عمان – لم تعد تفصل النشامى عن كتابة فصل جديد في تاريخ الرياضة الأردنية سوى أيام قليلة، مع اقتراب صافرة البداية لأول ظهور أردني في نهائيات كأس العالم 2026، عندما يواجه المنتخب الوطني نظيره النمساوي عند الساعة السابعة من صباح يوم الأربعاء المقبل، وفي الوقت الذي تتجه فيه أنظار الأردنيين نحو هذه اللحظة التاريخية، يعود شريط الذاكرة إلى الوراء، لاستحضار رحلة طويلة من العمل والتضحيات والإنجازات التي مهدت الطريق نحو الحلم الأكبر.
اضافة اعلانفالتأهل إلى المونديال لم يكن وليد الصدفة، ولم يصنعه جيل واحد أو مجموعة محددة من اللاعبين، بل كان حصيلة عقود من البناء والتطوير والعمل المتواصل الذي شارك في صناعته مدربون ولاعبون وإداريون وجماهير آمنت بأن مكان الأردن الطبيعي بين كبار منتخبات العالم.
ويستذكر الأردنيون المدرب الوطني الراحل محمد عوض، أحد أبرز رواد الكرة الأردنية، والذي قاد المنتخب الوطني إلى التتويج بذهبية الدورة العربية الثامنة في بيروت عام 1997، قبل أن يكرر الإنجاز في الدورة العربية التاسعة “دورة الحسين” عام 1999، وكانت تلك المحطة من أوائل المؤشرات على قدرة الكرة الأردنية على المنافسة وتحقيق الإنجازات في المحافل العربية.
ومع بداية الألفية الجديدة، جاء المدرب المصري الراحل محمود الجوهري ليترك بصمة خالدة في تاريخ الكرة الأردنية، بعدما أحدث نقلة نوعية في فكر المنتخب الوطني وأسلوب عمله، وقاده إلى نهائيات كأس آسيا 2004 في الصين للمرة الأولى في تاريخه، ولم يكتف الجوهري ببلوغ النهائيات، بل قاد النشامى إلى الدور ربع النهائي في إنجاز تاريخي وضع الأردن على خريطة الكرة الآسيوية.
وتواصلت رحلة التطور مع المدرب العراقي عدنان حمد، الذي قاد المنتخب الوطني إلى الدور ربع النهائي من كأس آسيا 2011 في قطر، مؤكدا أن إنجاز الصين لم يكن استثناء، بل بداية لمرحلة جديدة فرض خلالها النشامى أنفسهم بين منتخبات الصف الأول في القارة.
وفي عام 2014، اقترب المنتخب أكثر من أي وقت مضى من تحقيق حلم التأهل إلى كأس العالم، عندما نجح تحت قيادة المدرب المصري حسام حسن في بلوغ الملحق العالمي ومواجهة منتخب الأوروغواي، ورغم أن الحلم توقف عند تلك المحطة، فإن المنتخب أثبت أنه بات قادرا على الوصول إلى الأدوار الحاسمة ومقارعة المنتخبات الكبرى.
وبعد سنوات من المحاولات والعمل، جاء المدرب المغربي الحسين عموتة ليقود المنتخب إلى إنجاز غير مسبوق ببلوغ نهائي كأس آسيا 2023 للمرة الأولى في تاريخه، وشكل ذلك الإنجاز نقطة تحول مفصلية في مسيرة النشامى، بعدما عزز الثقة بقدرة المنتخب على الذهاب بعيدا في المنافسات الكبرى.
ولم يكن الوصول إلى نهائي كأس آسيا سوى مقدمة للمشهد الأجمل، فمع المدرب المغربي جمال السلامي واصل المنتخب رحلة التطور بثبات، لينجح عام 2025 في تحقيق الإنجاز الذي طال انتظاره، عندما حجز النشامى مقعدهم في نهائيات كأس العالم 2026.
كما أن تذكرة التأهل التاريخية لا تحمل أسماء المدربين فقط، بل تحمل أيضا أسماء كوكبة كبيرة من اللاعبين المحليين الذين ارتدوا قميص المنتخب الوطني على امتداد سنوات طويلة، نجوم بذلوا الجهد والعرق وقدموا التضحيات، ونحتوا بالصخر في ظروف لم تكن سهلة، عندما كانت الإمكانات محدودة والطموحات تصطدم بعقبات كثيرة، لكنهم ظلوا أوفياء للشعار ومؤمنين بقدرة الكرة الأردنية على الوصول إلى المكانة التي تستحقها.
وقدمت أجيال متعاقبة من نجوم الكرة الأردنية الكثير للمنتخب الوطني، وأسهمت في بناء شخصيته التنافسية وترسيخ ثقافة الطموح والإصرار.
ورغم أن بعض تلك الأجيال لم تحظ بشرف خوض منافسات كأس العالم، فإنها كانت شريكا حقيقيا في هذا الإنجاز لأنها وضعت الأساس الذي بني عليه نجاح اليوم.
وكان الجيل الحالي خير امتداد لتلك المسيرة، بعدما حمل الراية وواصل العمل بالإيمان ذاته والطموح نفسه، ليحصد ثمار سنوات طويلة من الجهد ويمنح الجماهير الأردنية لحظة تاريخية ستبقى خالدة في الذاكرة.
ولا يمكن إغفال الدور الكبير الذي لعبه المدربون الوطنيون على امتداد هذه الرحلة، إذ شكلوا جزءا أساسيا من عملية البناء والتطوير، وأسهمت في اكتشاف وصقل المواهب وإعداد الأجيال التي حملت راية المنتخب الوطني.
كما كان لهم حضور مؤثر داخل الأجهزة الفنية المختلفة إلى جانب المدربين الأجانب، ليؤكدوا أن الإنجاز كان ثمرة تكامل بين الخبرات الوطنية والكفاءات الخارجية.
وبين محمد عوض والجوهري وعدنان حمد وحسام حسن وعموتة والسلامي، وبين عشرات المدربين الوطنيين الذين أسهموا في صناعة الأجيال، وبين كوكبة من اللاعبين الذين قدموا التضحيات والعرق على مدار عقود، تتجسد قصة نجاح استثنائية لم تبن على الصدفة، بل على سنوات طويلة من العمل والتراكم والإيمان بالحلم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك