عمان - يمثل منصب رئيس الذكاء الاصطناعي (CAIO) الذي بدأت باستحداثه وتبنيه كبرى الشركات العالمية وعدد من الشركات العربية والمحلية بأشكال مختلفة، تحولا في نظرة الشركات للتقنية؛ فبعد أن كان الذكاء الاصطناعي مجرد مشروع تجريبي داخل أقسام تكنولوجيا المعلومات، أصبح الآن" ضرورة إستراتيجية" تتطلب مقعدا دائما في مجلس الإدارة.
اضافة اعلانوأكد خبراء محليون بأن شركات عالمية وبنوكا ومؤسسات كبرى بدأت بإنشاء منصب تنفيذي جديد تحت مسمى" رئيس الذكاء الاصطناعي"، تكون مهمته قيادة إستراتيجية الذكاء الاصطناعي على مستوى المؤسسة بالكامل، متوقعين أن تبدأ المؤسسات الكبرى في الأردن والدول العربية، خصوصا في القطاعات المالية والاتصالات والخدمات الحكومية، بالتوسع في إنشاء هذا النوع من المناصب خلال السنوات القادمة، خاصة مع تسارع مشاريع التحول الرقمي واعتماد الذكاء الاصطناعي في الخدمات والتحليلات واتخاذ القرار.
لكن الخبراء قالوا إن نجاح هذه الخطوة سيعتمد على وجود تشريعات واضحة، وبنية بيانات قوية، واستثمار حقيقي في بناء القدرات البشرية.
وأشاروا إلى أن ظهور منصب" رئيس الذكاء الاصطناعي" (CAIO) يعكس تحولا جذريا في الفكر المؤسسي؛ حيث انتقلت هذه التقنية من إطار التجارب المحدودة داخل قطاع تكنولوجيا المعلومات لتصبح ركيزة إستراتيجية تستوجب التمثيل في الإدارة العليا.
وتُظهر الأرقام التي أوردها تقرير حديث لشركة" IBM" (والذي شمل استطلاع آراء قيادات أكثر من 2000 شركة عالمية) تحولا دراماتيكيا في الفكر الاقتصادي؛ فبينما كانت نسبة الشركات التي تملك منصبا تحت مسمى" رئيس الذكاء الاصطناعي" (Chief AI Officer - CAIO) لا تتجاوز 26 % في عام 2025، قفزت هذه النسبة لتصل إلى 76 %.
هذه الطفرة الرقمية الهائلة بحسب الخبراء ليست مجرد" وجاهة إدارية" أو ملاحقة لتقليص التكاليف؛ بل هي انعكاس لحاجة المؤسسات إلى قائد يملك الرؤية الأخلاقية والتنفيذية لدمج الآلة في منظومة بشرية معقدة.
خبير التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي المهندس هاني البطش يرى بأن ظهور منصب" رئيس الذكاء الاصطناعي" (Chief AI Officer) لا يمثل مجرد إضافة إدارية جديدة، بل يعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة" الأداة التقنية" إلى مستوى" القرار الإستراتيجي" داخل المؤسسات، مشيرا إلى أن هذا التحول مرشح لإعادة تشكيل هيكل الوظائف والإدارات وطبيعة القيادة التنفيذية خلال السنوات القادمة.
وقال البطش: " منذ إطلاق تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي وانتشارها الواسع في الأسواق العالمية، بدأت المؤسسات تدرك أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مشروعا تجريبيا أو مسؤولية تقنية محدودة داخل أقسام تكنولوجيا المعلومات، بل أصبح عنصرا مؤثرا في العمليات التشغيلية، وإدارة البيانات، واتخاذ القرار، وتجربة العملاء، وحتى نماذج الأعمال نفسها.
لذلك بدأت شركات عالمية وبنوك ومؤسسات كبرى بإنشاء منصب تنفيذي جديد تحت مسمى" رئيس الذكاء الاصطناعي"، تكون مهمته قيادة إستراتيجية الذكاء الاصطناعي على مستوى المؤسسة بالكامل".
إلى ذلك، يرى البطش بأن ظهور هذا المنصب يعني عمليا أن المؤسسات بدأت تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره" بنية تشغيلية" وليست مجرد تقنية مساندة.
فالشركات اليوم تواجه تحديات معقدة تتعلق بحوكمة البيانات، واختيار النماذج المناسبة، وإدارة المخاطر الأخلاقية والقانونية، وربط الذكاء الاصطناعي بالأنظمة الحالية، إضافة إلى قياس العائد الاقتصادي الحقيقي من استخدامه.
وهذه الملفات تتجاوز صلاحيات المدير التقني التقليدي أو مدير المعلومات، ما دفع العديد من المؤسسات لإنشاء قيادة متخصصة تجمع بين الفهم التقني والرؤية الإستراتيجية.
وأضاف: " وفي الواقع، فإن دور رئيس الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على الجانب التقني فقط، بل يمتد إلى إعادة تصميم العمليات داخل المؤسسة.
فهو مسؤول عن تحديد أين يمكن للذكاء الاصطناعي أن يرفع الإنتاجية، وكيف يمكن أتمتة بعض المهام، وكيفية تدريب الموظفين، ووضع سياسات الاستخدام الآمن والمسؤول، إضافة إلى بناء ثقافة مؤسسية قادرة على التكيف مع هذا التحول".
وقال البطش إن هذا التغيير سيؤثر بشكل مباشر على سوق العمل والوظائف.
فكما خلقت الثورة الرقمية سابقا وظائف جديدة مثل مدير التحول الرقمي وخبير البيانات والأمن السيبراني، فإن موجة الذكاء الاصطناعي الحالية بدأت تخلق تخصصات جديدة مرتبطة بحوكمة الذكاء الاصطناعي، وهندسة النماذج، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وإدارة الأتمتة الذكية.
وفي المقابل، ستتراجع بعض الوظائف التقليدية أو ستتغير طبيعتها نتيجة اعتماد المؤسسات على الأتمتة والأنظمة الذكية.
وعلى صعيد متصل أشار البطش إلى أن الصورة ليست سلبية بالكامل فيما يتعلق بالوظائف، لأن الذكاء الاصطناعي لا يستبدل البشر بشكل كامل بقدر ما يعيد توزيع الأدوار داخل المؤسسة.
فالوظائف القائمة على التكرار والإجراءات الروتينية ستكون الأكثر تأثرا، بينما ستزداد أهمية الوظائف المرتبطة بالتحليل، والابتكار، والإشراف، وصناعة القرار، والعلاقات الإنسانية.
وقال إن الفوائد التي تدفع الشركات لإنشاء هذا المنصب تتمثل في تحسين الكفاءة التشغيلية، وتسريع اتخاذ القرار، وتقليل التكاليف، وتحسين تجربة العملاء، ورفع القدرة التنافسية.
كما أن وجود قيادة متخصصة يساعد على تقليل الفوضى التي بدأت تظهر داخل بعض المؤسسات نتيجة الاستخدام العشوائي لأدوات الذكاء الاصطناعي دون إطار واضح للحوكمة أو إدارة المخاطر.
في المقابل، هناك تحديات كبيرة تواجه هذا التوجه بحسب البطش؛ أولها نقص الكفاءات القادرة على الجمع بين الفهم التقني والإداري والإستراتيجي، إضافة إلى التحديات المرتبطة بالخصوصية، والتحيز الخوارزمي، وأمن البيانات، وغياب الأطر التنظيمية الواضحة في كثير من الدول.
كما أن بعض المؤسسات قد تقع في خطأ" المبالغة" في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي دون إعادة تصميم حقيقية للعمليات أو دون جاهزية ثقافية داخل فرق العمل.
وأكد أن ظهور منصب" رئيس الذكاء الاصطناعي" ليس مجرد تغيير إداري عابر، بل مؤشر على تحول أعمق في طريقة إدارة المؤسسات والاقتصادات الرقمية.
نحن أمام مرحلة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي جزءا من صلب الإدارة التنفيذية، وليس مجرد أداة تعمل في الخلفية، بل طبقة تشغيلية وإستراتيجية تؤثر في القرار، والإنتاجية، والابتكار، وإدارة المخاطر، والقدرة التنافسية للمؤسسات.
وبين أنه خلال السنوات القادمة، قد يصبح وجود هذا المنصب مشابها لما حدث سابقا مع منصب" المدير التنفيذي للتحول الرقمي" أو" مدير أمن المعلومات"، حيث انتقل من دور اختياري إلى ضرورة مؤسسية تفرضها طبيعة الاقتصاد الرقمي الجديد.
فالمؤسسات التي ستنجح مستقبلا لن تكون فقط الأكثر امتلاكا للتكنولوجيا، بل الأكثر قدرة على إدارة الذكاء الاصطناعي ضمن إطار حوكمة واضح، ورؤية إستراتيجية، وثقافة تنظيمية قادرة على التكيف مع التغيير.
خبير حوكمة البيانات والذكاء الاصطناعي الدكتور حمزة العكاليك يرى بأن الأهمية الحقيقية لهذا المنصب تتجاوز حدود التقنية؛ فهي ترتبط بمفهوم السيادة الرقمية.
فالمؤسسة التي تمتلك رئيسا للذكاء الاصطناعي تعلن عمليا أنها تفهم أن البيانات أصبحت أغلى أصولها وأن الخوارزميات هي المحرك الجديد للنمو والربحية.
وقال العكاليك: " إن هذا التحول يعني الانتقال من الإدارة القائمة على الحدس إلى الإدارة القائمة على التنبؤ والتحليل العميق.
ولم يعد القرار الإداري يُبنى فقط على الخبرة البشرية بل على قراءة آنية للبيانات وسلوك الأسواق والعملاء والمخاطر المستقبلية".
وأضاف العكاليك بأن ظهور هذا المنصب يحمل دلالة خطيرة ومباشرة: فالذكاء الاصطناعي انتقل من مرحلة التجربة إلى مرحلة السيادة المؤسسية.
ولعقود طويلة كانت أقسام تكنولوجيا المعلومات تعمل كجهة داعمة لبقية الإدارات، لكن اليوم أصبح الذكاء الاصطناعي لاعبا رئيسا في اتخاذ القرار وتحليل الأسواق والتنبؤ بالمخاطر وحتى تصميم المنتجات والخدمات.
ولهذا السبب لم يعد كافيا أن تمتلك المؤسسة خوادم قوية أو أنظمة تقنية حديثة، بل أصبحت بحاجة إلى قائد يفهم كيف يحول البيانات إلى قوة اقتصادية ونفوذ تنافسي.
ووفق تقارير حديثة نشرتها منصات توظيف عالمية مثل لينكد إن وتقارير استشارية من شركات مثل ماكينزي وديلويت، ارتفع الطلب على المناصب المرتبطة بقيادة الذكاء الاصطناعي بشكل غير مسبوق خلال عامي 2024 و2025، خصوصا في قطاعات المال والرعاية الصحية والتأمين والطاقة.
فشركات عالمية مثل Levi Strauss & Co.
وMayo Clinic قامت بتعيين مسؤولين متخصصين لقيادة إستراتيجيات الذكاء الاصطناعي في خطوة تؤكد أن المؤسسات الكبرى لم تعد تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كخيار إضافي بل كضرورة وجودية للبقاء والنمو.
لكن السؤال المهم بحسب العكاليك ليس لماذا ظهر هذا المنصب بل ماذا يعني ظهوره لسوق العمل؟ الحقيقة أن العالم لا يشهد مجرد تحديث إداري بل إعادة تشكيل كاملة لهرم الوظائف.
فظهور رئيس الذكاء الاصطناعي يشبه إلى حد كبير ظهور منصب مدير الإنترنت في بدايات الألفية حين اعتقد البعض أن الإنترنت مجرد موضة مؤقتة قبل أن يصبح العمود الفقري للاقتصاد العالمي.
واليوم يتكرر المشهد نفسه مع الذكاء الاصطناعي لكن بوتيرة أسرع وتأثير أعمق.
وقال العكاليك إن المؤسسات التي تعين رئيسا للذكاء الاصطناعي لا تبحث فقط عن خبير تقني بل عن شخصية تجمع بين فهم الخوارزميات والقدرة على قيادة التحول المؤسسي.
هذا القائد مسؤول عن حوكمة البيانات وإدارة المخاطر الأخلاقية وضمان الامتثال للقوانين إضافة إلى اكتشاف الفرص الاقتصادية الجديدة الناتجة عن الأتمتة والتحليل التنبئي.
أما على مستوى الوظائف فإن التأثير أصبح ملموسا بالفعل وفقا للعكاليك الذي يرى بأن الوظائف التقليدية القائمة على المهام المتكررة تواجه ضغطا متزايدا بسبب الأتمتة، بينما ترتفع قيمة المهارات المرتبطة بالإبداع والتحليل واتخاذ القرار والإشراف على الأنظمة الذكية.
فخلال السنوات الأخيرة ظهرت تخصصات جديدة بالكامل مثل مهندس التلقين الذي يصمم أوامر التعامل مع النماذج الذكية، وخبير أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ومحلل بيانات التدريب، ومدير الحوكمة الرقمية.
هذه الوظائف لم تكن موجودة فعليا قبل سنوات قليلة لكنها أصبحت اليوم جزءا من الهيكل التنظيمي للشركات الكبرى.
ولخص العكاليك قائلا: " إن ظهور منصب رئيس الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تغيير وظيفي عابر بل مؤشر واضح على ولادة عصر اقتصادي وإداري جديد.
فالمؤسسات التي تتحرك مبكرا نحو هذا التحول لن تكتفي بتحقيق أرباح أعلى بل ستعيد تعريف قواعد المنافسة نفسها.
أما المؤسسات التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كترف تقني أو موجة مؤقتة فقد تستيقظ متأخرة لتكتشف أن السوق تغير بالكامل من حولها.
المستقبل اليوم لا يُدار فقط بالبشر بل بالشراكة بين الإنسان والخوارزمية، ومن يفهم هذه المعادلة أولا سيكون الأقدر على قيادة الاقتصاد القادم وصناعة النفوذ في عالم تحكمه البيانات والذكاء الرقمي".
وأكد خبير التقنية والاتصالات وصفي الصفدي بأن منصب رئيس الذكاء الاصطناعي يقوم على مهمة الربط بين الإمكانات التقنية المعقدة والأهداف التجارية الملموسة.
هو ليس مجرد" مبرمج" كبير، بل هو إستراتيجي يحدد كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يولد قيمة مالية للشركة، لافتا إلى أنه مع ازدياد المخاوف من" الصندوق الأسود" للذكاء الاصطناعي، يبرز دور هذا المنصب في ضمان امتثال الشركة للمعايير الأخلاقية والقانونية، وحماية خصوصية البيانات.
وتشير الدراسات إلى أن 93 % من عوائق تبني الذكاء الاصطناعي هي" بشرية وثقافية" وليست تقنية.
فدور رئيس الذكاء الاصطناعي هو قيادة هذا التغيير الثقافي داخل المؤسسة.
ويرى الصفدي أن التغيير في سوق العمل بفعل الذكاء الاصطناعي يشمل عدة مستويات: منها إعادة هيكلة الأدوار التنفيذية، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي حكرا على المهندسين؛ فقد أصبح مديرو الموارد البشرية (CHRO) شركاء أساسيين لرئيس الذكاء الاصطناعي في إعادة تصميم الوظائف وتدريب الموظفين.
وقال إن التغيير يشمل أيضا خلق وظائف" هجينة" حيث يزداد الطلب على الموظفين الذين يمتلكون مهارات" التعاون مع الآلة".
سوق العمل لم يعد يبحث عن مجرد مهارات يدوية أو روتينية، بل عن القدرة على توجيه نماذج الذكاء الاصطناعي (Prompt Engineering) وإدارة الوكلاء الأذكياء.
وقال الصفدي إن التغيير يتضمن أيضا النزوح الوظيفي مقابل الاستحداث؛ فبينما تسببت الأتمتة في موجات تسريح (أكثر من 100 ألف موظف تقني مؤخرا)، إلا أن الوظائف القيادية والإستراتيجية تظل الأكثر أمانا، حيث يركز الذكاء الاصطناعي على أتمتة المهام وليس الوظائف بالكامل، مشيرا إلى مظهر آخر من مظاهر التغيير هو ظهور" القيادة الجزئية" (Fractional CAIO)؛ فبالنسبة للشركات المتوسطة التي لا تستطيع تحمل تكلفة تعيين رئيس ذكاء اصطناعي بدوام كامل، ظهر نموذج جديد من الاستشاريين الذين يشغلون هذا المنصب لعدة شركات في آن واحد لتقديم الخبرة الإستراتيجية.
وأضاف الصفدي: " إن ظهور منصب رئيس الذكاء الاصطناعي هو اعتراف رسمي بأننا نعيش في" اقتصاد الوكلاء"، حيث أصبحت القدرة على إدارة الذكاء الاصطناعي هي المعيار الجديد للنجاح المؤسسي والمهني".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك