قناة السويس نموذجًا للقوة الناعمة المصريةإن الموقع الجغرافي لمصر فرض عليها ومنذ أقدم العصور أن تكون سبيلًا للمواصلات بين الشرق والغرب بحكم وقوعها على مفترق الطرق التجارية العالمية، ومن هنا قامت مصر ومنذ القدم بواجبها الذي فرضه عليها موقعها الجغرافي تجاه الامم والشعوب بل تجاه الانسانية باسرها، وذلك عن رضا بهذا الواجب.
ولا شك أن مصر استفادت أيضًا من هذا الموقع ولكن عبر التاريخ كان هناك قوى شريرة وطامعة لم تترك مصر تمارس دورها الانسانى في أمن وسلام، بل كانت تنتهز الفرصة للاغارة على أرض مصر وعلى خيرها.
ومن هنا كان على مصر دائمًا ان تكون قوية ومنيعة حتى يستطيع شعبها والإنسانية أن تتمتع بموقعها الجغرافي ودورها التاريخى، تلك حقيقة تاريخية لم تغب لحظة عن صانع القرار المصري، وازداد دور مصر أهمية في التجارة العالمية منذ بدء حفر قناة السويس الحالية، وعلى الرغم ان حفر القناة قد تم في فترة ضعف حيث طلب ديليسبس حيث طلب من صديقه الخديوي سعيد حاكم مصر في ذلك الوقت طلب منه حفر قناة تصل البحر الابيض المتوسط بالبحر الاحمر.
وتحول هذا الطلب إلى مشروع كبير وكون الوالي لجنة هندسية من الحكومة المصرية لدراسة المشروع من الناحية الفنية، ووضع التصميمات والخطوات التمهيدية له كان ذلك في سبتمبر 1854، وكان ديليسبس هذا خالي الوفاض ومن هنا تكفلت الحكومة المصرية بدفع الاموال من خزانة الدولة للانفاق على الدراسات التمهيدية وأتعاب المهندسين ورجال القانون والاعلام للدعاية للمشروع.
وخص الخديوي صديقه العزيز ديليسبس براتب شهري قدره 30,000 فرنك وأصدر هذا الوالي وثيقة عرفت فيما بعد بفرمان الامتياز الاول رخص فيها لديليسبس بانشاء شركة قناة السويس، ويتكون هذا الفرمان من اكثر من مادة منها ان يؤسس شركة تعهد إليها إدارة هذه القناة تسمى الشركة العالمية لقناة السويس البحرية لشق برزخ السويس واستغلال طريق صالح للملاحة الكبرى وانشاء او اعداد مدخلين كافيين احدهم على البحر المتوسط والاخر على البحر الاحمر، وبناء مرفأ او مرفأين وحدد هذا الفرمان مدة الامتياز 99 سنة تبتدئ من التاريخ الذي تفتتح فيه القناة وتجري الاعمال كلها على نفقة الشركة وحدها وتحصل الحكومه المصرية سنويًا من الشركة 15% من صافي الارباح المستخلصة.
ويتم الاتفاق على رسوم المرور بقناة السويس ما بين الشركة وخديوي مصر، وتكون التعريفات متساوية دائمًا لجميع الدول ولا يجوز مطلقًا اشتراط امتياز خاص لاحد من الدول دون سواها، وعند انتهاء الامتياز تحل الحكومة المصرية محل الشركة وتنتفع بكافة حقوقها دون تحفظ وتستولي على القناة وجميع المنشآت التابعة لها نظير تعويض معقول يدفع للشركة.
وعلى الرغم من غرابة الفرمان وما به من مواد فإنه قد اعقب هذا الفرمان فرمانا ثاني في الخامس من يناير 1856 ومن اهم مواده ان تقوم الشركه بجميع ما يلزم من الاشغال واعمال البناء لانشاء قناة صالحة للملاحة البحرية الكبرى وقناة للري للملاحة النهرية، وفرعين للري والشرب لجلب المياه إلى السويس وبورسعيد وتجري الاعمال وتنتهي في ميعاد ست سنوات وان يكون اربعة اخماس العمال المستخدمين من المصريين وهكذا حفرت القناة بسواعد بل بدماء الشعب المصري.
بعد ان تعهد الخديوي بمد الشركه بأربعة اخماس العمال للحفر وبعد ان كلف جميع الموظفين والعمال في جميع دوائر الدولة بان يكونوا رهن تصرف الشركة، وتمت اكبر عملية جمع للعمال حيث كان ينزل مندوب الشركة مع ممثل الحكومة وجنود من البوليس والجيش لاصطياد الرجال من الحقول والمنازل وكانهم عبيد لا احرار في بلاده.
وكان العمال أثناء الحفر يعانون مشقة الحصول على مياه الشرب حيث كانت تجلب إليهم على ظهور الإبل من دمياط وكان نصيب العامل في اليوم ثلاث جرعات من المياه، وانتشرت بينهم الاوبئة المختلفة بل وانتقلت الاوبئة من القناة إلى الريف المصري ويقال ان عدد العمال الذين سخروا في الحفر قد بلغ 60,000 فلاح الذين جلبوا من قرى نائية سيرًا على الأقدام، وكانوا يقومون بالحفر ليلًا ونهارًا في صورة لا رحمة فيها.
وهكذا أصبحت قناة السويس دولة داخل الدولة المصرية تستند إلى الاستعمار وأعوانه وانتهى العمل في حفر قناة السويس في أوائل نوفمبر 1869 واتصلت مياه البحر المتوسط البحر الأحمر، وبلغ طول القناة 164 كيلو مترا وأنشئت على شاطئيها مدينتي بورسعيد والإسماعيلية ولولا المساهمة الفعالة التي قدمتها مصر من المال والرجال لما قدر للمشروع ان يتم وقد ادت هذه المساهمة الى ارهاق الخزينه المصريه وتم افتتاح القناة في حفل فخم اسطوري انفق فيها اكثر من مليون جنيه في الوقت الذي كانت تعاني فيه البلاد من الضائقة المالية.
وهكذا كان لابد ان تعود القناة إلى اصحابها الحقيقيين من أجل ترسيخ قيم الحرية والقوة والبناء الشامل لمصر وتمت عملية تأميم قناة السويس بقرار من رئيس الجمهورية في ذلك الوقت وبعد ثورة يوليو 1952 وعلى وجه التحديد في 26 يوليو 1956، وكان البند الاول لهذا القرار هو تأميم الشركة العالمية لقناه السويس البحرية شركة مساهمة مصرية، ويعوض المساهمون وحملة الحصص التأسيس عما يملكونه من حصص وأسهم وهكذا اعلن جمال عبد الناصر قرار استرداد القناة، قائلا اننا اليوم نستعيد حقوقنا وسوف نحافظ على هذه الحقوق بدمائنا وارواحنا ودخلت الامة المصرية معركة عسكرية كبرى اعتدت فيها على مصر ثلاثة قوى غاشمة، وامتدت المعركة حتى 23 ديسمبر 1956 وهو تاريخ جلاء هذه القوى الاجنبية عن الاراضي المصرية.
وكان تأميم قناة السويس والعناية بها بمثابة ردا على كل التحديات واستمرت مصر امينة في حمل المسؤولية وظلت القناة شريانًا للحياة التجارية بين الشرق والغرب، واستطاع المصريون بعد سحب جميع المرشدين الاجانب ان يقوموا بمساعدة القوات المسلحة البحرية بوجه خاص بإداره القناة واستمرار عملها بالرغم من الدعاية الاستعمارية في ذلك الوقت المغرضة حول قدرة مصر على ذلك.
بل وقامت مصر بعد ذلك بالعديد من المشروعات لتوسيع المجرى الملاحي لقناة السويس وربما كان اكبر هذه المشاريع ما تم في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي من حفر قناة موازية تسمح بعبور السفن في الاتجاهين بسهولة ويسر بدلًا من الانتظار الذي كان يميز الطرق السابقة في عبور قناة السويس.
وكان اكتتاب الشعب المصري في هذا المشروع دليلًا دامغًا على الشعور الوطني بأهميه قناة السويس وعلى قدرة مصر على الوفاء بالتزاماتها تجاه البشرية واتجاه العالم وشتان بين احساس المهندس المصري والعامل المصري وهو يعمل في هذه التوسعة وبين شعور وبين شعور أجدادهم بالسخرة وتحت السياط والصورة واضحة.
نحن نعمل بحرية في بلد حر وفي مشروع من أهم المشروعات القومية ولصالح قوة هامة من قوى مصر الناعمة وجزءًا من هويتها الوطنية وشخصيتها المتفردة وهي قناة السويس والتى أصبحت عنوانًا لرخاء الانسانية كلها، تشرف عليها وتديرها مصر بحكمة وقدرة ومهارة بالغة شهد بها الأعداء قبل الأصدقاء، ولن ينسى التاريخ المصرى الشهداء من أبنائه الذين استشهدوا فى الدفاع عن القناة فى حروب مصر المتكررة دفاعًا عن الأرض والعرض.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك