بعد 14 عامًا من سقوط نظام القذافي، لا تزال ليبيا عالقة في مرحلة انتقالية مفتوحة، حيث فشلت المبادرات السياسية المتعاقبة في تحقيق نقل السلطة إلى مؤسسات منتخبة مستقرة.
في هذا السياق، أطلقت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في ديسمبر 2025 “الحوار المهيكل”، بمشاركة 120 شخصية تمثل التنوع الجغرافي والسياسي والاجتماعي الليبي، بنسبة 35% من النساء، بالإضافة إلى الشباب وذوي الإعاقة والمكونات الثقافية (أمازيغ، تبو، طوارق).
انقسم المشاركون إلى 4 مسارات متكاملة: الحوكمة، الاقتصاد، الأمن، والمصالحة الوطنية.
أولاً: إصلاح الحوكمة – سلطة تنفيذية موحدة وإطار دستوري مرحليانطلق مسار الحوكمة من قناعة راسخة بأن استمرار ازدواجية السلطة التنفيذية يمثل جوهر الأزمة الليبية.
أوصى الحوار بتشكيل سلطة تنفيذية واحدة تتولى مهمة حصرية هي إدارة المرحلة الانتقالية وتهيئة البيئة لإجراء انتخابات وطنية شاملة، بولاية زمنية صارمة تتراوح بين 18 و24 شهرًا، غير قابلة للتمديد.
يتكون الهيكل المقترح من مجلس رئاسي (رئيس ونائبين) يتمتع بصلاحيات تنفيذية محددة، إلى جانب “حكومة الاستحقاق الوطني” من رئيس وثلاثة نواب (واحد عن كل إقليم).
اشترط الحوار تقديم تعهد كتابي صريح بعدم الترشح في الانتخابات القادمة لمن يتولون المناصب الانتقالية، وهو ما قد يمثل ضمانة لكسر حلقة استغلال المناصب.
أما الإشكالية الأكثر تعقيدًا، فتمثلت في المسار الدستوري.
اقترح المشاركون فصل المسارين: تقديم “إطار دستوري مرحلي” ينظم الفترة الانتقالية ويؤدي إلى انتخابات، على أن يُحال ملف الدستور الدائم إلى مرحلة لاحقة.
تبلورت ثلاثة خيارات تنفيذية: الأول داخل المجلسين (النواب والدولة)، والثاني عبر لجنة حوار موسعة، والثالث باللجوء إلى الاستفتاء التحكيمي لحسم القضايا الخلافية.
رغم طموح هذه التوصيات، يبقى السؤال المحوري حول قابلية التطبيق في ظل غياب آليات إلزام حقيقية.
فاشتراط عدم ترشيح أعضاء السلطة الانتقالية قد يواجه مقاومة من النخب التي اعتادت استغلال المراحل الانتقالية.
ثانيا: الإصلاح الاقتصادي – تشخيص صادم وحزمة إنقاذ جذريةكشف التحليل الاقتصادي الذي قدمه الحوار عن أوضاع كارثية: تجاوز الإنفاق العام التراكمي (2012-2025) 1,401 مليار دينار، بينما تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي من 105 مليارات دولار إلى 34.
5 مليار دولار في 2021.
بلغ الدين العام المحلي 303 مليارات دينار بنهاية 2025، أي حوالي 150% من الناتج المحلي، وهي نسبة تضع الاقتصاد في “منطقة الخطر الحرج” وفق صندوق النقد الدولي.
تظهر النتائج وجود “خلل وظيفي جوهري”: يستحوذ بابا المرتبات والدعم على 73% من إجمالي الإنفاق العام، فيما لا يتعدى نصيب الإنفاق التنموي 11.
3%، في مخالفة صريحة للقانون الذي يلزم بتخصيص 70% للاستثمار.
ويعتمد الاقتصاد على الإيرادات النفطية بنسبة تتجاوز 98%.
استخدم فريق الاقتصاد نماذج محاكاة لأربعة سيناريوهات (2026-2030): يؤدي سيناريو استمرار الوضع الراهن إلى هشاشة متراكمة وعجز يبلغ 71.
7 مليار دينار، بينما يحقق السيناريو التفاؤلي استقرارًا نسبيًا عبر تخفيض الإنفاق إلى نقطة التعادل المالي (117 مليار دينار) بحلول 2030.
تضمنت حزمة الإصلاحات المقترحة: استعادة وحدة الميزانية العامة، حوكمة شفافة للمؤسسة الوطنية للنفط، التحول التدريجي من اقتصاد الريع إلى اقتصاد متنوع، واستبدال سياسات الدعم غير الفعالة بنظام دعم نقدي مشروط.
تكتسب هذه التوصيات أهمية بالغة، لكن نجاحها مرهون بتوفر الإرادة السياسية والتسوية الشاملة.
كما أن غياب البيانات المالية المجمعة للدولة منذ 2009 وعدم نشر المؤسسة الليبية للاستثمار لقوائمها المالية منذ 2008 يعيق أي إصلاح جاد.
ثالثا: الأمن والمصالحة – من وقف إطلاق النار إلى الوئام الوطنيخلص المشاركون إلى أنه “لا يمكن لأي إصلاح سياسي أو اقتصادي أن يكتب له النجاح في بيئة أمنية منقسمة”.
أوصى مسار الأمن بدعم اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) لتنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار، وإخراج القوات الأجنبية والمرتزقة، وتوسيع عضوية اللجنة وتمثيلها جغرافيًا.
كما دعا إلى توحيد الإطار القانوني للمؤسستين العسكرية والأمنية، وبرامج تدريجية لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR).
أما مسار المصالحة، فوضع العدالة الانتقالية في صميم العملية عبر ركائزها الأربع: الحق في معرفة الحقيقة، جبر الضرر، المساءلة، وضمان عدم التكرار.
أوصى بإنشاء “هيئة مستقلة للإِنصاف والمصالحة”، وإصدار قانون للعدالة الانتقالية يسري اعتبارًا من 1969، ومعالجة المظالم العقارية، وإقرار كوتا لا تقل عن 35% للمرأة في المجالس المنتخبة.
تبقى العوائق الرئيسية سياسية لا تقنية: استمرار الانقسام، والولاءات الشخصية والجهوية، والتدخلات الخارجية المتزايدة التي شملت التسليح وتطوير العلاقات الخارجية.
رابعاً: آليات التنفيذ – عقود ملزمة أم نوايا حسنة؟يُعدّ الملحقان الثاني والثالث (“ميثاق الضمانات الوطني الملزم” و”الميثاق الوطني الملزم للانتخابات”) الأكثر ابتكارًا.
يبنيان على فكرة أن “الشرعية مشروطة بالامتثال”، ويحددان ضمانات سياسية وقضائية واقتصادية وأمنية، مع “مبدأ الكلفة التصاعدية” للخروقات تصل إلى سحب الاعتراف السياسي.
تكمن المفارقة الجوهرية في أن الميثاق الذي يضع كلفة التعطيل أمام الليبيين يكشف في الوقت نفسه عن كلفة تردد المجتمع الدولي.
فكيف يمكن لمجلس الأمن، الذي فشل طوال عقد في فرض عقوبات حاسمة على الأطراف المعطلة، أن يُحدث فارقًا هذه المرة؟ تبقى الضمانة الحقيقية رهينة اختبار أول خرق جسيم: هل سيكون رد فعل الشركاء الدوليين موحدًا وحاسمًا، أم أن المصالح الجيوسياسية الضيقة ستفوز مجددًا؟تقدم مخرجات “الحوار المهيكل” خريطة طريق طموحة ومتكاملة، تعترف بأن الحل الدائم يحتاج إلى وقت، لكن الطريق إليه يجب أن يكون محصنًا الآن.
يبقى التحدي الأكبر في الانتقال من النصوص إلى التطبيق، ومن النوايا الحسنة إلى الآليات الرادعة، محليًا ودوليًا.
نجاح الليبيين في كسر حلقة المراحل الانتقالية المفتوحة مرهون بقدرتهم على تجاوز إرث الانقسام، وبقدرة المجتمع الدولي على تذكر أن شرعيته في الوساطة مرهونة بقدرته على تطبيق ما يفرضه على الآخرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك