تجزئة الشحنات الصغيرة تحت سقف 100 ألف دينار في مرمى الرقابةأولى حالات التحايل تعلقت بالمنتجات الطازجة وسريعة التلف ومواد خطرةتعليمات إلى “جمعية البنوك” مع إشراك بنك الجزائر والجمارك و”الجوية الجزائرية”اتخذت وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات إجراءات صارمة لتشديد الرقابة على عمليات التصدير وحماية احتياطات البلاد من العملة الصعبة، بعد أن رصدت عددا من الممارسات التي استغلت التسهيلات الممنوحة للمصدرين خارج المحروقات وحولتها إلى منافذ للتحايل على القواعد المنظمة للتجارة الخارجية.
وأظهرت التحقيقات وجود أربع ثغرات رئيسية شملت التصدير من دون استرجاع العائدات المالية، وتجزئة الشحنات للاستفادة من الإعفاءات، والتصريح بأسعار لا تعكس القيمة الحقيقية للسلع المصدرة، فضلا عن ممارسات أثارت شكوكا حول تحويل جزء من الأموال إلى الخارج تحت غطاء النشاط التصديري.
وتندرج هذه الإجراءات ضمن توجه جديد يهدف إلى الموازنة بين مواصلة دعم الصادرات الجزائرية وتشجيع المصدرين الحقيقيين من جهة، وضمان شفافية العمليات التجارية ومراقبة حركة رؤوس الأموال من جهة أخرى.
كما تعكس إرادة السلطات في غلق المنافذ التي استغلها بعض المتعاملين لسنوات، وترسيخ منظومة تصدير تقوم على استرجاع عائدات الصادرات وحماية الاقتصاد الوطني من أي ممارسات قد تؤدي إلى استنزاف العملة الصعبة.
من تجزئة الشحنات إلى تخفيض الفواتيروحسب مصادر ذات صلة بالملف، لم تعد معركة تنويع الصادرات خارج المحروقات تقتصر على فتح الأسواق وتشجيع المنتج الجزائري على اقتحام الأسواق الدولية، بل أصبحت مرتبطة أيضا بمواجهة ممارسات تحايلية استغلها بعض المتعاملين لتحويل الامتيازات الممنوحة للمصدرين إلى أدوات لتهريب العملة الصعبة خارج البلاد.
فخلال السنوات الأخيرة، استفادت عمليات التصدير من سلسلة من التسهيلات الإدارية والمالية الرامية إلى تشجيع المتعاملين الاقتصاديين على ولوج الأسواق الخارجية، غير أن بعض الأطراف حولت هذه الامتيازات إلى ثغرات استُخدمت لتنفيذ عمليات مشبوهة، من خلال تجزئة الشحنات، والتصريح بقيم غير حقيقية، وعدم استرجاع عائدات التصدير، أو إعادة بيع المنتجات الجزائرية في الخارج بأسعار تثير الكثير من علامات الاستفهام.
وبعد توسيع صلاحيات وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات بموجب المرسوم التنفيذي الصادر في 16 ماي 2026، انتقلت الوزارة إلى مرحلة جديدة عنوانها “مراقبة الصادرات وحماية حركة رؤوس الأموال بالتوازي مع دعم المصدرين الحقيقيين”.
وفي هذا الإطار، وجهت الوزارة تعليمات جديدة إلى الجمعية المهنية للبنوك والمؤسسات المالية، مع إشراك بنك الجزائر والجمارك و”الخطوط الجوية الجزائرية” للشحن، تضمنت أربعة إجراءات وُصفت بأنها تستهدف مباشرة المنافذ التي كان يستغلها ما بات يُعرف بـ”المصدرين الوهميين”.
وتمثلت الثغرة الأولى في التصدير من دون استرجاع الأموال، حيث أن أولى حالات التحايل التي رصدتها مصالح الوزارة تتعلق بالنظام الخاص بصادرات المنتجات الطازجة وسريعة التلف والمواد الخطرة، والذي يمنح تسهيلات استثنائية نظرا لطبيعة هذه السلع.
غير أن بعض المتعاملين استغلوا هذه المرونة للقيام بعمليات تصدير متتالية من دون تسوية وضعية العمليات السابقة أو استرجاع عائداتها المالية إلى الجزائر، ما فتح الباب أمام تحويل الأموال نحو الخارج خارج المسارات العادية للمراقبة.
إجراءات جديدة بداية من الفاتح جويلية المقبلولوقف هذا المسار، قررت الوزارة، ابتداء من الفاتح جويلية 2026، إلزام كل مصدر معني بهذا النظام بتقديم الفاتورة النهائية الموطنة الخاصة بآخر عملية تصدير قبل الحصول على الموافقة لتنفيذ عملية جديدة، ويهدف هذا الإجراء إلى ضمان تتبع تدفقات الأموال والتأكد من عودة عائدات التصدير إلى الدورة الاقتصادية الوطنية.
وتمثلت الثغرة الثانية في “شحنات صغيرة.
وتحويلات كبيرة”، ومن بين أكثر أساليب التحايل انتشارا لجوء بعض المتعاملين إلى تقسيم صادراتهم إلى عدة عمليات تقل قيمة كل واحدة منها عن 100 ألف دينار، وهو السقف الذي يسمح حاليا بالاستفادة من الإعفاء من التوطين البنكي.
وبهذه الطريقة، كان بالإمكان تنفيذ عدد كبير من العمليات تحت غطاء الإعفاء القانوني، مع صعوبة تتبع الحجم الحقيقي للصادرات وقيمتها المالية، وللقضاء على هذه الممارسة، قررت وزارة التجارة الخارجية إخضاع جميع عمليات التصدير المعفاة من التوطين البنكي إلى ترخيص مسبق ابتداء من أول جويلية المقبل ويُنتظر أن يسمح هذا الإجراء بالكشف المبكر عن محاولات تجزئة الصادرات أو التصريح بقيم غير مطابقة للواقع، مع تعزيز الرقابة على استرجاع عائدات التصدير.
هكذا تم بيع منتجات جزائرية بأقل من قيمتها الحقيقيةوتمثلت الثغرة الثالثة في بيع المنتجات الجزائرية بأقل من قيمتها الحقيقية، وهو نوع آخر من التحايل اكتشفته السلطات يتعلق ببعض المصدرين الذين يشترون منتجات جاهزة من المصانع الجزائرية ثم يعيدون تصديرها بأسعار منخفضة بشكل غير مبرر، وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن بعض المنتجات الجزائرية كانت تُسوّق في الخارج بأقل من أسعارها داخل السوق الوطنية، بل وأحيانا بأقل من تكلفة إنتاجها.
هذا الوضع أثار شكوكا حول احتمال استخدام التخفيض المتعمد للفواتير كآلية لتحويل جزء من قيمة المعاملات المالية إلى الخارج ولذلك فرضت الوزارة على المصدرين الحصول على مصادقة المصنع المنتج على السعر المصرح به عند التصدير، بما يسمح بمقارنة الأسعار المعلنة بالقيمة الحقيقية للمنتج ومنع أي تلاعب محتمل.
وتمثلت الثغرة الرابعة في تنظيم السوق الداخلية ومواجهة المضاربة ولم تقتصر الإجراءات الجديدة على ملف التصدير فقط، بل امتدت إلى تنظيم نشاط الاستيراد والبيع على الحالة، ففي إطار تنسيق مشترك بين وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات ووزارة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية، أصبح المستوردون مطالبين بتقديم قوائم مسبقة تتضمن الموزعين والزبائن الذين ستوجه إليهم السلع المستوردة.
ويرمي هذا الإجراء إلى تتبع مسار المنتجات بعد دخولها إلى السوق الوطنية، والحد من المضاربة والاحتكار، خاصة في القطاعات الحساسة، إلى جانب مكافحة ظاهرة كراء السجلات التجارية التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد مصادر الفوضى في بعض النشاطات التجارية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك