تحولت أحياء في بلفاست بأيرلندا الشمالية إلى ساحة مواجهة أحرق خلالها مئات المحتجين الأيرلنديين، مساء الثلاثاء، منازل وسيارات، ورددوا دعوات عنصرية لطرد المهاجرين بعد واقعة طعن لمواطن بريطاني يشتبه في مسؤولية أحد المهاجرين عنها.
وقد انتقدت الوزيرة الأولى لأيرلندا، ميشيل أونيل، الاحتجاجات بشدة، داعية إلى التهدئة.
وهاجم مئات المحتجين، وكثير منهم ملثمون، الشرطة وأحرقوا سيارات في عدة مواقع في أنحاء أيرلندا الشمالية بعد انتشار مقطع فيديو لهجوم بسكين أسفر عن إصابة شخص بجروح خطيرة في الرقبة والرأس.
ومَثل المشتبه فيه -وهو مهاجر سوداني في الثلاثين من العمر- أمام محكمة في بلفاست صباح اليوم الأربعاء، برفقة مترجم فوري، رافضا الاستعانة بمحام.
ووُجّهت إليه تُهم الشروع في القتل، وحيازة سلاح أبيض في مكان عام، والتهديد بالقتل، بعد أن طعن رجلا في الأربعينيات من عمره مرارا في رأسه ورقبته يوم الاثنين.
وأرجأت المحكمة النظر في القضية إلى جلسة في الثامن من يوليو/تموز.
وقال مساعد قائد شرطة أيرلندا الشمالية رايان هندرسون إن المجني عليه أُصيب إصابات بالغة في عينيه وجروح قطعية في وجهه وظهره خلال الهجوم الذي وصفه بأنه" وحشي".
وأوضح أن محاولة القتل أثارت مشاعر متباينة بين السكان، تراوحت بين الخوف والغضب، واصفا الاضطرابات بأنها" حادث خطير".
وأظهرت لقطات مصورة عددا من المواطنين وهم يحاولون التصدي للمهاجم قبل وصول الشرطة، وأشاد مسؤولون بدورهم في إنقاذ حياة الضحية.
وقالت وزارة الداخلية البريطانية إن المشتبه فيه دخل البلاد عام 2023، وحصل في العام ذاته على وضع لاجئ يسمح له بالبقاء حتى عام 2028.
وقالت أونيل إن ملثمين أحرقوا منازل عائلات في بلفاست في موجة من العنف المناهض للمهاجرين، أمس الثلاثاء، بعد توجيه تهمة لسوداني فيما يتعلق بواقعة طعن بسكين.
وأضافت في بيان" لا يوجد أي عذر أو مبرر لهذه الهجمات الليلة… إحراق مجموعات من الملثمين لمنازل العائلات ليس إلا جبنا مقيتا".
وندد قادة الأحزاب السياسية الرئيسية في أيرلندا الشمالية بالهجوم الذي وصفوه بأنه" مروع" ودعوا إلى الهدوء، وقالوا" إن أي اضطرابات لن تؤدي إلا إلى إلحاق الضرر بالمجتمع".
كما ندد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الأربعاء بهذه المشاهد" الصادمة وغير المقبولة بتاتا"، وقال: " جرى استهداف الناس الليلة الماضية بسبب خلفياتهم ولن أتسامح مع ذلك.
الضالعون في ذلك سيواجهون قوة القانون".
ودعت عائلة الرجل الأيرلندي الشمالي الذي أصيب جراء الاعتداء، إلى التهدئة بعد ليلة من أعمال العنف والشغب.
وقالت العائلة في بيان" لا نريد أن يتم استخدام هذه المأساة الرهيبة لإثارة الانقسام بين الناس أو تغذية العدائية".
واتهمت السلطات نشطاء محسوبين على اليمين المتطرف، منهم رجل الأعمال إيلون ماسك مالك منصة إكس، بتأجيج الاحتجاجات.
وشاركت شخصيات من أقصى اليمين في بريطانيا، بينها تومي روبنسون، المقطع الصادم على وسائل التواصل الاجتماعي ودعت إلى احتجاجات.
كما طالبت شخصيات مناهضة للهجرة، من بينها زعيم حزب الإصلاح نايجل فاراج وزعيم حركة استعادة بريطانيا روبرت لوي، بتفاصيل حول وضع منفذ هجوم يوم الاثنين، وحثّ غافين روبنسون، زعيم الحزب الوحدوي الديمقراطي، السلطات على كبح" الهجرة غير المنضبطة".
وحذّرت هيئة مراقبة الإعلام البريطانية، الأربعاء، منصات التواصل الاجتماعي من خطر إثارة العنف والكراهية بسبب المنشورات المتعلقة بهذه القضية.
ورغم طلب الشرطة عدم مشاركة فيديو الطعن الصادم، قامت العديد من حسابات التواصل الاجتماعي المرتبطة بما يُسمى" الوطنيين" بنشر المقطع، داعيةً الناس إلى" الاحتجاج على الهجرة الجماعية إلى مجتمعاتهم".
وقالت وزيرة العدل في أيرلندا الشمالية، نعومي لونغ، الأربعاء، إن مرتكبي أعمال العنف" يستغلون الألم والقلق والغضب الحقيقيين" لدى الناس، وألقت باللوم على محرضين من اليمين المتطرف على الإنترنت في تأجيج التوتر العنصري.
وقالت لبرنامج" بي بي سي بريكفاست" لقد" كان هناك أشخاص ذوو نيات سيئة في المملكة المتحدة وخارجها، ربما كانوا سيجدون صعوبة قبل يوم أمس في تحديد موقع بلفاست على الخريطة… كانوا يشجعون الناس عمدا على النزول إلى الشوارع.
هذا هو التعريف المطلق للعنصرية".
وأتى الهجوم الجديد وسط توترات متصاعدة في بريطانيا، بعد أيام من احتجاجات على طريقة تعامل الشرطة مع جريمة قتل طالب بيد رجل من السيخ.
كما جاء أيضا بعد خروج احتجاجات متكررة مناهضة للهجرة، في وقت ترى فيه أحزاب شعبوية أن سياسة اللجوء التي تتبعها بريطانيا سمحت بدخول أشخاص خطرين للبلاد.
ويوم الثلاثاء، تجمع عشرات المتظاهرين هناك أمام فندق يؤوي طالبي لجوء، حاملين لافتات كُتب عليها" لا للعنصرية، فقط الوطنية وكفى".
وسجلت الهجمات العنصرية تصاعدا لافتا في أيرلندا الشمالية، وشهد العام الماضي أعمال شغب معادية للمهاجرين وسط غضب عارم إزاء اعتداء جنسي مزعوم اتهم به أجانب، ووقعت اشتباكات في مدينة باليمينا، حيث استهدفت مجموعات من المتظاهرين منازل يسكنها مهاجرون.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، وصفت منظمة العفو الدولية الأشهر الاثني عشر السابقة بأنها" عام مخزٍ من الكراهية" في أيرلندا الشمالية، إذ وثّقت أجهزة الشرطة 2048 حادثة عنصرية و1280 جريمة كراهية عنصرية خلال تلك الفترة، وهو أحد أعلى المستويات المسجلة منذ بدء التوثيق عام 2004.
كما عانت المملكة المتحدة من أعمال عنف في يوليو/تموز 2024، إثر مقتل ثلاث فتيات صغيرات طعنا بالسكين قرب ليفربول بيد شاب بريطاني يبلغ من العمر 17 عاما، ابن لاجئين روانديين، وهو الحادث الذي أدى آنذاك إلى اندلاع أعمال شغب، حتى في أيرلندا الشمالية.
وقال باتريك كوريغان، مدير منظمة العفو الدولية في أيرلندا الشمالية، آنذاك إن" وراء كل إحصائية صادمة، هناك شخص أو عائلة حقيقية تعيش في خوف"، مضيفا" مع ذلك، ردد الكثير من السياسيين معلومات مضللة معادية للمهاجرين تُشكّل خلفية لهذه الهجمات، بدلا من الوقوف إلى جانب ضحايا جرائم الكراهية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك