إذا طلب منك أحدهم أن تضع تريليون دولار ومليار دولار ومليون دولار على خط واحد، فهناك احتمال كبير أن تقع في الفخ نفسه الذي يقع فيه معظم البشر، بحيث ستتعامل مع الأرقام الثلاثة وكأنها متباعدة بالتساوي، رغم أن الحقيقة مختلفة تماماً.
وفي تقرير طريف نشرته صحيفة وول ستريت جورنال الخميس، يبدو أن المشكلة ليست في الرياضيات، بل في أدمغتنا نفسها.
فالدراسات تشير إلى أن كثيراً من الناس يتصورون أن المليار يقع تقريباً في منتصف الطريق بين المليون والتريليون.
لكن الواقع أكثر غرابة بكثير.
فالمليار يكاد يلتصق بالمليون إذا ما قورن بالتريليون.
المشكلة أن التريليون ليس مجرد رقم كبير، بل رقم يتجاوز حدود الخيال البشري.
صحيح أن التريليون أكبر من المليار بألف مرة، لكن لو أخبرك أحد بأنه أكبر بمليون مرة، فربما كنت ستصدقه أيضاً، لأن العقل البشري ببساطة لا يملك تصوراً فطرياً لمثل هذه الأحجام الرقمية الهائلة.
ولسنوات طويلة، كان وصف شخص بأنه" تريليونير" أقرب إلى المزحة أو المبالغة اللغوية.
كانت الصحيفة تستخدم المصطلح كما لو أنها تصف شخصاً بثروة خيالية لا يمكن أن توجد في الواقع، تماماً كما يقال" ملياردير بالمليارات اللانهائية".
لكن الأمور تغيرت الآن.
فمع اقتراب شركة سبايس إكس من الإدراج في الأسواق المالية، لم يعد لقب" أول تريليونير في العالم" مجرد خيال صحافي، بل احتمالاً واقعياً قد يقترن باسم الملياردير الشهير إيلون ماسك.
ولعل في ذلك مفارقة جميلة، كما تلاحظ الصحيفة.
فالرجل الذي يحلم بإرسال البشر إلى أماكن بعيدة لا تكاد تُرى في الكون، قد يصبح أول إنسان يمتلك ثروة بحجم رقم لا يكاد يُرى في مخيلة البشر أيضاً.
لكن كيف يمكن فهم رقم تريليون دولار فعلاً؟تقترح وول ستريت جورنال تجربة ذهنية بسيطة تنطلق من أنه قبل مليون ثانية فقط كنا تعيش قبل نحو أسبوعين.
أما قبل مليار ثانية فكان العالم في عام 1994، عندما كان فيلم" بالب فيكشن" (Pulp Fiction) يستعد لدخول دور السينما.
أما قبل تريليون ثانية، فإذا كنت تتوقع بضعة قرون أو حتى بضعة آلاف من السنين، فأنت ما زلت بعيداً جداً عن الإجابة.
فالتريليون ثانية تعيدنا إلى العصر الجليدي، إلى زمن سبق الحضارات البشرية المعروفة بآلاف السنين.
مثال آخر أكثر إثارة للدهشة: تخيل أنك بدأت بتكديس العملات المعدنية الصغيرة بعضها فوق بعض.
عشر عملات، ثم مئة، ثم ألف، ثم مليون.
واستمررت في البناء دون أن ينهار البرج.
حتى عندما تصل إلى مليون قطعة نقدية، فإنك لا تكون قد قطعت سوى خطوة متواضعة جداً في رحلة طويلة بشكل يكاد يكون غير قابل للتصور نحو تريليون دولار مجتمعاً.
ولفهم السبب وراء هذا العجز الذهني، استعانت الصحيفة برأي ديفيد لاندي، عالم البيانات في شركة نتفليكس والأستاذ المشارك في علوم الدماغ والإدراك بجامعة إنديانا، والذي يدرس كيفية إدراك البشر الأفكار والكميات المجردة.
يقول لاندي إن البشر يعيشون في عالم لم تُصمم أدمغتهم أصلاً لفهمه بالكامل.
ويضيف: " لكي نتمكن من التعامل مع هذا العالم، طورنا أنظمة تبسيط فعالة للغاية.
فنحن نحول الأرقام العملاقة إلى كلمات مألوفة: مليون، مليار، تريليون".
والمشكلة، برأيه، أن هذه" الكلمات تأتي في قائمة تبدو بسيطة ومتسلسلة، ما يدفعنا إلى التعامل معها كما نتعامل مع الأرقام واحد واثنان وثلاثة".
لكن لاندي يشدد على أن العلاقة بين مليون ومليار وتريليون ليست أبداً مثل العلاقة بين واحد واثنين وثلاثة.
وفي سلسلة من التجارب العلمية، طلب لاندي من المشاركين تحديد مواقع هذه الأرقام على خطوط قياس مشابهة.
والمفاجأة أن حتى الأكاديميين والمتخصصين في الرياضيات داخل مختبره واجهوا صعوبة كبيرة في استيعاب هذه الأحجام الرقمية الهائلة.
بل إن الباحثين خلصوا في دراسة نُشرت عام 2013 إلى أن الأرقام الواقعة بين مليون وتريليون تُعد من أكثر المفاهيم العددية صعوبة على الفهم البشري، رغم أهميتها المتزايدة في النقاشات الاقتصادية والسياسية العامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك