما يأتي مسؤول جديد فيبدأ بهدم ما بناه سلفه، لا لأنه فشل بالضرورة، بل لأن ثقافة الاستمرار المؤسسي غائبة، ولأن بعض المسؤولين يريدون أن يترك كل منهم بصمته الخاصة ولو على أنقاض ما أنجزه الآخرون.

وهكذا تتحول التنمية إلى حلقات متكررة من البناء والهدم، وتتحول الموارد إلى وقود لأخطاء يمكن تجنبها، بينما تمضي الأمم المتقدمة في اتجاه مختلف تمامًا.

ففي الدول التي تحترم وقت مواطنيها وأموالهم، لا تُنفذ المشروعات الكبرى إلا بعد اكتمال الدراسات والتنسيق بين الجهات كافة، ولا يُسمح عادة بفتح طريق جديد بعد رصفه إلا في أضيق الحدود ولأسباب استثنائية.

هناك تُبنى المؤسسات على مبدأ التراكم، فيضيف كل مسؤول لبنة جديدة فوق ما أنجزه السابق، فتتقدم الدولة خطوة بعد أخرى إلى الأمام.

أما نحن فما زلنا أحيانًا ندور في دائرة مغلقة؛ نهدم ما بنيناه بأيدينا، ثم نتعجب لماذا تتباطأ التنمية، ولماذا تزداد الكلفة، ولماذا يشعر المواطن بأن الطريق إلى الأمام يمر دائمًا عبر العودة إلى نقطة البداية.

إن الأمم لا تتقدم بكثرة المشروعات وحدها، وإنما بحسن إدارتها.

ولا تُقاس كفاءة الدول بعدد ما تبنيه من طرق وكباري، بل بقدرتها على صيانة ما بنته، والحفاظ عليه، واستكماله دون إهدار أو تكرار أو ارتجال.

ولعل آفة حارتنا ليست النسيان وحده كما قال محفوظ في مواضع أخرى، بل الإهمال والبيروقراطية وغياب التنسيق، والأخطر من ذلك كله غياب الإيمان بأن الدولة بناء تراكمي لا يبدأ مع مسؤول ولا ينتهي برحيله.

ويبقى السؤال الذي يطرحه كل مواطن وهو يرى شارعًا يُهدم بعد أيام من إصلاحه، أو مشروعًا يُعاد تنفيذه للمرة الثالثة: متى نتعلم أن البناء أصعب من الهدم، وأن التخطيط الحقيقي يوفر سنوات من المعاناة ومليارات من الأموال؟ ومتى ندرك أن الأمم العظيمة لا تكرر الأخطاء نفسها، بل تتعلم منها، لأن المستقبل لا يُصنع بالمعاول التي تحفر ما رُدم بالأمس، وإنما بالعقول التي تمنع الحاجة إلى الحفر من جديد؟

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك