تحدث التغيرات في المجتمعات مع مرور الزمن، وتنتقل بينها العادات والتقاليد بفعل الانفتاح الإعلامي والثقافي؛ وبلا شك هذا الوضع سلاح ذو حدين؛ فليست كل ما تنفتح عليه المجتمعات جيداً، كما وأنه ليس كله سيئاً؛ وهنا تجب الوقفة بوعي وحرص وتفهم لكل ما أصبحنا نعيشه في مجتمعنا من هذه الظواهر، متذكرين أنه مجتمع (مسلم عربي أصيل) هو المجتمع الذي منه خرج هادي الأمة ومخرجها من الظلمات إلى النور؛ محمد بن عبد الله- عليه الصلاة والسلام- ولا ننسى دوماً أننا خير أمة أخرجت للناس، أمة التفكر والتدبر والوعي والفهم، وليست أمة تلبس كل ما يعرض عليها وتنتهج بنهج ما أنزل الله به من سلطان.
الأمة العربية الأصيلة تقبل الحضارة وتدعمها تلك الحضارة، التي تجعلها في مصاف الأمم وترتقي بها علماً وتقدماً يثبت للعالم أن العرب هم أصل الحضارات، وهم الأوائل في كل شيء يخدم الإنسان ويسهل حياته، وفي كل ذلك هم الأسبق للاقتناء والدراسة والتطبيق لأحدث ما وصل له العلم.
وليس عيباً أن يسعى الإنسان العربي الأصيل للأخذ بكل ما يرتقي بذاته وعمله وتجارته وبيته وأسرته، وكل ما يجعله يعيش حياةً جيدة سعيدة مريحة، لكن أن تحرص العائلات على بعض المظاهر حرصها على أولوياتها الهامة، فذلك ما يؤسف له!! فقد انتشرت خلال العقدين الماضيين وانتشاراً واسعاً حفلات- أعياد الميلاد- والاهتمام والحرص المبالغ فيه- بدبلة الخطوبة- حتى أصبحت لدي البعض معياراً للمكانة الاجتماعية والتحضر، وأصبحت مصدراً للضغوط النفسية والمقارنات (للأسف) وكلاهما عادات أتت من الغرب، ولها معان وأهداف لا تتفق مع قيمنا وديننا، ثم تطورت عبر العصور، وتعلق بها العرب وهم لا يعرفون منشأها وأصلها، ثم سكنت قلوبهم وبيوتهم واستقرارهم، وليتهم حين أخذوا باحتفال الميلاد، شكلوه بما يتناسب وقيمهم، فمثلاً حذفوا من مسماه كلمة-عيد ـ وجعلوه ذكرى جميلة يغرسون في صغارهم أهمية المولد والمنشأ، وبقدر عمره يتذكرون ويذكرونه بكل جميل؛ ما يناسب عمره، ويحمدون الله أنه أتم هذه السنوات بخير وصحة، ويخصصون صدقة ما لهذه المناسبة، ويحتفلون بها بشكل عائلي بسيط!! المؤلم، بل والمخزي حقيقة أن إحدى الأخوات تخبرني أن أخيها البالغ من العمر العشرين عاماً غضب منهم، واستاء لمدة معينة؛ لأنهم نسوا الاحتفال بيوم ميلاده!! أي عقلية تربى عليها هذا الشاب وغيره حتى يعطي الاحتفال بمولده هذه الأهمية، مثل هذا الشاب لم يكلف نفسه معرفة- أصل الحكاية.
تقول أخته: منذ مولده ووالدتي تعمل له حفلاً، وتقدم له هدية ونحن معها، وصار هكذا لذلك حين لم يكن شعر بالأسى!! أما دبلة الخطوبة، وما أدراكم ما دبلة الخطوبة، التي غنى لها العرب وتعلق بها الشباب، وصارت رمزاً للزواج لا يمكن تجاهله وإلا لن يكون!! تعود جذور دبلة الخطوبة إلى عصور قديمة، وترمز كحلقة دائرية لاستمرار الحياة والارتباط، ولن أفصل في منشئها، فلن يتسع المجال، لكنني أتمنى من الجميع أن يطلعوا على ذلك بالبحث، وأن نخضع عقولنا لتقصي حقيقة كل عادة نريد تقليدها!! ومن يتبصر فيما نحن فيه اليوم يجد أن هاتين الظاهرتين احتلتا مكانة كبيرة؛ حتى باتت تتحكم في هدوئهم وفهمهم للحياة، تذكرت زميلة لي من بلد عربي عملنا معاً في أول سنة تعيين لي، قالت لي: إن دبلة زواجها من عشرين سنة لم تخرجها من أصبعها؛ لاعتقادها وتشاؤمها لو خرجت إنما تحركها للنظافة! وليس ذلك، بل هناك زوجة في مجتمعنا غادرت عش الزوجية؛ لأن زوجها أخرج الدبلة!! الإشكالية لا تكمن في هاتين الظاهرتين، بل هناك ظواهر أخرى للأسف الشديد صارت بعض الأسر تسعى خلفها تقليداً لا يحمل ذرة من الوعي.
نحن فعلاً بحاجة للتوعية المجتمعية!! أنا لست ضد الاحتفالات إنما ضد المبالغات، وإعطاء بعض الأمور أهمية وقيمة لا تستحقها! أنا مع الوعي وفهم الأمور وعدم الانسياق وراء كل ما يردنا من غث وسمين ودمتم.
اللهم اهدنا لما تحب وترضى.
(اللهم زد بلادنا عزاً ومجداً وزدنا بها عشقاً وفخراً).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك