إربد- تتجه محافظة إربد إلى ترسيخ حضورها على خريطة" سياحة المغامرة"، في ظل تنوع تضاريسها بين الجبال والوديان والغابات والمواقع الأثرية، ما جعلها وجهة متنامية لمحبي الأنشطة الخارجية والتجارب السياحية غير التقليدية.
اضافة اعلانويشير مختصون في القطاع السياحي إلى أن إربد باتت تمثل نموذجا للسياحة القائمة على التجربة والاستكشاف، بدلا من الزيارة التقليدية، خاصة مع تزايد الإقبال على رياضات" الهايكنج" والتخييم ورحلات الطبيعة، التي باتت تستقطب فئة الشباب بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا السياق، تزخر المحافظة بعدد من المواقع التي تشكل نقاط جذب رئيسية لعشاق المغامرة، أبرزها" أم قيس (جدارا)"، التي تجمع بين البعد التاريخي والإطلالة الطبيعية الفريدة على بحيرة طبريا وهضبة الجولان، إضافة إلى مسارات جبلية محيطة تتيح فرصا للمشي والاستكشاف بين الآثار والمناظر الطبيعية.
كما تعد غابات" وادي اليرموك" من أهم الوجهات الطبيعية في إربد، لما تتمتع به من تضاريس جبلية عميقة وغطاء نباتي متنوع، ما يجعلها بيئة مناسبة لرحلات" الهايكنج" والمغامرات في الطبيعة المفتوحة، خصوصا خلال فصلي الربيع والخريف.
وتبرز أيضا" محمية غابات اليرموك" كإحدى أهم المحميات البيئية في المنطقة، حيث توفر مسارات داخل الغابات الكثيفة، وتتيح تجربة التخييم البيئي ومراقبة التنوع الحيوي، في بيئة طبيعية هادئة بعيدة عن الضوضاء الحضرية.
إلى جانب ذلك، تشكل الأودية المنتشرة في الأطراف الشمالية من المحافظة مساحات مفتوحة أمام محبي المغامرة، إذ تستخدم لتنظيم رحلات استكشاف ومشي جماعي، تمنح المشاركين تجربة مختلفة تجمع بين التحدي ومتعة الطبيعة.
ورغم هذا التنوع، يرى مختصون أن سياحة المغامرة في إربد ما تزال بحاجة إلى مزيد من التطوير، خصوصا فيما يتعلق بالبنية التحتية للمسارات السياحية، وتعزيز وسائل السلامة والإرشاد، إضافة إلى رفع مستوى الترويج الإعلامي للمواقع الطبيعية.
وأكدوا أن الاستثمار في هذا النمط السياحي يمكن أن يسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي، من خلال دعم المشاريع الصغيرة في المناطق الريفية، وخلق فرص عمل جديدة في مجالات الإرشاد السياحي والخدمات المساندة.
وأشاروا إلى أنه في المحصلة، تبرز إربد اليوم كوجهة سياحية صاعدة تجمع بين الطبيعة والتاريخ وروح المغامرة، حيث تشكل مواقعها المتنوعة نقاط جذب واعدة تعكس تحولا تدريجيا نحو سياحة أكثر عمقا وتفاعلا مع البيئة.
وبحسب أستاذ السياحة في جامعة اليرموك الدكتور زاهر خصاونة، فإن سياحة المغامرة في شمال الأردن تعد من أبرز أنماط السياحة البيئية وسياحة المسارات، خاصة خلال فصل الربيع الذي يمنح المنطقة جمالا استثنائيا بفضل الغطاء النباتي والأجواء المعتدلة والطبيعة الخضراء، موضحا أن هذا النوع من السياحة يشمل أنشطة متعددة، مثل المشي الطويل، وتسلق الأودية، والتأمل في الطبيعة، واستكشاف الشلالات والمسارات الجبلية.
وأضاف خصاونة أن محافظات الشمال، كإربد وجرش وعجلون، أصبحت وجهة رئيسية لعشاق المغامرة من مختلف مناطق المملكة، إضافة إلى الزوار الخليجيين، لما تتميز به من تنوع طبيعي وأودية مائية ومسارات تمتد بين الجبال والغابات والمحميات.
وأشار إلى أن من أبرز المسارات في شمال الأردن" مسار أم قيس"، إلى جانب" مسار السوسنة السوداء" الذي حظي باهتمام واسع بعد مشاركات رسمية وشبابية فيه، حيث يمر عبر مناطق طبيعية خلابة داخل محمية اليرموك، ويقدم تجربة متكاملة تجمع بين المشي والتخييم والإقامة البيئية.
كما أوضح خصاونة أن شمال الأردن يضم مواقع طبيعية مميزة، مثل شلال الجحجاح في منطقة الكورة، الذي يعد من أجمل المواقع الطبيعية، لكنه ما يزال غير مستثمر بالشكل الكافي، رغم ما يتمتع به من جمال طبيعي وتدفق مائي، مؤكدا أنه يحتاج إلى مزيد من الاهتمام والترويج والبنية التحتية ليصبح ضمن المسارات السياحية الرئيسية في المملكة.
وبين أن ما يميز شمال الأردن عن غيره من المناطق هو وجود الأودية المائية الدائمة نسبيا والغابات الكثيفة، بخلاف بعض المناطق الجنوبية التي تعتمد على الأودية الصخرية والجافة، ما يجعل تجربة سياحة المغامرة في الشمال أكثر تنوعا وارتباطا بالطبيعة الخضراء.
وأوضح، كذلك، أن هذه المسارات تشهد خلال فصل الربيع نشاطا ملحوظا من المجموعات الشبابية والفرق السياحية، حيث أصبحت الرحلات المنظمة والتخييم في النزل البيئية والمواقع الطبيعية جزءا من ثقافة سياحية متنامية تسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي ودعم المجتمعات المحيطة بهذه المسارات.
ومن وجهة نظر رئيس جمعية التنمية للإنسان والبيئة الأردنية الدكتور أحمد جبر الشريدة، فإن سياحة المغامرة في شمال الأردن تشهد نموا متزايدا خلال السنوات الأخيرة، خصوصا مع تزايد الإقبال على السياحة البيئية وسياحة المسارات، مشيرا إلى أن المنطقة تمتلك مقومات استثنائية تؤهلها لتكون من أهم وجهات السياحة البيئية في الأردن والمنطقة إذا ما تم استثمارها بالشكل الصحيح.
وقال إن هذه المحافظات أصبحت وجهة مفضلة لمحبي سياحة المشي والمسارات في مواسم الربيع، حيث تتجه الأنظار نحو الأودية والغابات والمواقع الطبيعية ذات التنوع الحيوي، مؤكدا أهمية تطوير البنية التحتية والخدمات السياحية وربط المسارات بشكل منظم.
وأضاف الشريدة أن هذه المسارات لا تقتصر على الجانب الترفيهي، بل تمثل أداة مهمة للتنمية المحلية، إذ تسهم في تنشيط الاقتصاد الريفي ودعم المجتمعات المحلية من خلال توفير فرص عمل موسمية وتشجيع المشاريع الصغيرة، لافتا إلى أن القطاع ما يزال يواجه تحديات تتعلق بضعف البنية التحتية في بعض المواقع، وقلة الترويج السياحي المنظم، إضافة إلى محدودية الخدمات في المناطق الطبيعية الحساسة، وأن بعض المواقع، مثل الشلالات والأودية، ما تزال غير مستثمرة بالشكل الكافي رغم قيمتها البيئية والسياحية.
تعزيز مفهوم السياحة المستدامةكما شدد على ضرورة تعزيز مفهوم السياحة المستدامة، بحيث يتم تحقيق التوازن بين استقطاب الزوار والحفاظ على البيئة الطبيعية، مع أهمية إشراك المجتمع المحلي والجامعات والهيئات السياحية في تطوير هذا القطاع.
وقال الشريدة إن شمال الأردن يمتلك فرصة حقيقية ليصبح مركزا إقليميا لسياحة المغامرة، إذا ما تم الاستثمار في موارده الطبيعية بشكل علمي ومنظم، خاصة في ظل تزايد الطلب العالمي على السياحة البيئية، مؤكدا أن هذا القطاع يمكن أن يتحول إلى رافد اقتصادي مهم في المستقبل.
بدورها، قالت المهندسة المتخصصة في السياحة المستدامة آلاء عبابنة، إن نفق أم قيس لم يعد مجرد معلم أثري صامت، بل تحول إلى تجربة سياحية استثنائية تمثل نموذجا حيا على إمكانية دمج التراث الأثري مع سياحة المغامرة بشكل مستدام وآمن.
وأضافت عبابنة أن نفق أم قيس، الذي يعد جزءا من قناة ديكابوليس المائية القديمة، يمثل قيمة تاريخية وهندسية فريدة، حيث ما يزال يحتفظ بتفاصيل دقيقة من أساليب الحفر القديمة التي تعكس عبقرية الإنسان في استثمار البيئة الطبيعية لخدمة احتياجاته.
وأشارت إلى أن النفق يمتد لمسافة تقارب 420 مترا ضمن الجزء المهيأ للزيارة، ويكشف للزائرين تجربة مختلفة كليا تبدأ بانخفاض درجات الحرارة تدريجيا والدخول في بيئة تحت أرضية يغمرها الظلام، ما يمنح إحساسا بالمغامرة والاكتشاف في آن واحد.
وبينت عبابنة أن هذه التجربة لا تقتصر على المشاهدة، بل هي انغماس كامل في عمق التاريخ، حيث يواجه الزائر ممرات ضيقة وانحناءات طبيعية تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمكان، وتمنحه فرصة للتفكير في تطور الهندسة عبر العصور.
وأكدت أن الاهتمام العالمي المتزايد بالسياحة التجريبية يفتح الباب أمام تطوير الموقع ليكون وجهة إقليمية لسياحة المغامرة المستدامة، مشددة على أهمية التوازن بين إتاحة الموقع للزوار والحفاظ على طابعه الأثري.
وأضافت عبابنة أن إدخال تقنيات التوثيق الرقمي والتفسير التفاعلي سيعزز من تجربة الزائر، ويسهم في حماية الموقع من أي تأثيرات سلبية محتملة، مع تقديمه بصورة حديثة تواكب تطورات السياحة العالمية.
وأكدت، أيضا، ضرورة الاستعداد الجيد قبل دخول النفق، وارتداء الملابس المناسبة، والاعتماد على مرشدين محليين ذوي خبرة، معتبرة أن نفق أم قيس يمثل كنزا حضاريا يجب التعامل معه كفرصة تنموية وسياحية مستدامة في آن واحد.
إلى ذلك، أكد مصدر في وزارة السياحة والآثار أن محافظات الشمال، وفي مقدمتها إربد، تشكل جزءا أساسيا من الإستراتيجية الوطنية للسياحة، لما تزخر به من مواقع أثرية وطبيعية فريدة تجمع بين التراث الحضاري والتنوع البيئي، الأمر الذي يجعلها وجهة واعدة للأنشطة السياحية المستدامة وسياحة المسارات والمغامرات.
وأضاف أن الوزارة تعمل، بالتعاون مع الجهات المعنية والشركاء المحليين، على تطوير البنية التحتية السياحية في عدد من المواقع والمسارات، وتحسين عناصر السلامة والإرشاد السياحي، وتعزيز الخدمات المقدمة للزوار بما ينسجم مع أفضل الممارسات العالمية في مجال سياحة المغامرة.
كما تولي الوزارة اهتماما خاصا بالمواقع الأثرية والطبيعية في منطقة أم قيس ومحيطها، وتسعى إلى تحقيق التوازن بين إتاحة هذه المواقع للزوار والمحافظة على قيمتها التاريخية والبيئية، من خلال برامج الحماية والصيانة والتطوير المستدام.
وشدد على أن الوزارة تؤمن بأهمية إشراك المجتمعات المحلية في العملية السياحية، لما لذلك من أثر مباشر في دعم الاقتصاد المحلي وتوفير فرص العمل وتحفيز المشاريع الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بالقطاع السياحي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك