في العشرين من يناير عام 2017، أمام حشد من المحتفين ضم جميع رؤساء الولايات المتحدة السابقين الذين ما زالوا على قيد الحياة، وقف دونالد ترامب على درجات الكابيتول ليعلن بدء حقبة «أميركا أولاً».
حينها رأى الكثيرون الحدث كزلزال سياسي غير مسبوق، أو كخلل مفاجئ في مصفوفة الديمقراطية الغربية.
لكن القراءة المتأنية للتاريخ تخبرنا بقصة مختلفة تماماً؛ فترامب لم يكن طفرة عشوائية، بل كان الوارث الشرعي لثورة بدأت قبل أربعة عقود على يد ريغان في واشنطن وثاتشر في لندن.
أولاً: جذور التحول (تحالف الثمانينيات)قام كل من ريغان وثاتشر في الثمانينيات بهدم العقد الاجتماعي القديم ووضع حجر الأساس لعالم جديد: عالم يقدس السوق الحرة، ويزدري التدخل الحكومي، ويعيد صياغة الوطنية في قالب هوياتي حاد.
تميز تحالفهما بالالتزام برأسمالية السوق المطلقة، وتقليص حجم الحكومة، ونهج «السلام من خلال القوة».
• السياسات الاقتصادية: أدت «النيوليبرالية» التي تبناها الثنائي إلى تقويض نفوذ النقابات العمالية وترك فجوات هائلة بين الطبقات.
• النتائج الهيكلية: هذه الفجوات هي التي مهدت الطريق لاحقاً لظهور طبقة عاملة محطمة.
• السياسات الثقافية: ازدادت حدة الصراع على الهوية، ونما الخوف من المهاجرين، والتعبئة الشرسة ضد المخالفين، وبرزت ثقافة النجومية التي تخلط بين الثراء والقدرة على الحكم.
كان لتحالفهما دور حاسم في الانهيار النهائي للاتحاد السوفيتي، لكنه في الوقت ذاته فتح الباب لنيوليبرالية شرسة تركت فجوات طبقية هائلة، وهي ذات الفجوات التي سيعبر منها ترامب لاحقاً كمنقذ للطبقات «المنسية».
ثانياً: التمرد على الآباء (حين تنقلب المحافظة على نفسها)وعلى الرغم من هذا الرابط الجيني الوثيق، فإن ترامب يمثل «طفرة» متمردة على وصايا والديه الروحيين في عدة مفاصل جوهرية.
الاقتصاد: بينما كان ريغان وثاتشر يبشران بعالم بلا حدود اقتصادية ويقدسان «التجارة الحرة»، جاء ترامب ليعيد بناء الجدران التي هدمها أسلافه، مستبدلاً العولمة بـ«حمائية» شرسة وبرامج للتعريفات الجمركية، محولاً البوصلة من حرية الأسواق العابرة للقارات إلى برنامج «إلغاء العولمة» الذي يضع المصلحة الوطنية الضيقة فوق استقرار النظام المالي العالمي.
روح المؤسسات: ففي الوقت الذي سعى فيه ريغان وثاتشر إلى بناء أطر دولية متينة تقود العالم الغربي، نجد ترامب يتبنى نهجاً «انعزالياً» يتسم بالشك تجاه هذه المنظومات.
إن انسحابه المتكرر من الاتفاقيات والمنظمات الدولية، كاليونسكو واتفاق باريس للمناخ، يعكس هوة سحيقة بين محافظية «بناء النظام» في الثمانينيات ومحافظية «تفكيك النظام» التي يقودها ترامب اليوم.
المزاج السياسي: في حين غلف ريغان وثاتشر الراديكالية بلغة أخلاقية وفكرية رصينة تلتزم ببروتوكولات المؤسسة التقليدية، يطل ترامب بأسلوب «شعبوي» فج ومناهض لكل ما هو تقليدي، مستبدلاً الدبلوماسية الهادئة بضجيج المواجهة المباشرة.
ترامب لا يسعى إلى إصلاح المؤسسة من الداخل، بل يراها «عدواً» تجب إزاحته، مما يجعل ظاهرة ترامب في عام 2026 ليست مجرد استمرار للمحافظية، بل «انقلاب» المحافظة على قيمها الكلاسيكية لضمان بقائها في عصر الغضب.
ثالثاً: هل هي نهاية المسار؟ربما يكون الخطأ الأكبر الذي وقع فيه الكثيرون هو النظر إلى دونالد ترامب كزلزال عنيف هز أسس المحافظية الغربية، بينما هو في الحقيقة ليس سوى انهيار أرضي بطيء بدأت بوادره الأولى مع سياسات الثمانينيات.
لقد حفر ريغان وثاتشر النفق في جبل المؤسسات التقليدية، لكن ترامب هو من قاد القطار عبره بكل ضجيجه وفوضويته.
لم يكن ترامب يوماً قطيعة مع الماضي المحافظ، بل كان المرآة التي عكست تشوهات هذا الماضي ووعوده التي لم تستكمل.
السؤال الذي يبقى مفتوحاً اليوم هو: إذا كان ترامب هو الابن الشرعي لهذه الثورة، فهل يمثل نهاية المطاف لهذا المسار التاريخي، أم أنه يمهد الطريق لنسخة أكثر راديكالية من «المحافظة القومية» التي لا تعترف بأي إرث سابق؟خاتمة: في انتظار «ما بعد المحافظة»إن المقارنة التاريخية بين حقبة الثمانينيات وواقعنا اليوم في عام 2026 لا تهدف إلى الإدانة أو التبرئة، بل إلى فهم المسار الذي سلكته المحافظة الغربية من «أيديولوجيا البناء» إلى «سياسة التفكيك».
لقد كان ريغان وثاتشر يطمحان إلى تغيير العالم عبر المؤسسات، بينما يقود ترامب اليوم تمرداً ضد هذا العالم نفسه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك