لم يعد الارتفاع الحادّ في موجات الحر حالة استثنائية في دول أوروبا الغربية، بل جزءاً من نمط متكرّر يعكس تسارع الاحترار العالمي وتأثيراته على السكان.
ويضغط ذلك على الأنظمة الصحية التي تتعامل مع زيادة حالات الإجهاد الحراري ومخاطر الوفيات المباشرة وتفاقم الأمراض المزمنة، وأيضاً انخفاض القدرة على العمل.
شهدت دول أوروبا الغربية موجات حر شديدة في نهاية مايو/ أيار الماضي ومطلع يونيو/ حزيران الجاري انعكست مباشرة على حياة السكان وصحتهم.
وسجلت بريطانيا وأيرلندا وفرنسا وإسبانيا درجات حرارة غير مسبوقة في مايو تراوحت بين 35 و39 درجة مئوية، واعتبرت أقرب إلى ذروة الصيف منها إلى بدايته.
وتشير بيانات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة إلى أنّ العالم يتجه خلال السنوات الخمس المقبلة نحو تسجيل درجات حرارة قياسية جديدة، مع ارتفاع متوسط الحرارة العالمية بين 1.
3 و1.
9 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، في حين يُتوقع أن يشهد القطب الشمالي ارتفاعاً بنحو 2.
8 درجة مئوية، ما يعكس اختلالاً عميقاً في توازن النظام المناخي العالمي.
على الصعيد الصحي، باتت موجات الحرّ أحد أخطر التهديدات المباشرة في القارة الأوروبية.
وتشير تقديرات علمية وبيانات أوروبية رسمية نُشرت في السنوات الأخيرة، من بينها تلك لموقع" نايتشر ميديسن" في يوليو/ تموز 2023، إلى أنّ الحرارة الشديدة تسبّبت في أكثر من 60 ألف وفاة في أوروبا خلال صيف 2022 وحده، وأكثر من 200 ألف شخص خلال السنوات الأربع الماضية، بحسب ما كشف المدير الإقليمي للمنظمة في أوروبا هانز كلوغ الذي وصف موجات الحرّ بأنها" قاتل صامت يمكن الوقاية من آثاره إذا استخدمت أوروبا الأدوات المتاحة لديها فعلاً".
ويعكس الرقمان حجم التأثير المتصاعد للظاهرة، فمع تزايد تكرار موجات الحر ترتفع معدلات دخول المستشفيات بنسبة تتراوح بين 15 و25% خلال فترات الذروة، خصوصاً بين كبار السن ومرضى القلب والجهاز التنفسي.
وهذا ما أكده أيضاً تقرير لمنظمة الصحة العالمية في 28 إبريل/ نيسان الماضي.
أيضاً تُسجل خدمات الطوارئ في مدن كبرى مثل باريس ولندن ومدريد ارتفاعاً في الطلب على التدخلات الطبية يتجاوز 20% خلال أيام الحرارة القصوى، ما يضع ضغطاً كبيراً على الأنظمة الصحية.
ولا يقتصر الخطر على الوفيات المباشرة، بل يمتد إلى تفاقم الأمراض المزمنة، وزيادة حالات الإجهاد الحراري، وانخفاض القدرة على العمل، خاصة بين الفئات الأكثر عرضة للخطر.
وتشير دراسات أوروبية إلى أنّ الإنتاجية في الأعمال الخارجية تنخفض بين 10 و15% عندما تتجاوز درجات الحرارة 30 درجة مئوية، ما يضيف عبئاً اقتصادياً غير مباشر، وذلك بحسب تقرير لمنظمة العمل أوضح أن الإنتاجية في الأعمال الخارجية (الزراعة، البناء) تنخفض بين 2% و20% عالمياً، عند تجاوز 30 درجة مئوية.
وفي القطاع الزراعي، تظهر آثار الاحترار العالمي على نحوٍ متسارع وعميق، إذ تؤدي موجات الحرّ والجفاف المصاحب لها إلى تراجع واضح في إنتاج المحاصيل الأساسية، مثل القمح والذرة والشعير.
وتشير بيانات المفوضية الأوروبية إلى أن بعض دول جنوب أوروبا سجلت خسائر زراعية تراوحت بين 10 و30% خلال السنوات التي شهدت جفافاً شديداً، ما يهدد استقرار الأمن الغذائي على المدى المتوسط.
وتعد إسبانيا وإيطاليا واليونان من أكثر الدول تأثراً، إذ تراجعت إنتاجية الحبوب في بعض المواسم بنحو 20% نتيجة نقص المياه وارتفاع معدلات التبخر من التربة، كما تتأثر محاصيل استراتيجية، مثل الزيتون والعنب، مباشرةً، ما ينعكس على قطاعات اقتصادية مرتبطة بها، مثل صناعة الغذاء والتصدير، وذلك كما أفدت وكالة المناخ الأوروبية في تقريرها المنشور على صفحتها الرسمية في 17 مارس/ آذار الماضي.
وفي الوقت نفسه، يزداد الضغط على الموارد المائية على نحوٍ غير مسبوق.
وتشير تقديرات أوروبية إلى أن الطلب على المياه يرتفع بنسبة تصل إلى 40% في المناطق الحضرية خلال موجات الحرّ، بينما تنخفض مستويات الأنهار والخزانات بنسب تتراوح بين 30 و50% في فترات الجفاف الممتدة.
وهذا التباين بين الطلب والعرض يضع البنى المائية في أوروبا أمام اختبار صعب، خصوصاً في دول جنوب القارة المتوسطية.
وعلى صعيد البنى التحتية تؤثر موجات الحر مباشرةً على شبكات النقل والطاقة.
فارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى تمدّد السكك الحديدية، ما يبطئ حركة القطارات ويعيد جدولة واسعة رحلات على بعض الخطوط، كما يؤدي ارتفاع استهلاك الكهرباء بسبب أجهزة التكييف إلى زيادة الطلب على الطاقة بنسبة تتراوح بين 15 و25% خلال فترات الذروة، ما يرفع احتمالات الضغط على الشبكات وانقطاع التيار في بعض المناطق.
وتبرز أيضاً ظاهرة" الجزر الحرارية الحضرية"، إذ تسجل المدن الكبرى درجات حرارة أعلى من المناطق الريفية بفارق يتراوح بين 3 و7 درجات مئوية نتيجة الكثافة العمرانية وقلّة المساحات الخضراء.
ويجعل هذا الفارق المدن الأوروبية أكثر عرضة لمخاطر صحية وبيئية مضاعفة، ويزيد حدة موجات الحرّ داخلها.
أزمة مناخية تتجاوز البيئةلم تعد آثار التغيّر المناخي في أوروبا تقتصر على الصحة والزراعة، بل تمتد إلى الاقتصاد والسياسات العامة، فارتفاع درجات الحرارة يتسبب في خسائر اقتصادية غير مباشرة نتيجة تراجع الإنتاجية، وزيادة الإنفاق الصحي، وارتفاع تكاليف الطاقة.
وتشير تقديرات أوروبية إلى أنّ موجات الحرّ قد تكلف الاقتصاد مليارات اليوروهات سنوياً إذا استمرت بالوتيرة الحالية.
وتفيد تقارير بأن الموجات الحديثة قد تستنزف ما يصل إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا بحلول عام 2030 إذا استمرت بالوتيرة الحالية، علماً أنها تقع في منتصف الترتيب الأوروبي على صعيد التأثر بالحرّ، خلف الدول الشمالية الأكثر برودة مثل أيرلندا وفنلندا، لكنها أفضل حالاً من دول جنوب أوروبا الأكثر حرارة، مثل إسبانيا وإيطاليا.
إلى ذلك يواجه الاتحاد الأوروبي تحدياً في تسريع الانتقال نحو الطاقة النظيفة، رغم التزامه بخفض الانبعاثات بنسبة لا تقل عن 55% بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات عام 1990، لكن خبراء المناخ يحذرون من أن وتيرة التنفيذ الحالية قد لا تكفي لمواكبة تسارع الاحترار العالمي، خصوصاً في ظل استمرار اعتماد دول عدة على الوقود الأحفوري في قطاعات رئيسية، كما يفتح التغيّر المناخي نقاشاً متزايداً حول العدالة المناخية بين الشمال والجنوب العالمي، فالدول الأقل مساهمة في الانبعاثات تتحمّل العبء الأكبر من آثار الاحترار، بينما تملك الدول الصناعية إمكانيات أكبر للتكيّف.
وهذا الخلل يعمّق الدعوات الدولية إلى آليات تمويل وتعويض أكثر عدلاً للدول المتضرّرة، خصوصاً في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.
وفي ظل هذا الواقع تبدو أوروبا أمام مرحلة انتقالية صعبة، تتداخل فيها التحديات الصحية والزراعية والاقتصادية، وتشكل أزمة واحدة متشابكة.
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالمياً تزداد الحاجة إلى سياسات مناخية أكثر جرأة لا تقتصر على التكيّف، بل تشمل إعادة هيكلة أنظمة الطاقة والإنتاج لتفادي تحوّل التكلفة المناخية إلى عبء دائم على المجتمعات الأوروبية واقتصاداتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك