كم قيمة المخالفة؟ سؤال أنظف من ألف محاضرةالكاتب: الدكتور زيد احمد المحيسنيبدو أن بعض الناس فهموا المواطنة بطريقة مبتكرة للغاية؛ نظف ما يخصك، ثم اقذف الباقي في الشارع، فالوطن واسع وقادر على الاحتمال.
صاحب المحل الذي يكنس متجره كل صباح يستحق وسام النظافة من الدرجة الأولى.
فهو يزيل الغبار من أمام بضاعته بعناية فائقة، ثم يدفعه إلى الشارع العام بكل ثقة، وكأنه يوقع اتفاقية رسمية لنقل الملكية من القطاع الخاص إلى القطاع العام.
وعاشق القهوة بدوره لا يقل وطنية.
ينهي كوبه الأخير ثم يتركه على الرصيف ليعلن أنه مر من هنا.
أما قمع السجائر فتنتشر في كل مكان كأنها بذور مشروع زراعي ضخم يهدف إلى إنتاج جيل جديد من الأرصفة المتسخة.
وبعد بعض الدروس والمحاضرات عن النظافة، تخرج الجموع مقتنعة بأهمية المحافظة على البيئة، ثم تترك أكواب المياه متناثرة حول المسجد.
عندها تشعر أن النظافة كانت داخل الميكروفون فقط، ولم تتمكن من الوصول إلى الأيدي.
ومع نهاية العام الدراسي تبدأ مأساة الكتب والدفاتر.
كتب قضت عامًا كاملًا تشرح الأخلاق والمسؤولية واحترام الممتلكات العامة، ثم ينتهي بها المطاف مرمية على الأرصفة وفي جوانب الطرق، وكأنها هي الأخرى فقدت الأمل في تلاميذها.
أما مخلفات الحفريات وترميم المنازل فهي قصة طويلة.
أكوام من الأنقاض تستقر على جوانب الطرق بالأشهر، حتى يعتادها الناس ويظنها الزائر معالم أثرية جديدة أو مشروعًا وطنيًا قيد الإنجاز منذ العصر الحجري.
المشكلة ليست في نقص الوعظ، ولا في غياب اللوحات الإرشادية، ولا في قلة الحملات التوعوية.
نحن نعيش في بحر من النصائح.
المشكلة أن بعض الناس لا يقرأون التعليمات إلا إذا كانت مكتوبة على مخالفة مالية.
هناك فئة لا تؤمن بسلة المهملات، لكنها تؤمن إيمانًا عظيمًا بالغرامة.
لا تقتنع بالمحاضرات، لكنها تقتنع فورًا عندما يقترب دفتر المخالفات.
ولهذا فإن الشارع لا يحتاج إلى خطب إضافية بقدر ما يحتاج إلى تطبيق حازم للقانون على الجميع دون استثناء أو مجاملة.
فالذي يرمي مخلفاته في الطريق لا يسيء إلى منظر الشارع فحسب، بل يعتدي على حق المجتمع كله في بيئة نظيفة.
والذي يترك أنقاض البناء في الأماكن العامة لا يمارس حرية شخصية، بل يفرض الفوضى على الآخرين.
لقد أثبتت التجارب أن السلوك العام يتحسن عندما تقترن التوعية بالمساءلة.
أما حين يغيب العقاب، فإن البعض يتعامل مع الشارع وكأنه مخزن مجاني أو مكب نفايات مفتوح على مدار الساعة.
لذلك ربما حان الوقت لنكف عن سؤال الناس بلطف أن يحافظوا على النظافة، وأن نبدأ بسؤالهم بطريقة أخرى: كم قيمة المخالفة؟فبعض العقول لا تستيقظ على صوت الضمير، لكنها تستيقظ فورًا على صوت القانون، فالنظافة ليست اختبارًا للأخلاق فقط، بل اختبارٌ لهيبة القانون أيضًا، وحين تجتمع الثقافة مع المساءلة يصبح الشارع مرآةً تليق بالمجتمع لا مكبًا لأخطائه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك