أنهت لجنة الحوار المهيكل في ليبيا مداولاتها التي استمرت على مدار ستة أشهر برعاية من الأمم المتحدة، لتطرح حزمة تشمل أكثر من 525 توصية تستهدف تفكيك الانسداد السياسي والأمني القائم في البلاد.
ومع بدء البعثة الأممية السعي لنيل شرعية دولية لهذه المخرجات أمام مجلس الأمن الدولي، يتصاعد الخلاف المحلي والإقليمي حول مدى واقعية هذه الخطوات، وما إذا كانت تمثل طوق نجاة حقيقي للبلاد أم أنها مجرد إعادة إنتاج للأزمات السابقة بأسماء جديدة.
ويرصد تقرير الزميلة مريم أوباييش تدافع المواقف المحلية والإقليمية حول هذه المخرجات، حيث يرى تيار الحوار فيها خطوة نحو التدرج الواقعي لتفكيك انقسام السلطة التنفيذية وإطلاق حكومة استحقاق انتخابي موحدة، في حين يرى التيار المقابل أنها إعادة تدوير لخيارات فاشلة جربت في السابق صلب اتفاقات الصخيرات وجنيف وتكرس منطق المحاصصة بين معسكري الشرق والغرب.
ووفق ما استعرضه التقرير، تم تقسيم النقاشات في صلب الحوار المهيكل الليبي إلى أربعة مسارات تكاملية مهدت لصياغة التوصيات المشتركة:مسار الحوكمة (السلطة التنفيذية): وهو المحور الأكثر إثارة للجدل، وقضى بتشكيل سلطة تنفيذية جديدة تتألف من مجلس رئاسي وحكومة لإدارة مرحلة انتقالية مدتها عامان، شريطة تهيئة الأجواء للانتخابات وعدم ترشح أعضاء هذه السلطة في الانتخابات المقبلة.
المسار الأمني: ركز على وضع خطوات عملية لتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية في البلاد، وتثبيت وقف إطلاق النار، بالإضافة إلى إنهاء الانقسام الأمني ومعالجة ملف المليشيات المسلحة.
المسار الاقتصادي: استهدف إنهاء حالة الانقسام المؤسسي المالي، والعمل على اعتماد ميزانية عامة موحدة تنفذها حكومة واحدة في مختلف أنحاء البلاد، بما يضمن ضبط إدارة وعوائد قطاع النفط.
مسار المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان: دعا إلى إطلاق مسار وطني شامل للمصالحة يقوم على أسس العدالة الانتقالية، كشف الحقيقة، جبر الضرر، وتفعيل مبدأ المحاسبة.
ينقسم قراء المشهد الليبي حيال مخرجات هذا الحوار إلى تيارين متناقضين في الرؤية والمنهجية:تيار التدرج الواقعي: ويمثله عضو مجلس الدولة الأعلى في ليبيا وعضو لجنة الحوار المهيكل عمر بوشاح، الذي يرى أن التوصيات ولدت من رحم حوار مجتمعي شامل ضم الأطياف كافة من بلديات وأحزاب ومكونات ثقافية.
ويرتكز هذا التوجه على ضرورة تبني سياسة الخطوات التدريجية والاستفادة من عثرات اتفاقي الصخيرات وجنيف، معولا على وجود إرادة سياسية وطنية مدعومة بتوافق دولي لوضع حد لانقسام السلطة التنفيذية والوصول إلى انتخابات برلمانية ورئاسية عبر" حكومة الاستحقاق الانتخابي".
تيار الرفض والتشكيك المنهجي: ويقوده مدير مركز بيان للدراسات السياسية نزار كريكش، الذي يصف التقرير النهائي بأنه تحليل قاصر يعيد تدوير الفشل عبر آليات مستهلكة جُربت في جنيف والصخيرات ولم تنتج سوى وعود كاذبة بعدم الترشح.
ويرى كريكش أن الحل يكمن في تغيير النموذج بالكامل عبر إيجاد طرف ثالث قوي يفرض الحلول ويحكم بين الأطراف، بدلا من الرضوخ لمنطق المحاصصة وتقسيم الغنائم بين معسكري الدبيبة وحفتر، محذرا من دخول البلاد في دوامة مفرغة قد تمتد لسنوات قادمة تحت هيمنة القوى العسكرية ذاتها.
نقطة الخلاف الجوهرية: تكمن المعضلة في أن البعثة الأممية تفتقر على الدوام لأدوات الضغط الحقيقية، مما يجعلها واجهة لتمرير رغبات القوى المهيمنة على الأرض التي تُفصّل النظام السياسي وفق مقاس مصالحها ونفوذها العائلي.
العامل الأميركي ومقايضة الاستقرار بالنفطيدخل المتغير الدولي ثقلا جديدا في المعادلة عبر المبادرة الأميركية التي يقودها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية.
ويشير الباحث والمحلل السياسي الليبي محمد بويسير إلى أن العقيدة الاستراتيجية لإدارة ترمب، المنبثقة عن وثيقة الأمن القومي الصادرة في ديسمبر/كانون الأول الماضي، تعامل النفط كقضية سيادة قومية مطلقة.
وفي ظل تراجع الاحتياطيات الأميركية، تبرز ليبيا كدائرة نفطية بالغة الأهمية بدأ تأثيرها تاريخياً منذ حرب السويس عام 1957.
وتسعى الرؤية البراغماتية لواشنطن حالياً إلى ترتيب تفاهمات مباشرة ومحصورة بين أصحاب النفوذ الحقيقيين في الشرق والغرب لضمان تدفق الطاقة وتوحيد الإنفاق وتكامل القوى الأمنية.
ويرى مراقبون في ذلك محاولة لشرعنة الأمر الواقع وإلجام التدخلات الإقليمية الأخرى عبر رسائل عسكرية خشنة، مثل تحليق قاذفات" بي 52" الأميركية فوق سرت عقب دخول ترمب البيت الأبيض.
مسارات المستقبل (السيناريوهات المحتملة)بناء على التدافع السياسي والمؤشرات الميدانية، تحكم المشهد الليبي ثلاثة مسارات أساسية في المرحلة المقبلة:1.
سيناريو التزاوج الأممي الأميركي (المرجح براغماتيا)يفترض هذا المسار حدوث تكامل بين خارطة طريق البعثة الأممية ومساعي واشنطن.
وبموجب هذا السيناريو، تُدمج سلطتا الأمر الواقع في الشرق والغرب ضمن حكومة مؤقتة موحدة تلتزم بمهام محددة لفترة تتراوح بين 18 و24 شهرا، وتعمل على توحيد الميزانية والمؤسسة العسكرية تحت إشراف لجنة" 4+4" تمهيدا لانتخابات رئاسية وتشريعية، بدعم كامل وأدوات ضغط حازمة من الإدارة الأميركية.
2.
سيناريو الدوامة المستمرة وإعادة تدوير الفوضىيتأسس هذا السيناريو على فرضية تآكل شرعية مخرجات الحوار المهيكل نتيجة التحفظات القانونية والسياسية التي أثارها بعض الأعضاء بشأن المساس بالسيادة الوطنية وإعادة إحياء التقسيم الجغرافي لولايات ليبيا الثلاث التاريخية.
وفي حال عجز مجلس النواب عن منح الثقة للحكومة المقترحة خلال 30 يوما، سيرتد الأمر إلى لجنة الحوار السياسي وفق المادة 64 من اتفاق الصخيرات، مما يدخل البلاد في شبكة مصالح معقدة تؤدي إلى شلل اقتصادي وتأبيد الانقسام.
3.
سيناريو شلل التوافق والمحاصصةيرتبط هذا المسار بنجاح معسكري الدبيبة وحفتر في تشكيل سلطة تنفيذية هشة قائمة على تفصيل المناصب (رئيس وثلاثة نواب يمثلون أقاليم البلاد)، مما ينقل ليبيا إلى نموذج المحاصصة الجهوية على غرار النموذج اللبناني، حيث يختلف أقطاب السلطة على التفاصيل كافة، مما يضمن استمرار غياب القاعدة الدستورية واستحالة التداول السلمي للسلطة في المستقبل المنظور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك