تدق الأرقام الرسمية حول المباني الآيلة إلى السقوط في المغرب ناقوس الخطر، بعد أن شهدت مدن عدة حوادث انهيار متكررة لمبان مأهولة، خصوصاً في الأحياء القديمة.
كشف المكلف بالإسكان في وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في المغرب، أديب بن إبراهيم، عن وجود 53 ألفاً و728 بناية آيلة إلى السقوط، وعن إنجاز معاينة تقنية لنحو 28 ألف بناية منها، مع إحالة التقارير المتعلقة بالمباني التي تستوجب تدخلاً عاجلاً إلى الجهات المعنية.
وأكد المسؤول الحكومي في مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان) في الثاني من يونيو/حزيران الحالي، أن غالبية المباني الآيلة إلى السقوط، خصوصاً تلك الكائنة في المدن العتيقة، وسواء كانت مباني عشوائية أم مرخصة، تعاني اختلالات ومشكلات بنيوية، ما يشكل معضلة كبيرة تمس بضمانات السلامة العامة، كما تهدد الموروث المعماري والحضري.
وشهدت مدن مغربية عدة حوادث انهيار متكررة لمبان مأهولة خلال السنوات الماضية، الأمر الذي جعلها بمثابة قنابل موقوتة تهدد حياة آلاف السكان، وتزامن ذلك مع تأخر المجالس المحلية المنتخبة في إجراءات إصلاحها، أو تسوية أوضاع قاطنيها.
في 21 مايو/ أيار الماضي، أسفر انهيار بناية سكنية بمدينة فاس (شمال)، عن مصرع 15، وإصابة خمسة آخرين.
وفي 18 إبريل/ نيسان الماضي، لقي طفلان مصرعهما في مدينة تطوان (شمال) من جراء انهيار جزئي لبناية سكنية كانت تؤوي خمس أُسر.
وتكرر الأمر نفسه، في 5 يناير/ كانون الثاني الماضي، في حي العكاري الشعبي بالعاصمة الرباط، حيث لقي شخصان مصرعهما وأصيب أربعة آخرون بجروح متفاوتة.
وشهدت مدينة آسفي، ليل الرابع من يناير الماضي، انهيار منزل في حي بياضة، ما خلف حالة هلع بين السكان، في حين لم تُسجّل خسائر في الأرواح.
كما انهار منزل قديم في حي الملاح بالمدينة العتيقة في الصويرة، في 3 يناير الماضي، ما أودى بحياة سيدة ورضيعها.
ويقول رئيس المكتب التنفيذي للجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان (غير حكومية)، محمد رشيد الشريعي، إن" عودة ملف المباني الآيلة للسقوط إلى الواجهة تطرح قضية تتجاوز الجانب العمراني، بل ترتبط مباشرة بسلامة المواطنين وحقهم في السكن الآمن"، معتبراً أن ذلك يشير إلى تحد كبير ومتراكم عبر سنوات من التوسع العمراني، وتقادم البنايات، وإهمال إجراءات الصيانة.
ويوضح الشريعي لـ" العربي الجديد"، أن" الإحصائيات الحكومية الأخيرة تؤكد أن الخطر حقيقي، ويستحق أن يكون ضمن أولويات السياسات العمومية، ليس بسبب العدد الكبير للمباني المعنية فقط، بل لأن كل بناية مهددة قد تخلف مأساة إنسانية.
التحدي الأكبر لا يكمن في تشخيص المشكلة، بل في تسريع وتيرة المعالجة، وتوفير التمويل، والعمل على الحلول التي تضمن حماية السكان من دون تحميلهم وحدهم تبعات مشكلة متراكمة منذ عقود".
ويتابع: " نجاح أي خطة لمعالجة ملف المباني الآيلة للسقوط يُقاس بعدد الأرواح التي يتم إنقاذها، وعدد الأسر التي تحصل على سكن آمن، وليس بعدد التقارير أو الإحصائيات.
مواجهة أي ظاهرة سلبية يعتمد على نهج تكاملي يبدأ بتحديد المشاكل من خلال وضع استراتيجية، ثم تضافر جهود عدة مؤسسات ذات صلة بالتعمير لتفعيل المراقبة القبلية لهذه المباني الآيلة للسقوط.
لا يمكن الاكتفاء بإحصاء البنايات المهددة، أو إصدار قرارات الإخلاء، إذ يتطلب الأمر مقاربة شاملة تجمع بين الوقاية والتدخل الاجتماعي والتمويل والرقابة".
ضرورة الإسراع بتشخيص المباني الخطرةويؤكد الناشط الحقوقي ضرورة تسريع تشخيص المباني الخطرة وتصنيفها من خلال إجراء فحوص تقنية دورية لتحديد درجة الخطورة، وترتيب الأولويات، بحيث يتم التدخل العاجل في البنايات الأكثر تهديداً لحياة السكان.
ولمواجهة الخطر، يطالب الشريعي بتوفير بدائل سكنية للأسر المتضررة، علماً أن رفض بعض السكان مغادرة مساكنهم سببه الأساسي عدم توفر بديل مناسب، وهذه إحدى أكبر العقبات، إذ إن توفير سكن مؤقت، أو برامج إعادة إسكان مدعومة يظل شرطاً أساسياً لإنجاح عمليات الإخلاء.
ويشدد على" ضرورة دعم عمليات الترميم وإعادة التأهيل، فالكثير من المباني يمكن إنقاذها عبر الترميم والتدعيم الهندسي، في حين يمكن للدولة والجماعات المحلية إحداث صناديق دعم، أو منح قروض ميسرة لمساعدة الملاك والسكان على تحمل التكاليف.
لا يمكن وسط ذلك تجاهل تشديد المراقبة، فمن الضروري فرض مراقبة دورية على البنايات القديمة، والتأكد من احترام معايير البناء، ومعايير الصيانة، حتى لا تتوسع دائرة المباني المهددة مستقبلاً.
معالجة الملف تتطلب وضوحاً في أدوار السلطات المحلية، والمصالح التقنية، والمالكين، مع أهمية تفعيل المساءلة في حالات الإهمال التي تؤدي إلى كوارث".
ويلفت الشريعي إلى أن عدداً مهماً من المباني المهددة توجد في النسيج العمراني القديم، ما يستدعي برامج خاصة تجمع بين الحفاظ على التراث المعماري وضمان سلامة السكان، داعياً إلى رفع الوعي المجتمعي بين السكان الذين يستمرون في الإقامة داخل بنايات مصنفة خطرة، ما يجعل حملات التوعية والتواصل ضرورية.
ويرى أن" النجاح في مواجهة هذه الظاهرة يرتبط بوجود إرادة سياسية، وتمويل كافٍ، وتنسيق فعال بين مختلف المتدخلين، فالمسألة ليست مجرد مشكلة عمرانية، بل قضية سلامة عامة تمس حياة آلاف الأسر المغربية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك