تكشف التصريحات الأخيرة الصادرة عن قادة الحرس الثوري الإيراني حجم المشروع الذي تسعى طهران إلى فرضه في المنطقة، ليس فقط عبر توسيع نفوذها العسكري، بل من خلال تحويل دول تعاني أصلًا من الانهيار والحروب، مثل اليمن، إلى ساحات مفتوحة للصراع الإقليمي.
فإعلان قائد فيلق القدس إسماعيل قاني عن العمل على إنشاء ما وصفه بـ”حزام أمني جديد للمقاومة” يمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب والبحر الأحمر، لا يمكن فصله عن استراتيجية إيرانية طويلة تقوم على استخدام الميليشيات المسلحة لفرض النفوذ وابتزاز المنطقة عبر تهديد الممرات البحرية والتجارة الدولية.
وتحاول إيران من خلال هذه التصريحات تقديم نفسها باعتبارها القوة القادرة على التحكم بأحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم، عبر أدوات عسكرية وميليشياوية منتشرة في أكثر من دولة عربية، وفي مقدمتها جماعة الحوثي في اليمن.
لكن الأخطر في هذه التهديدات أن اليمن هو من يدفع الثمن الأكبر لهذا المشروع.
فاليمنيون الذين يعيش ملايين منهم تحت خط الفقر، ويواجهون أزمات إنسانية ومعيشية خانقة، يجدون أنفسهم مرة أخرى رهائن لصراعات إقليمية لا تخدم مصالحهم، بل تزيد من معاناتهم اليومية.
ومنذ سنوات، تحولت جماعة الحوثي إلى الذراع الأبرز لإيران في جنوب الجزيرة العربية، مستخدمة الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية وتهديد الملاحة الدولية كورقة ضغط تخدم أجندة طهران.
وبينما تتحدث إيران عن “المقاومة”، يعيش اليمن انهيارًا اقتصاديًا وإنسانيًا غير مسبوق، مع استمرار تدهور الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الجوع والفقر والنزوح.
وتكشف تهديدات “الحزام الأمني” الجديد أن إيران لا تنظر إلى اليمن كدولة ذات سيادة أو شعب يحتاج إلى الاستقرار وإعادة الإعمار، بل كساحة متقدمة لمشروعها العسكري.
فبدل دعم أي مسار ينهي الحرب ويخفف معاناة اليمنيين، تدفع طهران نحو عسكرة البحر الأحمر وباب المندب، وتحويل اليمن إلى منصة دائمة للتصعيد.
ويحذر مراقبون من أن توسيع هذا النهج سيؤدي إلى مزيد من الفوضى في المنطقة، خصوصًا أن الممرات البحرية التي تتحدث عنها إيران تمثل شريانًا حيويًا للتجارة والطاقة العالمية.
كما أن استمرار تسليح الحوثيين ودفعهم نحو المواجهة يعني إطالة أمد الحرب في اليمن، وتعميق الانقسام الداخلي، وإبقاء ملايين المدنيين تحت رحمة الأزمات الإنسانية.
وفي الوقت الذي تحتاج فيه المنطقة إلى الاستقرار والتعاون الاقتصادي، يبدو أن إيران تواصل الاستثمار في الميليشيات والصراعات العابرة للحدود، في سياسة لم تجلب سوى الدمار للدول التي توسع فيها نفوذها.
أما اليمن، الذي أنهكته الحرب والانقسامات، فيبقى المثال الأوضح على نتائج هذا المشروع؛ بلدٌ يعاني شعبه الجوع والفقر، بينما تُستخدم أراضيه وموانئه وسواحله في معارك النفوذ الإقليمية، بعيدًا عن أي اعتبار لمصلحة اليمنيين أو مستقبلهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك