بين عتمة الصمت المطبق وتفاصيل مهنة طبية دقيقة ترتكز على أدق التفاصيل، شق الشاب الأردني ضيف الله الشوابكة (25 عاما) طريقه ليتحول من طفل فقد حاسة السمع في مقتبل عمره إلى طبيب أسنان يمارس مهنته بكفاءة.
هي ليست مجرد قصة تخرج تقليدية، بل ملحمة إنسانية التقت فيها تضحية الأخوة وعناد الآباء لتكسر حكما طبيا قديما قضى بأن لغة الإشارة هي النافذة الوحيدة لهذا الطفل على العالم.
لم تكن مسيرة ضيف الله في دراسة طب الأسنان مفروشة بالورود، بل كانت اختبارا يوميا للصبر والإصرار في مواجهة نظرات التنمر والسخرية في محطات مختلفة من حياته.
ومع اعتماده الكامل على قراءة الشفاه لفهم المحاضرات والتواصل مع المحيطين به، اصطدم الشاب بعائق غير متوقع خلال سنوات دراسته؛ وهو جائحة كورونا.
وعندما ارتدى العالم الكمامات، تحولت تلك الأقمشة الصغيرة إلى جدران إسمنتية إضافية تعزل ضيف الله عن شفاه أساتذته وزملائه وتمنعه من فهمهم.
ورغم صعوبة الموقف وخوفه من الفشل، رفض الطبيب الشاب الاستسلام ليتخرج بفضل إرادته وعزيمته حاملا شهادته الفخرية.
توأم الروح.
تضحية روند في غربة جورجيافي هذه الرحلة الطويلة، لم يكن ضيف الله وحيدا في مواجهة الصمت؛ بل كانت شقيقته التوأم روند هي السند والذراع التي اتكأ عليها في الغربة والدراسة والحياة اليومية.
وفي خطوة تجسد أسمى معاني الأخوة، اختارت روند تغيير مسار حلمها الأكاديمي الشخصي في دراسة الطب العام، لترافق شقيقها إلى جمهورية جورجيا ودراسة طب الأسنان معه.
كانت روند تخلع كمامتها لتشرح له ما يصعب فهمه من المحاضرات، وتبث فيه الأمل كلما داهمه التعب وفكر في عدم إكمال الطريق والعودة إلى الأردن.
وتستذكر روند تلك اللحظات قائلة: " تعلمنا أن نحكي لضيف الله دائما: تقدر تعملها وتقدر توصل، وهو وصل فعلا".
رهان الأب.
معركة ضد اليأس والتحبيطخلف هذا النجاح يقف والد صلب، رائد الشوابكة، الذي رفض الرضوخ لتشخيص الأطباء الأوائل بأن ابنه لن يتحدث وسيكتفي بلغة الإشارة.
واستعاد الوالد ملامح البداية المؤثرة قائلا: " كان كل حلمي أسمعه يقول ماما وبابا، مش أكثر من هيك".
واجه الأب ضغوطا اجتماعية وتعليقات محبطة من محيطه اتهمته بـ" تضييع ماله" على طفل لا يسمع، لكنه اختار المضي في دعم طفله بكل ما يملك.
وتتوجت هذه الرحلة بدموع فرح وخوف وتعب في لحظة تخرج وصفها الأب بأنها" أعظم لحظة في حياته".
اليوم، يقف الدكتور ضيف الله الشوابكة في عيادته واضعا سماعته الطبية، ليداوي آلام مرضاه محاطا بتقدير كل من حوله ومثبتا أن العزيمة قادرة على اختراق الصمت.
ويختم ضيف الله حديثه برسالة أمل ملهمة لكل من يواجه ظروفا مشابهة قائلا: " الإعاقة مش نهاية الحياة، بالعكس، ممكن تكون بداية حكاية نجاح مختلفة.
أنا فخور بحالي، وفخور إني رفعت رأس أهلي".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك