تتعدد الحيل الدفاعية النفسية اللاواعية لدى الأفراد لإعادة التوازن من آثار الاضطرابات التي تصيبهم ومنها عقدة الاستعلاء والتي يتقمصوها لإخفاء شعور عميق بالنقص أو الدونية عبر التظاهر بالتفوق.
جاء في علم النفس الفردي على لسان عالم النفس النمساوي ( الفرد إدلر، 1914) أن الإنسان كائن اجتماعي تحرّكه غاية المستقبل، والسعي نحو التفوّق (Superiority) ويمكن لبعض العوامل أن تقف حائلا دون تحقيق هذا المسعى متسببة في الشعور بالقهر والنقص والدونية وعدم الكفاية، ويمكن للفرد إذا ما شعر بإحساس النقص أن يسلك أحد اتجاهين: العمل على تعويض النقص، أو أن تسيطر عقدة النقص على أفكاره ومشاعره وتصبح متحكّمة بسلوكياته والسعي بأنانية وراء السلطة وتعظيم الذات حتى لو كان على حساب الآخرين، ويرى علم النفس الفردي أنّ الإنسان يحيا في صراع أزلي بين هربه من الشعور بالتدني، وسعيه الحثيث نحو الشعور بالتفوّق، والسعي لتحقيق الذات (Self-Actualization) وعلى صعيد التنشئة الاجتماعية الأسرية يخبرنا علم النفس الفردي: أنّ ترتيب الطفل في أسرته يكون له الأثر الأكبر في تطور شخصيته فالطفل الأول (الأخ الأكبر) ينال اهتمام والديه الكامل ، وعادة ما يكون طموحا ومتحفزا نحو الإنجازات، ويكون مطيعا وتتماشى أفكاره مع أفكار والديه، ويتوقع منه والداه الكثير، وهذا ما يدفعه لأن يكون قائدا في المستقبل وتحمل مسؤولية مما يضعه تحت الضغط بشكل دائم، ويشعر بالتهديد عند ولادة الطفل الثاني.
أمّا الطفل الثاني( الأوسط) فهو ثائر ويحبّ تحدّي السلطة المتمثلة بقواعد البيت، وفي الوقت نفسه يمتلك مهارات تفاوض جيدة تسمح له بفض النزاعات داخل العائلة بثقة، ويمتلك ثباتا انفعاليا عاليا، ويعد (حمامة السلام) في المنزل، ومحبّا للتحدي إذ يحاول مجاراة الأخ الأكبر وفي الوقت نفسه يتحاشى المساواة بأخيه الأصغر، ويعاني من الإحباط بسهولة.
أمّا الطفل صاحب الترتيب الثالث فيرى ( إدلر) أنّه المدلل غير المسؤول والمعتمد على من حوله، ينجح في جذب الانتباه ويمكنه التلاعب بمن حوله لتحقيق ما يريد، وينال قدرا من الحرية عندما يصبح الوالدان أقل صرامة في تطبيق قواعد المنزل، ما يمنحه مساحة من الإبداع والانطلاق، وقد ينتهي به الحال إلى مآلين: إمّا أن ينجح بشكل باهر، وإمّا أن يفقد الثقة اللازمة للنجاح ويصبح انعزاليا غير راغب في التفوق.
ويرى ( إدلر) أنّ الطفل الوحيد والذي يتعامل طوال الوقت مع البالغين فإنه يقلدهم ويتصرف مثلهم ويتحول إلى ( رجل صغير) يتسم بالمسؤولية وحبّ القيادة، وقد يبالغ الوالدان بحمايته وتدليله وتوفير كل طلباته، ما يجعل رفض طلباته من المجتمع أمرا لا يحتمل بالنسبة له، بالإضافة إلى رفضه مشاركة أي من ممتلكاته مع الآخرين، رغم كل ذلك قد يوفّر له هذا الوضع فرصة للإبداع وتنمية ذكائه، لكن دون مرونة.
قد تنشأ نواة عقدة الاستعلاء من خلال البيئة الأسرية وعلى الوالدين التنبه لهذا الأمر بتوفير بيئة أسرية يسودها العدل والمحبة، والحرص على التعامل مع الأبناء صعبي المراس على أنهم يسعون لـتأكيد تفوقهم، لذا يجب التعامل معهم على هذا الأساس ودعمهم باستمرار.
أمّا على مستوى القيادة، فالقائد الذي يعاني من عقدة الاستعلاء فعادة ما يكون أنانيا وترتكز علاقاته على المصلحة الشخصية، ويجري المقارنات دائما وغالبا ما تكون غير منطقية وغير واقعية، والميل للإمساك بزمام الأمور من حوله بطريقة غير قانونية مما يجعله يصدر قرارات شخصية عشوائية، ويعتبر كل أمر له مطاع ولا يظهر الامتنان لأحد؛ لأنه يعاني من عقدة الاستعلاء لشعوره بالدونية والنقص ويحاول تعويض ذلك من خلال مركزه كقائد أو مدير أو مسؤول.
أمّا عقدة الاستعلاء على صعيد الجماعات فيعرّفها ابن خلدون في مقدّمته: ميل المغلوب لتقليد الغالب بأنها ظاهرة نفسية اجتماعية تظهر عندما تتأثر نفسية الجماعة المغلوبة وتشعر بالنقص والدونية وتنبهر بقوة وسطوة الجماعة الغالبة، فتسارع إلى تقليدها تقليدا أعمى في شعائرها، وعاداتها وأسلوب حياتها؛ لاعتقادها بكمال الغالب وضعف نفسها، ويتقاطع تفسير ابن خلدون مع تفسيرات علم النفس الحديث حيث يكون مفهوم الاستعلاء الخارجي للغالب انعكسا لشعور الدونية لدى المغلوب، وهي إحدى الطرق التي يستخدمها المغلوب الذي يشعر بالدونية للإفلات من الصعوبات التي تواجهه، أي أن حقارة الذات استولدت ذلك الاستعلاء لتحقير المناوئ لها.
يرى الفيلسوف العربي التونسي (ابن خلدون) أنّ قوة الدولة وقيام الحضارات مرتبط بالعصبية (الولاء واللحمة والترابط الاجتماعي) وبمجرد أن تفقد الأمة عصبيتها وتستشعر الدونية تبدأ بالاستعانة بالغير أو تنهار حضاريا.
في مجتمع البادية تبرز عصبية المستوى الأول (الخاص) وفي مجتمعات التحضر والعمران يبرز المستوى الثاني فتظهر فيه آفاق جديدة للتعاون والتكافل والدعوة الدينية.
ولكن إذا تحولت العصبية إلى إيديولوجيا سياسية وتحولت الدولة من وطن إلى عصبيات تفخر كل عصبية بأصلها وتسعى للسيطرة على الدولة التي اعترفت بالاصطفاء بدل المواطنة، فشلت تلك الدولة ؛ لأنها جعلت من عصبيتها حقا سياسيا مطلقا، كالحضارة الصينية حيث أطلقت على نفسها اسم (الوسط) أو المملكة الوسطى معتقدة أنها تقع في مركز الأرض وأنها مركز العالم المتحضر، واعتبرت الشعوب المجاورة ( برابرة) يجب أن يخضعوا للثقافة الصينية، وكان ينظر إلى الإمبراطور بأنه (ابن السماء) ومفوض بحكم العالم بأسره، والحضارة الإغريقية (اليونان القديمة) اعتبرت نفسها أصحاب العقل والمنطق والفلسفة، وكل من لا يتحدث اليونانية هو من البربر وأقل شأنا منهم.
وفي مصر القديمة (الفراعنة) حيث اعتبروا حضارتهم ونظامهم الاجتماعي والإداري هو النظام الكوني المثالي، وكانوا ينظرون إلى الشعوب المجاورة كفوضويين ويجب صدهم لحفظ استقرار وتميز أرض النيل.
أمّا حضارة المكسيك (الأزتيك) اعتبروا أنفسهم (شعب الشمس المختار) وأنّ بقاء الكون مرهون بتقديم القرابين لآلهتهم، وأخضعوا الشعوب المجاورة بقوّة السلاح وفرضوا عليهم الجزية؛ لاعتقادهم بتفوقهم العرقي والديني، وهناك الكثير من الأمم التي سادت ثم بادت بسبب عقدة الاستعلاء، وعدم احترام ثقافة الآخر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك