قناة الغد - صحة غزة: 981 شهيدًا منذ التهدئة.. وإجلاء دفعة من الجرحى عبر رفح روسيا اليوم - لافروف: مستعدون للقاء السفراء الأوروبيين "علّهم يطرحون شيئا مهما" حول تسوية أوكرانيا فرانس 24 - الإمارات للشحن الجوي تطلق رحلة أسبوعيا إلى ألماتي في كازخستان القدس العربي - صحيفة إسرائيلية.. كل الشواهد تشير إلى أمر واحد روسيا اليوم - "براهموس إيروسبيس" الروسية الهندية: مستعدون لتزويد الجيش الروسي بصواريخنا المجنحة الجزيرة نت - إسرائيل في فخ الحرب الأبدية.. كيف حول نتنياهو الردع إلى استنزاف؟ وكالة الأناضول - "العفو الدولية": إسرائيل تقود حملة تطهير عرقي بالضفة لتهجير الفلسطينيين روسيا اليوم - شركة سعودية تسابق الزمن لمساعدة مصر على إنجاز أكبر مشروعاتها الجزيرة نت - العفو الدولية: إسرائيل تنفذ تطهيرا عرقيا للتجمعات البدوية في الضفة يني شفق العربية - العفو الدولية: الاحتلال ينفذ تطهيرًا عرقيًا بالضفة الغربية
عامة

هندسة البترول بين الاستخلاف والاستدامة

الجزيرة نت
الجزيرة نت منذ 1 ساعة
1

المهندس المستخلف: قراءة في هندسة البترول والاستدامة من منظور فلسفة الخلق والتحولات المعاصرةفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات الطاقة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، لم تعد هندسة ا...

المهندس المستخلف: قراءة في هندسة البترول والاستدامة من منظور فلسفة الخلق والتحولات المعاصرةفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات الطاقة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، لم تعد هندسة البترول مجرد تخصص تقني معني باستخراج الموارد الهيدروكربونية من باطن الأرض وتحقيق الكفاءة الإنتاجية، بل أصبحت مساحة تتقاطع فيها الأسئلة الأخلاقية والاجتماعية والوجودية.

ومن هنا تنطلق هذه القراءة التي تحاول إعادة النظر في صورة مهندس البترول، ليس بوصفه مشغلا للآلة فقط، بل باعتباره فاعلا حضاريا ومستخلفا في الأرض، يتحمل مسؤولية أخلاقية تجاه الإنسان والطبيعة والأجيال القادمة.

يقوم هذا التصور على فكرة مركزية مفادها أن هندسة الموارد الطبيعية يمكن فهمها في ضوء" فلسفة الخلق" والسنن الكونية، حيث يتحول فعل استخراج الطاقة من عملية اقتصادية بحتة إلى ممارسة مرتبطة بمعنى الاستخلاف والميزان.

فالقرآن الكريم يربط بين الإنسان والأرض بعلاقة مسؤولية لا علاقة تملك مطلق، كما في قوله تعالى: (إني جاعل في الأرض خليفة) (البقرة: 30)، وقوله: (هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) (هود: 61).

ومن هذا المنطلق، يصبح المهندس" مدينا" للأرض وللأجيال القادمة، لا بمعنى الدين الاقتصادي، بل بالمعنى اللغوي والوجودي لكلمة" الدين" باعتبارها حسابا ومسؤولية.

إن مفهوم الاستدامة في هذا السياق لا يفهم فقط كسياسات بيئية أو تقنيات لتقليل الانبعاثات، بل كترجمة أخلاقية لفكرة الاستخلاف.

فالمهندس الذي يراعي التوازن البيئي ويضع حدودا للاستهلاك والاستنزاف لا يؤدي وظيفة تقنية فحسب، بل يمارس نوعا من" العمل لما بعد الموت"، وهو ما يقترب من تعريف جابر بن حيان للدين باعتباره" الأفعال المأمور بإتيانها للصلاح فيما بعد الموت".

وبذلك تصبح الاستدامة شكلا من أشكال الوعي بالأثر الممتد للفعل الإنساني.

فنحن هنا في هذا العالم لاستخدام الموارد المتاحة لنا بالقدر الذي نحتاجه دون استنزاف يضع هذه الموارد في خطر بالنسبة إلى الأجيال القادمة.

إن الاستدامة الحقيقية لا تعني فقط الحفاظ على الموارد، بل الحفاظ أيضا على" روح المكان" وحق الإنسان في بيئة تحمل معنى إنسانيا وجمالياومن زاوية أخرى، تتناول هذه القراءة التحول الخطير الذي قد يصيب المجتمعات الصناعية الحديثة، والمتمثل في الانتقال من" تقديس الخالق" إلى" تأليه الآلة".

فقد بدأ الأمر بنظرة سامية وفعل تعبدي، وهو النظر والتدبر في ملكوت السماوات والأرض واستخدام نعم الله تعالى علينا، ولكن مع سرعة الحداثة والتطور الهائل في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي داخل قطاع الطاقة، قد تتحول الكفاءة والإنتاجية إلى قيم مطلقة تختزل فيها معايير النجاح، بينما يتراجع الاعتبار الإنساني والأخلاقي، ويتحول البشر والعمل إلى مؤشرات وأرقام مجردة تدل على الإنتاج والكفاءة المطلقة.

يشير عالم النفس الاجتماعي إريك فروم إلى أن" الدين" قد يكون أي إطار فكري يمنح الإنسان موضوعا للعبادة والتوجيه؛ ومن هنا يمكن فهم كيف تتحول التقنية أحيانا من أداة تخدم الإنسان إلى مرجعية تحدد قيمته ومعنى وجوده.

في هذا السياق يظهر خطر" تشييء الإنسان"، أي اختزاله إلى مجرد ترس داخل منظومة إنتاجية ضخمة، بحيث تصبح قيمته مرتبطة فقط بما ينتجه أو يحققه من أرباح.

وهنا يبرز دور" المهندس المستخلف" الذي يرفض خضوع الإنسان الكامل لمنطق الآلة، ويعيد التأكيد على أن التكنولوجيا يجب أن تبقى خادمة لمشروع عمارة الأرض لا متحكمة فيه.

كما تتوقف هذه القراءة عند العلاقة بين الطاقة والمكان، أو ما يمكن تسميته" جغرافية الطاقة".

فالمنشآت النفطية والمدن الصناعية لا تؤثر فقط في البيئة الطبيعية، بل تعيد تشكيل الشعور الجمعي والهوية الاجتماعية.

فالمكان ليس مجرد مساحة جغرافية محايدة، بل يحمل ذاكرة ورمزية وانتماء.

ومن هنا يطرح السؤال: هل يمكن أن تتحول التنمية إلى شكل من أشكال" طمس المكان" بدلا من إحيائه؟ حيث إن المدن الصناعية غالبا ما تكون غير مهيأة للعيش، فهي مصممة لأداء وظائف العمل والإنتاج فقط، فينفصل فيها الشخص عن شعوره بكيانه وانتمائه لكل شيء ما عدا عمله.

إن الاستدامة الحقيقية لا تعني فقط الحفاظ على الموارد، بل الحفاظ أيضا على" روح المكان" وحق الإنسان في بيئة تحمل معنى إنسانيا وجماليا.

ويمكن هنا الاستفادة من طرح إميل دوركهايم حول التمييز بين المقدس والدنيوي، حيث يؤدي اختزال الطبيعة إلى مجرد مادة خام للاستهلاك إلى نزع بعدها الرمزي والوجداني، بينما يسعى الوعي الاستخلافي إلى استعادة مشاعر الخشية والإجلال تجاه الكون باعتباره آية من آيات الخلق.

وتحاول هذه القراءة كذلك توظيف" العدسة الهندسية" لفهم الأبعاد الأخلاقية والاجتماعية للقضية.

فكما يحتاج البئر النفطي إلى توازن دقيق في الضغط لتجنب الانفجار أو الانهيار، تحتاج المجتمعات إلى توازن بين النمو المادي والقيم الإنسانية.

ويمكن تشبيه الاستدامة بما يعرف هندسيا بـ" معامل الأمان" (Safety Factor)، أي الهامش الذي يضاف إلى التصميم تحسبا للمخاطر والظروف غير المتوقعة.

وبالمثل، فإن الاستدامة تمثل" معامل أمان حضاري" يحمي الإنسان من الانهيار البيئي والأخلاقي الناتج عن الإفراط في الاستهلاك والاستغلال.

لا تحاول هذه القراءة إدانة التكنولوجيا أو رفض التقدم الصناعي، بل تسعى إلى إعادة توجيه النقاش نحو سؤال أعمق: كيف يمكن للهندسة أن تظل فعلا إنسانيا وأخلاقيا داخل عالم تحكمه المصالح المادية والتنافس على الموارد؟في العلوم الحيوية، كالكيمياء والفيزياء، ينتشر مصطلح" الإنتروبي" (Entropy)، الذي يشير إلى العشوائية.

كما يمكن الاستفادة من هذا المفهوم في تفسير كيف يؤدي غياب القيم والضوابط الأخلاقية إلى ازدياد الفوضى والاضطراب داخل الأنظمة الاجتماعية والبيئية.

فالقيم هنا لا تظهر كخطاب وعظي منفصل عن الواقع، بل كآلية تنظيم تحفظ التوازن والاستقرار.

ولتقريب الفكرة بصورة رمزية، يمكن تشبيه الموارد الطبيعية بمكتبة عامة؛ نحن لسنا أصحاب الكتب، بل مستعيرون لها.

يحق لنا القراءة والاستفادة والتنمية، لكن مع التزام أخلاقي بالحفاظ على الكتب سليمة للأجيال اللاحقة.

أي تمزيق للصفحات أو استنزاف مفرط للموارد هو إخلال بأمانة الاستخلاف.

وفي النهاية، لا تحاول هذه القراءة إدانة التكنولوجيا أو رفض التقدم الصناعي، بل تسعى إلى إعادة توجيه النقاش نحو سؤال أعمق: كيف يمكن للهندسة أن تظل فعلا إنسانيا وأخلاقيا داخل عالم تحكمه المصالح المادية والتنافس على الموارد؟ وكيف يمكن للمهندس أن يحافظ على إنسانيته وصلته بالخالق وسط ضجيج الآلات ومنطق السوق؟إن" المهندس المستخلف" ليس نموذجا مثاليا منفصلا عن الواقع، بل هو محاولة لإعادة تعريف المهنة باعتبارها مسؤولية حضارية.

فالمهندس لا يحرك المحركات بالوقود فقط، بل يساهم في تشكيل المجتمع بالقيم التي يختارها في إدارة موارد هذا الكوكب.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك