تشهد مدينة القدس الشرقية المحتلة زيادة ملحوظة في عمليات هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية من قبل السلطات الإسرائيلية.
ويأتي ذلك في وقت ينشغل فيه المجتمع الدولي بالنزاعات الإقليمية المستمرة في قطاع غزة، وإيران، ولبنان، مما أدى إلى تصاعد معدلات تهجير السكان الفلسطينيين من منازلهم في الجزء الشرقي من المدينة، وفقًا لـBBC.
ففي منطقة البستان التابعة لحي سلوان، والواقعة أسفل أسوار البلدة القديمة مباشرة، دمرت السلطات الإسرائيلية نحو 59 عقاراً منذ أواخر عام 2023.
وعبر السكان عن يأسهم إزاء هذه الإجراءات، حيث يقول المواطن فايز عوض (58 عامًا)، وهو يجلس فوق الأنقاض المتبقية من منزله: «لا يوجد مستقبل، لقد دمروا المستقبل وكل شيء آخر، أمضينا حياتنا كلها في بناء هذا المنزل، وهو كل ما استطعنا تحقيقه، والآن أعادونا وأولادي إلى نقطة الصفر».
تعد مدينة القدس، بمقدساتها الإسلامية والمسيحية واليهودية، محور النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.
وكان الاحتلال قد استولت على القدس الشرقية والضفة الغربية من الأردن في حرب عام 1967، ثم ضمتها لاحقًا في إجراء لا يحظى باعتراف معظم دول العالم.
وعلى مدار قرابة عشرين عامًا، عملت بلدية القدس الإسرائيلية على تنفيذ مخطط لتحويل حي البستان إلى حديقة أثرية ذات طابع ديني تُعرف باسم «حديقة الملك»، لتدار عبر منظمة استيطانية يهودية، وسرّعت المحاكم الإسرائيلية، مؤخرًا، من وتيرة إصدار أوامر الهدم في الحي.
في المقابل، تؤكد القوانين الدولية أن بناء المستوطنات والنقل القسري للسكان في الأراضي المحتلة يعد غير قانوني.
وقالت بلدية القدس، في بيان، إنها تعمل لصالح جميع سكان المدينة، وأن هدف المشروع هو بناء حديقة في منطقة تعاني نقصًا حادًا في المساحات العامة المفتوحة».
يشتكي الفلسطينيون، الذين يشكلون نحو 40% من سكان القدس، من صعوبة بالغة في الحصول على تراخيص البناء من السلطات الإسرائيلية.
ووفقًا لمعطيات منظمة «بيمكوم» الإسرائيلية لحقوق الإنسان، فإن نسبة المساكن الجديدة المخصصة للفلسطينيين لم تتجاوز 7% من إجمالي الوحدات المعتمدة عام 2025، كما قوبلت جميع المقترحات التخطيطية البديلة التي قدمها سكان البستان بالرفض.
ونتيجة لهذه السياسات، أزيل نصف المنازل في حي البستان حتى الآن، ويلجأ العديد من السكان الذين يتلقون أوامر هدم إلى استخدام المطارق الثقيلة لهدم منازلهم بأنفسهم، تفاديًا لدفع التكاليف الباهظة والغرامات التي تفرضها البلدية في حال نفذت آلياتها الهدم، والتي تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات.
ويوضح الناشط المحلي فخري أبو دياب، الذي هُدم منزله سابقًا ويواجه حاليًا وزوجته أمرًا بالإخلاء من كرفان مؤقت: «نتلقى تحذيرات بهدم بقية المنازل في الأشهر المقبلة، وإسرائيل تستغل الوضع الجيوسياسي لإنهاء هذه القضية، والبلدية تشن حربًا بالجرافات ضد وجودنا في ظل تخلي المجتمع الدولي عنا».
أقام الاحتلال نحو 160 مستوطنة يقطنها قرابة 700 ألف يهودي في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وفي حين يرى الإسرائيليون القدس بأكملها عاصمتهم الموحدة، يتمسك الفلسطينيون بالقدس الشرقية عاصمة لدولتهم المستقبلية، وهي الفكرة التي تعهدت الحكومة الإسرائيلية الحالية بتقويضها عبر خطوات عملية على الأرض.
ووفقًا لبيانات الأمم المتحدة، تواجه نحو 200 أسرة فلسطينية تضم قرابة 900 شخص، دعاوى إخلاء في المحاكم الإسرائيلية، رُفعت معظمها من قِبل جماعات استيطانية.
وتستند هذه الدعاوى إلى قوانين إسرائيلية تتيح للاستيطانيين المطالبة بالعقارات التي كانت تعود لملكية يهودية قبل قيام الدولة عام 1948، وهو ما يجري حاليًا في حي «بطن الهوى» المجاور للبستان، حيث يُصنف السكان الفلسطينيون القدامى كـ«مستوطنين غير شرعيين».
في المقابل، لا يتيح القانون الإسرائيلي للفلسطينيين استعادة ممتلكاتهم التاريخية الواقعة داخل إسرائيل.
وتكتسب منطقة سلوان أهمية خاصة لدى السلطات والجماعات الاستيطانية نظرًا لقربها من المسجد الأقصى.
ويشير يوناتان مزراحي، من منظمة «السلام الآن» المناهضة للاستيطان، إلى مشروع أثري إسرائيلي بالمنطقة، قائلاً: «تقع سلوان في موقع تطلق عليه السلطات اسم مدينة داود، وتتضمن الخطة إنشاء منطقة سياحية تبرز الرواية وانتماء اليهود لهذه الأرض، ونتيجة لذلك نشهد قدوم المزيد من المستوطنين وإجبار الفلسطينيين على المغادرة».
البلدة القديمة وفي الشيخ جراحيمتد التوتر إلى الأحياء الإسلامية والمسيحية داخل البلدة القديمة، حيث ترفرف الأعلام الإسرائيلية فوق مبانٍ استولى عليها المستوطنون.
ومن أبرز هذه القضايا ملف عائلة «باشا» المهددة بالإخلاء من مبنى تشغله مدرسة دينية يهودية.
وكان المبنى قد هُجر عام 1929 إبان الانتداب البريطاني، لكن الحارس الفلسطيني محمد باشا عبد الغني حافظ على سلامة العقار ومحتوياته مقابل السكن في جزء منه.
ورغم صدور حكم قضائي بإخلاء أفراد العائلة الاثني عشر المتبقين لصالح توسعة المدرسة الدينية، أصدرت محكمة القدس المركزية مؤخرًا أمرًا مؤقتًا يجمّد الإخلاء مؤقتًا لحين النظر في الاستئناف القانوني.
ويتساءل مفيد باشا (76 عامًا): «حافظ والدي على المكان وعلى آلاف النصوص الدينية، والآن ليس لدينا مكان آخر نذهب إليه، فهل هذه هي المكافأة؟ ».
من جهتها، وافقت لجان التخطيط، مؤخرًا، على مشروع بناء مدرسة دينية يهودية ضخمة عند مدخل حي الشيخ جراح، كما شكلت الحكومة الإسرائيلية فريقًا وزاريًا للتحقيق في مصادرة عشرات العقارات الفلسطينية عند «باب السلسلة» المؤدي إلى مجمع المسجد الأقصى.
وانتقد تقرير لجمعية «بيمكوم» استخدام نظام تسجيل الأراضي الجديد الذي أقر عام 2018 كأداة إضافية لتسهيل الاستيلاء على الأراضي وتشريد السكان.
وقال أفيف تاتارسكي، الباحث في منظمة «عير عميم» المناهضة للاستيطان: «الفلسطينيون في القدس يشعرون بعدم الأمان حتى داخل منازلهم، فالحكومة الحالية تسارع لترسيخ واقع التفوق اليهودي الذي لا يتسامح مع الحقوق أو الوجود الفلسطيني».
تحذيرات من موجات نزوح جديدةيطالب السكان المحليون بالتدخل الدولي الفوري، حيث وصف الاتحاد الأوروبي الأوضاع في القدس الشرقية وسلوان بالخطيرة، مؤكدًا معارضته الشديدة لسياسة الاستيطان والأنشطة الإسرائيلية المرافقة لها.
وتتجسد المعاناة الإنسانية في جولات الدبلوماسيين الأجانب بالمنطقة، والتي شملت زيارة المسنّة يسرى قويدر (97 عامًا) المفلوجة في فراشها، والتي تواجه منزلها الحالي الذي تقيم فيه منذ نصف قرن بأمر إخلاء، بعد أن عاصرت النزوح ثلاث مرات منذ تهجير عائلتها من يافا عام 1948.
وقالت قويدر: «يريدون طردنا من هنا مجددًا، وأنا مسنة ومريضة ولا أستطيع الحركة، وليس لنا سوى الاعتماد على الله».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك