جرش- تتجدد، مع بداية كل صيف، معاناة أطفال مخيم غزة في جرش، في ظل غياب الملاعب والمساحات الآمنة المخصصة للترفيه والأنشطة الرياضية، ما يجعل الشارع الخيار الوحيد أمام كثير منهم لقضاء أوقات فراغهم، بينما تدفع الظروف الاقتصادية الصعبة عددا من هؤلاء الأطفال إلى العمل خلال العطلة الصيفية لمساندة أسرهم، في مشهد يعكس تحديات اجتماعية واقتصادية متشابكة، ويثير مطالبات بتوفير بدائل ترفيهية وتعليمية تحمي الأطفال وتعزز حقوقهم في بيئة آمنة.
اضافة اعلانفي أزقة المخيم الضيقة، يبدو واضحا غياب البنية الترفيهية، فلا حدائق عامة، ولا ملاعب كرة قدم مجهزة، ولا ساحات آمنة يمكن أن تحتضن طاقة الأطفال، وكل ما هو متاح هو الشارع، بكل ما يحمله من مخاطر، ليصبح البديل الوحيد للعب أو العمل.
ووفق الناشط عودة أبو صوصين، فإن الأطفال الذين أنهوا عامهم الدراسي لا يجدون مكانا يذهبون إليه، ولا بيئة آمنة يمكن أن يمارسوا فيها ألعابهم اليومية بشكل طبيعي، مضيفا أن الأزقة الضيقة بين البيوت تتحول إلى مساحات لعب اضطرارية في العطلة الصيفية، رغم الازدحام والحركة المستمرة وارتفاع درجات الحرارة.
وأشار إلى أنه في كثير من الأحيان، يضطر الأطفال إلى اللعب قرب الشوارع أو بين السيارات المتوقفة والمارة، في بيئة لا تتناسب مع احتياجاتهم العمرية ولا توفر الحد الأدنى من الأمان، في ظل غياب الملاعب، وهي مشكلة ليست جديدة، بل واقع يتكرر مع كل صيف.
ومع ارتفاع درجات الحرارة، تصبح الحاجة إلى مساحات لعب أكثر إلحاحا، خصوصا أن الأطفال يقضون وقتا أطول خارج الصفوف الدراسية.
وأكد أبو صوصين أنه رغم الحديث المتكرر عن أهمية دعم الطفولة وتوفير بيئات آمنة للنشاط البدني، إلا أن الواقع في المخيم لا يشهد تغيرا ملموسا في هذا الجانب، فلا ملاعب مجهزة، ولا حدائق عامة، ولا مراكز ترفيهية كافية تستوعب أعداد الأطفال.
بدورهم، أكد عدد من سكان المخيم أن أبناءهم يقضون معظم وقتهم في البيت أو في الشارع، في ظل غياب أي بديل حقيقي، ما يجعل العطلة الصيفية فترة فراغ غير منظمة تفتقر إلى الأنشطة التربوية أو الترفيهية.
وهذا الغياب يجعل من الصيف فترة مفتوحة بلا تنظيم، حيث يعتمد الأطفال على الشارع كمساحة وحيدة للعب، ما يزيد من احتمالات التعرض للمخاطر اليومية، سواء من ناحية الحوادث أو الظروف البيئية القاسية.
ومن وجهة نظر أحد سكان المخيم يحيى الصوالحة، فإن الصورة الأكثر قسوة لا تتعلق فقط بغياب الملاعب، بل بواقع آخر يفرض نفسه داخل المخيم، حيث تتحول العطلة الصيفية لدى عدد من الأطفال إلى فرصة عمل مبكرة.
وأكد الصوالحة أنه في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وانخفاض فرص الدخل لدى العديد من الأسر، يجد بعض الأطفال أنفسهم مضطرين لمساعدة عائلاتهم في تأمين احتياجاتهم الأساسية عبر أعمال بسيطة أو موسمية.
وهذا التحول يغير مفهوم العطلة الصيفية بالكامل، فبدلا من أن تكون فترة راحة ونشاط وتطوير، تصبح فترة عمل ومساعدة أسرية، تُختصر فيها الطفولة ضمن إطار المسؤولية المبكرة.
وأضاف أن هذه الظاهرة تزداد وضوحا خلال فصل الصيف والعطل المدرسية، حيث يغيب الإطار التعليمي المنظم، ويجد بعض الأطفال أنفسهم أمام وقت فراغ طويل لا يترافق مع برامج ترفيهية أو أنشطة شبابية كافية داخل المخيم.
وهذا الواقع يدفع عددا منهم إلى دخول سوق العمل بشكل مبكر، إما بصورة مؤقتة خلال العطلة، أو بشكل شبه دائم في بعض الحالات المرتبطة بالفقر الشديد.
أما الناشط عايد الجراوين، وهو أيضا أحد سكان المخيم، فيقول إن الصيف في المخيم ليس عطلة للأطفال، بل موسم لتخفيف العبء عن البيت.
وأضاف أنه بين غياب الملاعب وضغط الحاجة الاقتصادية، يجد أطفال المخيم أنفسهم في مساحة صعبة بين حقهم في اللعب وواقعهم المعيشي.
ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تكون العطلة الصيفية مساحة للراحة والتطور، تتحول لدى البعض إلى فترة عمل مبكر، بينما يظل آخرون محصورين بين جدران المنازل والأزقة الضيقة.
الطفولة والمسؤولية المبكرةويرى الجراوين أن هذا التداخل بين الطفولة والمسؤولية المبكرة لا يقتصر على حالات فردية، بل يعكس واقعا اجتماعيا مرتبطا بالبنية الاقتصادية للمخيم وبمحدودية البدائل المتاحة أمام الأسر.
يشار إلى أن قانون العمل يمنع تشغيل الأطفال دون سن معينة، ويضع قيودا على طبيعة الأعمال المسموح بها لمن هم دون 18 عاما، خاصة الأعمال الخطرة أو التي تؤثر على الصحة والتعليم، في حين عادة ما يحذر خبراء اجتماعيون من أن استمرار عمالة الأطفال يؤدي إلى حلقة فقر متكررة، حيث يترك الطفل التعليم مبكرا، ما يقلل فرصه المستقبلية في الحصول على عمل لائق، ويعيد إنتاج الظروف الاقتصادية ذاتها داخل الأسرة على المدى الطويل، وسط دعوات إلى معالجة هذه الظاهرة بربطها بشكل مباشر بتعزيز التعليم، وتوفير برامج حماية اجتماعية، وخلق بدائل ترفيهية وتعليمية للأطفال خلال أوقات الفراغ.
إلى ذلك، تؤكد الناشطة والعاملة في إحدى المنظمات التي تخدم مخيم غزة أمل طشطوش، أن النقص في البرامج البديلة يجعل الأطفال خارج أي إطار منظم خلال أشهر الصيف، ما يتركهم أمام خيارين رئيسيين: الشارع أو العمل.
وأكدت طشطوش الحاجة إلى مراكز دائمة للأنشطة الرياضية والثقافية، تهدف إلى توفير بيئة آمنة ومستدامة، بدلا من الاعتماد على مبادرات موسمية لا تغطي إلا جزءا بسيطا من الاحتياج الحقيقي، خاصة أن المطالب داخل المخيم تتكرر بتحسين واقع الطفولة، بدءا من إنشاء ملاعب بسيطة، وصولا إلى توفير برامج صيفية مستدامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك