أبرزت مجلة" فورين بوليسي" الأمريكية، صورة قاتمة عن الوضع الإستراتيجي للولايات المتحدة في أعقاب الحرب الأخيرة، إذ تمتلك جيشًا عظيمًا منهكًا يحاول منذ عقود أن يفعل الكثير بموارد قليلة، في وقت يتصاعد فيه التهديد الصيني، ويتعقد فيه المشهد الأمني العالمي بوتيرة لم يشهدها العالم منذ نهاية الحرب الباردة.
بريق تكتيكي يخفي إفلاسًا إستراتيجيًاأذهلت الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية العالم، لا سيما تصفية عشرات المسؤولين الإيرانيين الكبار في الساعات الأولى من المعركة فوق طهران، وهو ما أثار قلق موسكو وبكين وأربك حساباتهما، وفق" فورين بوليسي".
غير أن هذا البريق التكتيكي اللافت يحجب وراءه نتائج إستراتيجية أشد خطورة بكثير، إذ كشفت الحرب عن استنزاف حاد في مخزونات الأسلحة الأمريكية الحيوية، وعن سحب ممنهج للقدرات العسكرية من مسارح عمليات أخرى لا تقل أهمية.
وتستحضر المجلة مقولة متداولة داخل البنتاجون تلخص المعضلة ببساطة: " كل خطة حرب أمريكية تمثل تهديدًا وجوديًا لسائر خطط الحرب الأخرى".
فالانخراط في صراع مُضنٍ بالشرق الأوسط يُضعف مباشرةً قدرة واشنطن على ردع صراع مدمر محتمل في غرب المحيط الهادئ، حيث الصين تواصل تعزيز قدراتها العسكرية بلا هوادة.
توضح المجلة أن هذه الأزمة لا تبدأ مع إدارة ترامب الثانية، بل هي إرث إستراتيجي ثقيل تراكم عبر رئاسات أمريكية متعاقبة، وفق ما ترصده فورين بوليسي، فعلى مدى العقدين الماضيين، تحولت البيئة الأمنية العالمية إلى ساحة أكثر خطورة وازدحامًا بالتهديدات، تجمع فيها قوى عظمى مراجعة كالصين وروسيا، وفاعلين من غير الدول.
وفي مقابل هذا التصاعد، ظلت الميزانيات الدفاعية الأمريكية متواضعة تاريخيًا، تتراوح بين 3 و4% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما أضعف إرهاق حربي العراق وأفغانستان الإرادة السياسية اللازمة لزيادة الإنفاق العسكري.
والنتيجة الحتمية هي الهوة المتسعة بين التزامات واشنطن العالمية وقدراتها الفعلية، وهو ما رصدته لجان خبراء مستقلة تلو الأخرى دون أن تجد آذانًا صاغية.
نمط متكرر من الوعود الفارغة والانزلاق نحو الفوضىتكشف" فورين بوليسي" عن نمط مقلق يتجلى بوضوح عبر إدارات أمريكية متعاقبة، إذ إن كل رئيس يصل إلى البيت الأبيض حاملًا وعودًا براقة بالتركيز والأولويات، ثم يجد نفسه مُبتلعًا بالأزمات ذاتها التي سعى للهروب منها، فأوباما أطلق شعار" التحول نحو المحيط الهادئ"، لكنه انتهى غارقًا في وحول الشرق الأوسط من جديد.
وترامب في ولايته الأولى رفع راية منافسة القوى الكبرى، فاستهلكته أزمات كوريا الشمالية وإيران.
وبايدن سعى لتهدئة العلاقات مع موسكو وطهران لإعادة توجيه البنتاجون نحو مواجهة الصين، فداهمته الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، ثم اندلع الشرق الأوسط عام 2023.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك