عمان- ضمن سلسلة" شغف"، التي تصدرها وزارة الثقافة الأردنية، صدرت مجموعة قصصية موجهة للأطفال (8–12 عاماً) بعنوان" المشي يصنع الطريق"، للأديب والإعلامي رمزي الغزوي.
وتأتي المجموعة في إطار تجربة أدبية تسعى إلى إعادة تعريف الكتابة الموجهة للطفل، عبر تقديم نصوص تنطلق من اليومي والمألوف لتفتح آفاقاً واسعة على الخيال والتأمل والتساؤل، بما يعزز فضول الطفل ويحفّز قدرته على الاكتشاف.
اضافة اعلانتقوم المجموعة على رؤية فكرية ترى في الدهشة نقطة البدء الأولى للمعرفة، وفي السؤال أداة أكثر خصوبة من الإجابة الجاهزة.
وتتنوع قصصها بين الواقعي والمتخيل، وبين العلمي والرمزي، مع اعتماد أساليب فنية تقوم على الطرافة والمفارقة والإيحاء، بعيداً عن المباشرة والتلقين، بحيث يصبح الطفل شريكاً في بناء المعنى لا متلقياً له.
تعكس المجموعة، حضور الخلفية العلمية للمؤلف في توظيف المفاهيم العلمية داخل النسيج القصصي بصورة مبسطة وسلسة، إلى جانب اهتمامه بمسألة اللغة التي تجمع بين البساطة والجمال، وبفلسفة تركز على مخاطبة الطفل من داخل عالمه.
كما يطرح العمل أسئلة أوسع حول الكتابة للطفل في عصر الذكاء الاصطناعي، وحدود العلاقة بين الإبداع البشري والأدوات التكنولوجية الحديثة في صناعة المحتوى الموجه للأجيال الجديدة.
وتأتي هذه المجموعة من منطلق إيمان المؤلف بأن الدهشة هي الشرارة الأولى لكل معرفة، وأن السؤال أكثر خصوبة من الإجابة الجاهزة.
فهو، سواء كتب للكبار أو للصغار، ظل منشغلاً بتفكيك المألوف، والبحث عن المعنى الصامت في التفاصيل الصغيرة، ومقاومة اليقينيات المغلقة التي تصادر فضول الإنسان وقدرته على التأمل.
ومن هذا المنطلق، لا تبدو قصص المجموعة مجرد نصوص موجهة إلى الأطفال، بقدر ما هي محاولة لاستعادة الطفولة ذاتها؛ تلك العين التي ترى العالم للمرة الأولى، وتملك الشجاعة الكافية لطرح أسئلة على ما يراه الآخرون بديهياً.
فالطفل في هذه القصص ليس متلقياً للموعظة أو وعاءً يُملأ بما يُراد، بل شريك في الاكتشاف، وعقل حيّ يتأمل ويجرّب ويعيد النظر في كل ما حوله.
ويفتتح الغزوي كتابه بإهداء مكثّف الدلالة جاء فيه: " إلى أصدقائي الأطفال، تدهشهم الأفكار المثيرة وتثيرهم التفاصيل الصغيرة"، وهو إهداء يلخص روح المجموعة، إذ تنطلق قصصها من وقائع يومية مألوفة لتفتح أبواباً واسعة على الخيال والتأمل والتساؤل.
فالكهرباء والماء والحيوان واللعب والعلاقات الإنسانية لا تظهر هنا بوصفها موضوعات تعليمية مباشرة، بل نوافذ إلى عالم أكثر اتساعاً وثراءً.
وتتسم المجموعة بتنوعها الفني والموضوعي، إذ تتراوح بين الواقعي والمتخيل، وبين العلمي والرمزي، مع اعتماد أساليب تقوم على الطرافة والمفارقة والإيحاء، بعيداً عن المباشرة.
فالقصة عند الكاتب مساحة يعيش فيها الطفل التجربة بنفسه، ويصل إلى استنتاجاته عبر المتعة والاكتشاف.
ويستفيد الغزوي في هذا العمل من خلفيته العلمية، إذ يحمل درجة البكالوريوس في الفيزياء، حيث تتسلل المفاهيم العلمية إلى النسيج القصصي بصورة طبيعية وسلسة.
وتُقدَّم العلوم هنا كمغامرة إنسانية تثير الفضول وتدعو إلى التساؤل، بما ينسجم مع رؤيته التي ترى أن المعرفة تبدأ من الدهشة لا من الحفظ والتلقين.
تتميز لغة المجموعة بالبساطة والثراء في آنٍ واحد، إذ تراعي خصوصية القارئ الصغير وتحترم عقله وذائقته، دون أن تتنازل عن جمالياتها أو قدرتها على الإيحاء.
وهي لغة تنسجم مع فلسفة الكاتب في مخاطبة الطفل من داخل عالمه لا من فوقه، وفي الرهان على خياله بدل الاكتفاء بتوجيهه.
يقول الغزوي إنه لا يكتب للطفل لأنه أصغر سناً، بل لأنه يرى في الطفولة الحالة الإنسانية الأكثر قدرة على الدهشة والأقل استسلاماً لليقين.
ويعدّ الكتابة للطفولة واليفاع فعل ارتقاء، لذا تبدو الكتابة للطفل في تجربته جزءاً أصيلاً من مشروعه الأدبي والفكري، لا مساراً موازياً له.
فالطفولة، كما يراها، ليست مرحلة عمرية عابرة، بل الجذر الأول الذي يتشكل فيه وعي الإنسان وعلاقته بالعالم.
طرحت" الغد" على الكاتب رمزي الغزوي سؤالاً حول دور الذكاء الاصطناعي في الكتابة للطفل، فأجاب بأن الكتابة للطفل في هذا العصر تمثل تحدياً كبيراً للكتّاب، وقد ازداد هذا التحدي مع شيوع الذكاء الاصطناعي، في ظل تعدد ما يلفت انتباه الطفل بعيداً عن القراءة والكتاب.
وأضاف أن الكتابة للطفل اليوم قد تصبح، إلى حد ما، شراكة فريدة بين قلب الكاتب وعقل الآلة؛ فالذكاء الاصطناعي يمنح أدوات مذهلة لتخصيص الحكايات، وتوليد الصور، وصناعة قصص تفاعلية وعوالم لامتناهية بلمح البصر، إلا أنه، رغم قدراته المتقدمة، يظل عاجزاً عن نبض المشاعر، إذ لا يملك طفولة يتذكرها، ولا دمعة يسكبها، ولا إحساساً يبثه.
وكل هذه العناصر، إن غابت عن الكتابة الموجهة للطفل، تتحول النصوص إلى مواد باهتة محنطة لا تتغلغل في وجدان القارئ الصغير.
وفيما يتعلق بكتابة بعض أدب الأطفال دون تناول قضايا معاصرة مثل التكنولوجيا في حياة الأطفال، رأى الغزوي أن كثيراً من الكتّاب يستسهلون الكتابة للطفل، ويعتبرونها مرتبة أدنى من الكتابة للكبار، ما يدفعهم إلى عدم بذل جهد كافٍ في التجديد أو البحث أو محاولة الوصول إلى عمق الطفولة المعاصرة.
ولهذا تأتي بعض النصوص، بحسبه، بعيدة عن واقع الطفل الحالي الذي يولد في عالم يمتلك فيه أدوات التكنولوجيا منذ سنواته الأولى، ويتعامل مع الهواتف والحواسيب بطبيعية يومية.
وأشار إلى أنه منذ بداياته في الكتابة للطفل عمل على دمج العلوم بالأدب، حيث ساعدته خلفيته العلمية على" تأْلَمة" الكتابة، أي إدخال المفاهيم العلمية ومصطلحاتها وأفكارها بصورة سلسة وحية في القصص والروايات.
كما يؤكد أن الكتابة يجب أن تظل ممتعة حتى عند تناول موضوعات علمية مثل الفيزياء أو الكيمياء، لأن المتعة في نظره هي الطريق إلى التعلم، وأن أي نص، مهما كان غنياً بالمعرفة، إذا قُدم بطريقة مملة، فإن الطفولة ترفضه ولا تتقبله.
ويُذكر أن المؤلف رمزي الغزوي أصدر أكثر من خمسة وعشرين مؤلفاً، تنوعت بين الرواية والقصة وأدب الأطفال والشعر والمقالة وأدب الرحلات والتوليفات المعرفية، إضافة إلى اهتماماته الفنية والثقافية.
وهو حاصل على درجة الماجستير في الصحافة والإعلام الحديث من الجامعة الأردنية.
ونال الغزوي عدداً من الجوائز العربية والمحلية، من أبرزها جائزة عبد الحميد شومان لأدب الأطفال، وجائزة الحسين للإبداع الصحفي، وجائزة تيسير سبول للقصة القصيرة، وجائزة محمد طمليه لأحسن مقال عربي، كما وصل إلى القائمة القصيرة لجائزة كتارا للرواية العربية، إلى جانب جوائز عربية ومحلية أخرى في مجالات القصة والمقالة والشعر والعمل الثقافي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك