بيروت / ستيفاني راضي / الأناضولتهديد إسرائيلي بإخلاء الحي وأهالي مسيحيون يرفضون مغادرة منازلهم وأراضيهمأهالي الحي المسيحيون ينفون علاقتهم بالحرب، ويؤكدون أنهم مسالموننائب رئيس بلدية صور علوان شرف الدين: هناك نحو 50 عائلة ترفض المغادرةبقيَ" الحيّ المسيحي" في مدينة صور جنوبي لبنان خارج دائرة العدوان الإسرائيلي منذ اندلاع الحرب بالعام 2023، قبل أن يُدرَج خلال الأسبوع الجاري ضمن قائمة الأحياء المهددة بالإخلاء، في تطور يثير قلق سكانه للمرة الأولى منذ بدء التصعيد.
وتحت شعار" أموت ببيتي ولا أتعذب على الطرقات"، يتمسك عدد كبير من السكان بعدم المغادرة رغم التهديد، باعتبارهم مدنيين لا صلة لهم بأي نشاط عسكري، مشددين على أن الحي لم يكن في أي وقت منطلقًا لعمليات مسلحة، إضافة لأن منازلهم جزء من هويتهم ووجودهم التاريخي.
ويقع" الحي المسيحي" في الجزء الشمالي الغربي من مدينة صور، ويضم كنائس ومباني تراثية وأزقة قديمة تعود إلى حقب تاريخية مختلفة، ويُعد أحد أبرز المعالم العمرانية التي تعكس الطابع المتعدد للمدينة الساحلية.
والثلاثاء، هدد الجيش الإسرائيلي بتهجير سكان الحي المسيحي، بزعم وجود نشاط لـ" حزب الله" داخله، وقال إنه إذا واصل عناصر الحزب العمل والبقاء داخل الحي، فسيصدر الجيش إنذارا بإخلائه.
ويأتي التهديد في سياق تصعيد عسكري متواصل تشهده صور ومحيطها، بعدما أصدر الجيش الإسرائيلي إنذارات إخلاء لمناطق واسعة بالمدينة والأحياء المحيطة بها، أعقبها تنفيذ غارات جوية على مناطق جنوبية عدة.
وأثار التحذير الإسرائيلي حالة من القلق بين سكان الحي وغالبيتهم من المسيحيين، ودفع الجيش اللبناني إلى اتخاذ إجراءات أمنية واحترازية في المنطقة.
ورغم التهديد، رفض عدد كبير من المسيحيين القاطنين بالحي مغادرة منازلهم وأراضيهم، كونهم، وفق قولهم، لا علاقة لهم بالحرب، وأنهم مسالمون، وذلك كما الحال في البلدات المسيحية الحدودية، رميش ودبل وعين إبل.
كما رفض رئيس أساقفة صور وتوابعها للروم الملكيين الكاثوليك المتروبوليت جورج إسكندر، مغادرة ديره في صور.
وقال إسكندر في بيان: " نحن باقون في مدينة صور، بين أهلنا وشعبنا، كما بقي آباؤنا وأجدادنا من قبلنا، وكما يبقى اليوم أبناء الجنوب الصامدون في أرضهم وقراهم ومدنهم".
وأضاف: " وجودنا بين الناس ليس خيارًا ظرفيًا، بل هو جزء من رسالتنا وواجبنا الوطني والإنساني والروحي.
فكما نتقاسم مع أهلنا الأفراح نتقاسم معهم أيضًا القلق والمعاناة والرجاء".
وتابع: " لن نترك هذه المدينة التي باركتها أقدام السيّد المسيح، والتي حملت عبر التاريخ شهادة الإيمان والصمود".
في المقابل وبعد التهديد، نزح مئات الأشخاص من الحي الذي كان ملجأ للنازحين من القرى المجاورة التي سبق تهديدها، بينما قرر آخرون البقاء.
نائب رئيس بلدية صور علوان شرف الدين، يقول للأناضول إن" الحي المسيحي تسمية أطلقها الجيش الإسرائيلي لكنه جزء من أحياء صور القديمة، التي تضم حيا مسيحيا وآخر مسلما".
وقبل التهديد الإسرائيلي، وفق شرق الدين، " كان يقطن الحي المسيحي نحو 250 عائلة، واليوم ما يزال فيه نحو 50 عائلة رفضت المغادرة، أما الحي المسلم، فلم ينزح أو يُخلِ عدد كبير من السكان منازلهم منه، فهو حي شعبي، وكثيرون لا يملكون القدرة على الانتقال إلى مكان آخر".
ومع امتلاء مراكز الإيواء نتيجة نزوح نحو مليون شخص منذ بدء الحرب في 2 مارس/آذار" لم يكن من السهل على النازحين إيجاد أماكن تؤويهم"، وفق شرف الدين، لذلك قرر كثير من الأهالي البقاء في صور.
ويشير إلى أن بعض الأهالي يرددون عبارة" أموت ببيتي ولا أتعذب على الطرقات"، لافتا إلى أن الكثير ممن غادروا عقب الإنذار مباشرة افترشوا الأرصفة والحدائق، أو أقاموا خيماً، أو باتوا في سياراتهم.
ووفق شرف الدين، فإنها المرة الأولى التي يتم فيها توجيه تهديد مباشر إلى هذا الحي، رغم أن مدينة صور بأكملها كانت تتعرض للتهديد سابقاً.
وربما هذه المرة جاء التهديد شاملا بهدف إفراغ مدينة صور، علما أن نحو 90 بالمئة منها أصبحت خالية نتيجة التهديدات والقصف العشوائي الإسرائيلي، بحسب المتحدث.
وإلى جانب الأهالي الذين رفضوا الإخلاء، يوجد حالياً نحو 6000 شخص من قرى صور في مراكز الإيواء، لم يغادروا القضاء رغم التهديدات، فيما تعاني هذه المراكز من الاكتظاظ.
بدوره، يقول أحد التجار من سكان" الحي المسيحي"، مفضّلًا عدم الكشف عن اسمه، إن الحرب تسببت بخسائر اقتصادية كبيرة، لا سيما بعد إقفال أصحاب المصالح التجارية أعمالهم منذ اندلاعها في 2 مارس.
وأوضح للأناضول أن السكان شعروا بقلق كبير عقب صدور تهديدات طالت الحي المسيحي، إلا أن العديد منهم فضّلوا البقاء في منازلهم.
وحول ما إذا كانوا قد رصدوا في الآونة الأخيرة تحركات مشبوهة في الأحياء القديمة، يقول شرف الدين إن" المدينة تضم نحو 30 ألف شخص بين نازح وصامد، وبطبيعة الحال، هناك نازحون بها من خارج صور".
ويكمل: " لكن لا يمكن تحديد ما إذا كانوا منتمين إلى أحزاب أو معرفة هوياتهم الكاملة، فهم مدنيون وغير مسلحين، إلا أن إسرائيل تصنف الناس كما تريد".
ويضيف أن كل من في الحي المسيحي هم من أهالي صور، بينما الحي المسلم فلجأ له نازحون من قرى مجاورة لصور.
المسؤول المحلي شدد على أن المدينة ليست منطلقا لأي عمل عسكري.
وعقب التهديد الإسرائيلي، أطلق مطارنة صور" نداءً عاجلاً إلى المرجعيات السياسية والعسكرية اللبنانية والمجتمع الدولي"، وطالبوا في بيان مشترك تضمن النداء بــ" التحرك الفوري لتجنيب صور مزيداً من الأخطار".
البيان أكد أن الحارة القديمة التي تضم الحي المسيحي" ليست مجرد حي سكني، بل تمثل قلب المدينة التاريخي والإنساني، وتضم آلاف المدنيين من عائلات وأطفال ومسنين، فضلاً عن احتضانها إرثاً حضارياً وثقافياً ودينياً يمتد لقرون".
وحذّر المطارنة من أن أي استهداف للحي المسيحي" سيشكل كارثة إنسانية ووطنية"، داعين المسؤولين اللبنانيين إلى" بذل أقصى الجهود السياسية والدبلوماسية والأمنية لحماية المدنيين وصون الممتلكات".
وناشدوا المجتمع الدولي والهيئات الأممية" التدخل لحماية السكان وفق أحكام القانون الدولي الإنساني ومنع تعرضهم لمزيد من الأخطار".
وعن مرور نحو 3 أيام من التهديد دون استهداف الحي، يرجح التاجر الذي تحدثنا إليه أن للمطارنة ورجال الدين المسيحيين دورًا مؤثرًا في تحييد المنطقة حتى الآن.
ويشير الرجل إلى أن الضغوط التي مارستها المرجعيات الكنسية ربما أسهمت في ذلك، وإلى أن عددًا من الأهالي الذين غادروا منازلهم عادوا إليها.
ورفضت جهات كنسية التعليق على الوضع في الحي وعما إذا مارست ضغوطا من أجل عدم إخلائه، مكتفية بالقول للأناضول: " نحن دورنا أن نصلي".
وعن تاريخ وأهمية صور، يقول شرف الدين إنها مدينة" باركها السيد المسيح، وتتميز بالاختلاط والاندماج والعيش المشترك".
وهذا ما يؤكده التاجر، قائلا: " مدينة صور لطالما شكّلت نموذجًا للتعايش بين أبنائها"، مشددا على أن الأهالي يسعون إلى حماية منازلهم وعائلاتهم، وأنهم بعيدون عن التجاذبات السياسية ولا علاقة لهم بهذه الأجواء.
بينما يشير شرف الدين إلى أن عمر المدينة يتجاوز 5000 عام، وأنها مدرجة على لائحة التراث العالمي، وقد تعاقبت عليها حضارات عدة، و" لذلك يجب أن تكون مدينة محيّدة لا تُستهدف، وأن تحظى بحماية دولية".
ويوضح أن الاستهدافات السابقة دمّرت الكثير من آثار صور، مطالبا بتحييد المدينة.
وتشن إسرائيل منذ 2 مارس عدوانا على لبنان خلّف 3711 قتيلا و11483 جريحا حتى الخميس، إضافة إلى أكثر من مليون نازح، وبرغم هدنة بدأت في 17 أبريل/ نيسان، تواصل العدوان عبر قصف يومي دموي وتفجير واسع لمنازل بعشرات القرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك