عندما تُذكر كلمة" نووي"، غالبًا ما تتبادر إلى الأذهان صور الدمار الهائل الذي لحق بمدينة هيروشيما اليابانية بعد إلقاء الولايات المتحدة القنبلة النووية عام 1945، خلال الحرب العالمية الثانية.
تلك المشاهد التي صدمت العالم آنذاك كشفت للمرة الأولى حجم القوة التدميرية لهذا السلاح، لكنها لم تضع حدًا للخطر النووي، بل كانت بداية عصر جديد من سباقات التسلح والردع الاستراتيجي.
واليوم، وبعد أكثر من ثمانية عقود على هيروشيما وناغازاكي، يعود شبح التسلح النووي إلى الواجهة مجددًا، مدفوعًا بتوترات جيوسياسية متصاعدة ومؤشرات مقلقة كشفتها تقارير دولية حديثة.
فقد أظهر تقرير صادر عن الحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية أن الدول النووية رفعت إنفاقها على ترساناتها النووية إلى مستويات غير مسبوقة، ما يثير مخاوف من دخول العالم مرحلة جديدة من سباق التسلح النووي.
من الردع النووي إلى سباق التسلحوبعد الحرب العالمية الثانية، ترسخت لدى القوى الكبرى قناعة بأن امتلاك السلاح النووي يشكل ضمانة لردع الخصوم ومنع اندلاع الحروب الكبرى.
ومن هذا المنطلق نشأت نظرية" الردع النووي"، التي تقوم على أن أي هجوم نووي سيقابله رد مدمر يؤدي إلى إبادة الطرفين.
وخلال ستينيات القرن الماضي، بلغ عدد الرؤوس النووية حول العالم عشرات الآلاف، ووصل التوتر إلى ذروته خلال أزمة الصواريخ الكوبية عندما اقترب العالم من مواجهة نووية مباشرة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
وفي عام 1968، تم التوصل إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، التي حصرت الاعتراف الرسمي بالدول النووية في خمس دول هي: الولايات المتحدة وروسيا والصين والمملكة المتحدة وفرنسا.
لكن نظام الحد من التسلح تلقى ضربة جديدة مع انتهاء العمل باتفاقية" نيو ستارت" بين واشنطن وموسكو دون تجديدها، ما أثار مخاوف من غياب القيود الملزمة على أكبر ترسانتين نوويتين في العالم.
أرقام قياسية في الإنفاق النوويوبحسب التقرير، ارتفع الإنفاق العالمي على الأسلحة النووية خلال العام الماضي إلى نحو 119 مليار دولار، بزيادة بلغت 19% مقارنة بالعام السابق.
وخلال السنوات الخمس الماضية، بلغ إجمالي الإنفاق النووي نحو 470 مليار دولار، أي ما يقارب نصف تريليون دولار.
وجاءت الولايات المتحدة في صدارة الدول الأكثر إنفاقًا، بعدما خصصت أكثر من 69 مليار دولار لتطوير ترسانتها النووية خلال عام واحد فقط، بزيادة تجاوزت 12 مليار دولار عن العام السابق.
أما المفاجأة فكانت احتلال الصين المرتبة الثانية عالميًا، إذ أنفقت أكثر من 13 مليار دولار على تطوير قدراتها النووية، رغم امتلاكها نحو 620 رأسًا نوويًا فقط، مقارنة بآلاف الرؤوس النووية لدى الولايات المتحدة وروسيا.
وحلت المملكة المتحدة في المرتبة الثالثة بأكثر من 12 مليار دولار، تلتها روسيا بأكثر من 9 مليارات دولار.
ويرى خبراء أن هذه الأرقام لا تعكس مجرد زيادة في الإنفاق العسكري، بل تشير إلى تحول استراتيجي أعمق في البيئة الأمنية الدولية.
وفي هذا السياق، قال اللواء محمد الصمادي، محلل الشؤون العسكرية والاستراتيجية في التلفزيون العربي، إن العالم يشهد تراجعًا في الثقة بين القوى الكبرى وانهيارًا تدريجيًا لبعض منظومات الحد من التسلح التي بُنيت خلال العقود الماضية.
وأضاف أن ارتفاع الإنفاق النووي يرتبط بعدة عوامل، أبرزها الحرب الروسية الأوكرانية، والتصاعد العسكري الصيني، وتراجع فعالية اتفاقيات الحد من التسلح، فضلًا عن الأزمات الإقليمية المتزايدة في الشرق الأوسط وشبه الجزيرة الكورية ومناطق أخرى.
وأشار إلى أن الخطر لا يكمن فقط في عدد الرؤوس النووية، بل أيضًا في دخول تقنيات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي والأنظمة العسكرية فائقة السرعة إلى منظومات الردع النووي، ما قد يزيد من احتمالات الخطأ أو سوء التقدير.
ويحذر خبراء الأمن الدولي من أن تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، إلى جانب استمرار الحرب في أوكرانيا والتوترات الإقليمية المتعددة، قد يدفع القوى النووية إلى تعزيز ترساناتها بشكل أكبر خلال السنوات المقبلة.
ومع عودة سباق التسلح النووي إلى الواجهة، تتزايد المخاوف من أن يشهد العالم مرحلة أكثر خطورة من تلك التي سادت خلال الحرب الباردة، في ظل غياب اتفاقيات جديدة تحد من انتشار الأسلحة النووية وتضبط سباق التسلح بين القوى الكبرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك