أعادتني قراءة ما كتبه الأديب العالمي باولو كويلهو عن “محارب النور” إلى لقاء شخصي في بيتي وبحضور الصحفي يغئال موسكو في بلدي سخنين عام 1999، وهي زيارة ما زالت حاضرة في الذاكرة رغم مرور السنوات.
يومها لم أكن أتصور أن بعض الأفكار التي طرحها سترافقني لاحقًا في عملي المجتمعي وفي مجال الوساطة والسلم الأهلي.
يرى كويلهو أن محارب النور ليس محاربًا يبحث عن الصراعات، بل إنسان يمتلك الحكمة ليميز بين المعارك التي تستحق خوضها وتلك التي يجب الابتعاد عنها.
فهو يعرف جيدًا أي المعارك تستحق القتال، ويخطط لها بحكمة، ويختار حلفاءه بعناية، لأنه يدرك أن الإنسان لا يحقق الإنجازات الكبرى بمفرده.
ومحارب النور يؤمن بالقضية التي يناضل من أجلها، ويعلم أن التوقف أحيانًا ليس ضعفًا أو هزيمة، بل قرار حكيم يمنع الخسائر ويفتح المجال لحلول أفضل.
كما أنه لا يستسلم لفكرة المستحيل، لكنه في الوقت نفسه لا يتجاهل التفاصيل الصغيرة التي قد تتحول إلى عقبات كبيرة إذا أهملها.
ومن أهم ما يلفتني في هذه الفلسفة أن محارب النور لا يسمح للغاية أن تبرر الوسيلة، فلا يخون قيمه ولا يتخلى عن مبادئه، ويحترم آلام الآخرين ومشاعرهم، ويفكر دائمًا في أثر أفعاله على الأجيال القادمة.
وهو يحمي أهله ومجتمعه، ويتمسك بأحلامه ويسعى لتحقيقها رغم الصعوبات.
ومن خلال تجربتي في العمل المجتمعي والوساطة، أجد نفسي أضيف فكرة أراها في غاية الأهمية: ليست البطولة في خوض كل معركة، بل في معرفة أي المعارك يجب ألا نخوضها أصلًا.
فهناك معارك هامشية تستنزف الوقت والجهد والطاقة والعلاقات الاجتماعية، بينما لا تحقق أي فائدة حقيقية.
إن الحكمة تقتضي أن نسأل أنفسنا قبل الدخول في أي صراع: هل هذه المعركة تستحق؟ هل أخدم من خلالها قضية عادلة؟ وهل نتائجها المتوقعة تبرر ما سأدفعه من ثمن؟كما أن لكل معركة زمانها ومكانها.
فالحرب في الصيف ليست كالحرب في الشتاء، والمعركة في السهل تختلف عن المعركة في الجبل، والنجاح لا يعتمد فقط على قوة الموقف، بل أيضًا على حسن تقدير الظروف المحيطة.
وفي مجال الوساطة المجتمعية نرى يوميًا كيف تتحول خلافات صغيرة إلى نزاعات كبيرة بسبب الإصرار على خوض معارك كان بالإمكان تجنبها منذ البداية.
لذلك فإن أحد أهم دروس الحياة هو أن نعرف متى نتحدث ومتى نصمت، ومتى نواجه ومتى نبحث عن التسوية، ومتى نقاتل ومتى نمد أيدينا للحوار.
فلا تخرج إلى حرب لا تؤمن بها، ولا تدخل معركة لا تستحق ثمنها، لأن الحكيم ليس من ينتصر في كل معركة، بل من يعرف أي المعارك تستحق أن تُخاض، وأيها يستحق أن يُترك خلفه ويمضي نحو أهداف أكبر وأكثر نبلًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك