ابتكر العلماء نهجًا رائدًا قد يُحدث نقلة نوعية في الوقاية من سرطان الرئة، وهو عبارة عن فحص دم قادر على تحديد الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بالسرطان قبل سنوات من ظهوره، وفقاً لموقع" تايمز ناو".
وأعلن فريق بحثي دولي بقيادة تشارلز سوانتون في معهد فرانسيس كريك في بريطانيا مؤخراً عن اكتشاف هام في مجلة" cell" فقد حدد العلماء" بصمة مكونة من 14 بروتيناً" في بلازما الدم، والتي قد تتنبأ باحتمالية الإصابة بسرطان الرئة قبل سنوات من التشخيص، مما يفتح المجال أمام التدخل المبكر والعلاجات الوقائية التي قد تنقذ الأرواح.
يركز البحث الجديد على بلازما الدم، وهي المكون السائل للدم الذي يحمل آلاف البروتينات التي تفرزها الأعضاء والأنسجة في جميع أنحاء الجسم.
تشكل هذه البروتينات مجتمعةً بروتينات البلازما، والتي يمكن أن توفر معلومات قيّمة عن صحة الإنسان.
يصف الباحثون تحليل البلازما بأنه نوع من" الخزعة السائلة" لأنه يوفر لمحة سريعة عن التغيرات البيولوجية التي تحدث داخل الجسم.
ومن خلال مقارنة ملامح البروتينات لدى الأفراد الأصحاء وأولئك الذين أصيبوا لاحقًا بسرطان الرئة، يأمل العلماء في تحديد العلامات التحذيرية المبكرة للمرض.
لتحقيق ذلك، استخدم فريق البحث بيانات من بنك البيانات الحيوية البريطاني، وهو مشروع صحي طويل الأمد يتتبع حوالي 500 ألف متطوع.
تحتوي قاعدة البيانات على سجلات صحية مجهولة المصدر وعينات بيولوجية تساعد العلماء على دراسة تطور الأمراض بمرور الوقت.
وباستخدام عينات بلازما من حوالي 48 ألف مشارك، درّب الباحثون نموذجًا للتعلم الآلي لتحليل أنماط البروتينات إلى جانب عوامل أخرى مثل العمر والجنس وحالة التدخين وتاريخ تشخيص سرطان الرئة.
وحدد النموذج 14 بروتينًا مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بخطر الإصابة بسرطان الرئة في المستقبل.
ثم قام الفريق باختبار النموذج على بيانات من حوالي 12000 مشارك لم يتم تضمينهم في مرحلة التدريب.
من بين هذه المجموعة، كان هناك 75 شخصًا أصيبوا لاحقًا بسرطان الرئة، بمتوسط فترة تشخيص بلغت 5.
1 سنوات بعد أخذ عينة الدم.
ومن اللافت للنظر أن النموذج نجح في تحديد أكثر من 75% من حالات سرطان الرئة المستقبلية بدقة، مما يدل على حساسيته العالية.
كما قام الباحثون بالتحقق من صحة بصمة البروتينات الأربعة عشر عبر ثماني مجموعات بيانات إضافية، شملت أشخاصًا لم يدخنوا طوال حياتهم، مما يشير إلى أن هذا المؤشر الحيوي قد يكون مفيدًا خارج نطاق الفئات السكانية التقليدية عالية الخطورة.
العلاقة بين الالتهاب والسرطانكشفت الدراسة أن البصمة البروتينية أصبحت أكثر وضوحًا عند تنشيط المسارات الالتهابية المرتبطة بالتدخين وتلوث الهواء.
أشارت أبحاث سابقة أجراها الفريق نفسه إلى أن تلوث الهواء قد يُحفز التهابًا يُنشط خلايا الرئة الخاملة والمتحولة، مما يسمح لها في النهاية بالتحول إلى سرطان.
وتدعم النتائج الجديدة نظرية مفادها أن التدخين قد يُسبب طفرات جينية، بينما يعمل الالتهاب كمحفز يُؤدي إلى تكوّن السرطان.
كما كانت هذه السمة أقوى لدى الأشخاص الذين أصيبوا لاحقًا بمرض الانسداد الرئوي المزمن والتليف الرئوي، وهما حالتان مرتبطتان بالتهاب الرئة المزمن.
هل يمكن للأدوية الموجودة أن تمنع سرطان الرئة؟كما حدد الباحثون علاجاً وقائياً محتملاً.
قام الباحثون بتحليل بيانات من تجربة CANTOS، التي درست دواءً لتقليل الالتهاب بعد النوبات القلبية.
وأظهر تحليل استرجاعي أن المشاركين الذين أظهروا بصمة 14 بروتينًا انخفض لديهم خطر الإصابة بسرطان الرئة بنسبة 50% عند علاجهم بهذا الدواء.
رغم أن النتائج مشجعة، يحذر الخبراء من أن الدواء له عيوب كبيرة، بما في ذلك آثار جانبية خطيرة وتكاليف باهظة وهناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد ما إذا كانت البدائل الأكثر أمانًا والأقل تكلفة قادرة على تحقيق نتائج مماثلة.
على الرغم من أن هذا الاكتشاف مثير، يؤكد الباحثون أن بصمة البروتينات الأربعة عشر لا تزال بحاجة إلى التحقق من صحتها في مجموعات سكانية أكثر تنوعًا حول العالم.
كما يجب على العلماء تطوير اختبار تشخيصي عملي قادر على قياس جميع البروتينات الأربعة عشر بدقة وفعالية من حيث التكلفة.
إذا أكدت الدراسات المستقبلية هذه النتائج، فقد يتمكن مقدمو الرعاية الصحية يومًا ما من استخدام فحص دم بسيط لتحديد الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بسرطان الرئة قبل سنوات من ظهور الأعراض.
وبالاقتران مع العلاجات الوقائية الموجهة، يمكن لهذا النهج أن يُحدث ثورة في الوقاية من السرطان وينقذ أرواحًا لا حصر لها.
في الوقت الراهن، يُمثل هذا البحث خطوة هامة نحو الكشف المبكر، والتقييم الشخصي للمخاطر، ومستقبل يُمكن فيه إيقاف سرطان الرئة قبل ظهوره.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك