اشتعلت النيران في سيارة طراز" بي أم دبليو" الفاخرة من الفئة الثالثة أثناء خروجها من موقف السيارات في الساعة الـ05: 30 صباحاً مع بزوغ فجر أحد الأيام الروسية.
هرع سكان المنطقة لإنقاذ السائق الذي كان يحتضر خلف عجلة القيادة.
لكن ما لبث الجنرال دامير دافيدوف أن فارق الحياة.
كانت هذه العملية بمثابة تدمير لركيزة أساس في بنية الكرملين العسكرية، ضمن إطار عملية أوسع نطاقاً تهدف إلى الإطاحة بنفوذ فلاديمير بوتين.
في ظل عدم وجود خيار أمامها سوى التصرف بذكاء في مواجهة خصم أكبر وأقوى منها، جمعت أوكرانيا بين عمليات الاغتيال والتفجيرات في محاولة لكسر العمود الفقري اللوجيستي للجهد الحربي في روسيا.
ومع أن أوكرانيا لم تتبن رسمياً بعد هذا الهجوم، إلا أن الجنرال دافيدوف، رئيس مديرية الكرملين لإمداد الذخيرة المدفعية والصاروخية في وزارة الدفاع، كان هدفاً ثميناً لعملاء كييف السريين.
ويعد" الاستهداف الدقيق" للجنرال الروسي انتصاراً من ناحية الحرب النفسية أيضاً - إذ يؤكد الإحساس السائد بالفعل بأن أحداً من النخبة الحاكمة في الكرملين ليس في مأمن.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)دخلت روسيا الآن العام الخامس من غزوها الشامل لجارتها، لكنها فشلت في تحقيق هدفها المتمثل في الإطاحة بحكومة كييف.
وفشل بوتين في سعيه لإعادة أوكرانيا إلى الحظيرة الروسية.
ولا بد أن عدداً كبيراً من قياداته العسكرية العليا يعيشون الآن في حال قلق شديد، سواء من يخدمون قرب خطوط القتال الأمامية أو في أعماق الدائرة الأمنية لأجهزة الاستخبارات التابعة للكرملين، التي تحميها الدفاعات الجوية وسلاح الجو الضخم.
ولا بد أنهم تساءلوا، بينما كانوا يشاهدون لقطات لسيارة دافيدوف الألمانية المتفحمة وهي ترفع من الشارع الذي احترق فيه، عما إذا كانت هذه الحرب تستحق كل هذا العناء.
تريد كييف أن يتساءل أهم جنرالات بوتين عما إذا كانت هذه الحرب تستحق ما خلفته حتى الآن من نصف مليون قتيل، وقمع سياسي واسع النطاق، وعزلة اقتصادية، وعقوبات عالمية.
إنهم يعلمون أنه يمكن تهريب السيارات الأوروبية عبر جورجيا لتحل محل سيارات" بي أم دبليو" المحترقة، ولكن إلى متى يمكنهم تحمل كلف منتجات الغرب الفاخرة؟ كم من الوقت سيمر قبل أن تضطر زوجات كبار مساعدي بوتين، اللاتي يرتدين معاطف من فراء الأرمين، إلى تحمل إذلال الجلوس في المقعد الخلفي لسيارة لادا؟ساعدت وكالات الاستخبارات البريطانية والأميركية والفرنسية وغيرها أوكرانيا في استهداف الجنرالات الروس في المراحل الأولى من الصراع المتجدد عام 2022 - في ذلك العام، قتلت أوكرانيا ما لا يقل عن ثمانية جنرالات روس إضافة إلى عدد كبير من العقداء وكبار الضباط الميدانيين.
وقُتل أربعة آخرون في العام التالي داخل أوكرانيا أيضاً، حيث ساعدت استخبارات الإشارات الغربية، إلى جانب نصائح القوات الخاصة، أوكرانيا على تحقيق نجاح استراتيجي في وقت كان خلاله حلفاؤها يمنعونها من استخدام أي أسلحة داخل روسيا نفسها.
في ديسمبر (كانون الأول) 2024، أعلنت أجهزة الاستخبارات الأوكرانية اغتيال الفريق إيغور كيريلوف، قائد قوات الدفاع الإشعاعي والكيماوي والبيولوجي الروسية، الذي اتهمته أوكرانيا باستخدام أسلحة كيماوية.
ولقي حتفه جراء انفجار عبوة ناسفة مخبأة في دراجة كهربائية.
وفي العام التالي، قُتل الجنرال ياروسلاف موسكاليك، نائب رئيس مديرية التدريب العملياتي التابعة لهيئة الأركان العامة الروسية، بتفجير وقع في بالاشيخا، وهي ضاحية موسكو التي لقي فيها دافيدوف حتفه هذا الأسبوع.
دمرت سيارته من طراز فولكسفاغن غولف في انفجار عبوة ناسفة.
وقتل نائب قائد الأسطول البحري الروسي اللواء ميخائيل غودكوف، إلى جانب ستة ضباط آخرين في الأقل في منطقة كورسك الروسية.
وفي ديسمبر 2025، قتل الفريق فانيل سارفاروف، رئيس مديرية التدريب العملياتي التابعة لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، بانفجار عبوة ناسفة زرعت أسفل سيارته من طراز كيا سورينتو في منطقة ياسينيفو جنوب موسكو أثناء توجهه إلى مقر عمله.
في الوقت نفسه، نجحت أوكرانيا في زيادة إنتاجها المحلي من الأسلحة بعيدة المدى، وركزت هجماتها بصورة منهجية على شبكة الإمدادات العسكرية الروسية، ولا سيما ما يتعلق بتأمين الوقود اللازم لمواصلة الحرب ضد كييف.
وفي هذا الإطار، شنت أوكرانيا أكثر من 200 هجوم طويل المدى ضد مصافي التكرير الروسية ومنشآت الوقود الأخرى خلال الـ18 شهراً الماضية، مما أدى إلى انخفاض الإنتاج بنحو 20 في المئة وخسائر تقدر بنحو 13 مليار دولار (9.
7 مليار جنيه استرليني).
ونُفذت معظم هذه العمليات باستخدام صواريخ موجهة طويلة المدى محلية الصنع، بكلفة لا تُذكر مقارنة بنظيراتها الغربية أمثال صواريخ طراز" ستورم شادو" أو" توماهوك".
حصل الاقتصاد الروسي على دعم لا يقل عن 10 مليارات جنيه استرليني بفضل الارتفاع الحاد في أسعار النفط الناجم عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.
وفرضت أوروبا، بما في ذلك المملكة المتحدة، عقوبات مجزأة على اقتصاد الكرملين، إذ أعلنت هذا الأسبوع حزمة عقوبات جديدة تستهدف البنوك والعملات المشفرة وشركات النفط والغاز.
أدى إحجام أوروبا والهند والصين عن وقف استيراد الوقود الروسي إلى استدامة حرب بوتين بفضل أموال النفط، بينما يسعى قادة هذه البلدان إلى إبقاء أسعار الوقود منخفضة محلياً.
غير أن استهداف كييف للبنية التحتية النفطية الروسية منحها أفضلية متزايدة، وقد يفضي إلى زعزعة قبضة الكرملين على اقتصاده.
أما حملة كسر النفوذ العسكري الروسي، فهي مستمرة.
ومع مقتل الجنرال دافيدوف، بات الهدف الواضح هو جعل الجنرالات الروس يتساءلون ليس عما إذا كانوا في دائرة الخطر، بل متى ستوجه كييف ضربتها التالية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك