على امتداد أكثر من عقدين، ارتبط اسم البرتغالي كريستيانو رونالدو بكل ما يمكن أن يحققه لاعب كرة قدم من ألقاب محلية وقارية، خمس كرات ذهبية، أرقام قياسية لا تُحصى، وإنجازات جعلته أحد أعظم اللاعبين في تاريخ اللعبة.
ومع ذلك، بقي لقب كأس العالم الاستثناء الأكبر في مسيرته المذهلة، والعنوان الذي أثار النقاشات بشأن إرثه الكروي لسنوات طويلة.
list 1 of 2غضب إيطالي بعد سخرية إنفانتينو من" الآتزوري"list 2 of 2فينيسيوس يشيد بنجوم المغرب.
وأنشيلوتي يتحدث عن أهمية الخوفومع اقتراب مشاركته السادسة التاريخية في كأس العالم 2026، يبدو أن علاقة رونالدو بالبطولة الأهم في عالم كرة القدم مرت بتحولات لافتة، وانتقلت من اعتبارها" الحلم الأكبر" في مسيرته إلى تأكيدات بأنها ليست ما يحدد مكانته التاريخية.
عقب خروج البرتغال من ربع نهائي كأس العالم 2022 بالخسارة أمام المغرب، ظهر رونالدو في واحدة من أكثر لحظاته عاطفية مع المنتخب حين أجهش بالبكاء في مشهد لا يُنسى، يومها بدا اللاعب الذي كان يبلغ 37 عاما وكأنه يودع الحلم الذي رافقه منذ بداياته.
كتب قائد البرتغال رسالة مؤثرة أكد فيها أن الفوز بكأس العالم كان" أكبر حلم في مسيرته وأكثرها طموحا"، مشيرا إلى أنه قاتل من أجل هذا الهدف خلال خمس مشاركات مونديالية امتدت على مدار 16 عاما.
وقال حينها إن وضع اسم البرتغال على قمة كرة القدم العالمية كان الحلم الأكبر بالنسبة له، مؤكدا أنه لم يتخل يوما عن هذا الطموح وبذل كل ما يملك من أجل تحقيقه.
اعتراف صريح من رونالدو بأن كأس العالم يمثل الذروة التي كان يسعى إليها طوال مسيرته، خاصة بعد أن نجح في حصد معظم الألقاب الكبرى الأخرى سواء مع الأندية أو المنتخب البرتغالي.
لكن المشهد تغيّر بصورة لافتة بعد أقل من ثلاث سنوات، ففي مقابلة مطولة مع الإعلامي البريطاني بيرس مورغان عام 2025، فاجأ رونالدو الجميع عندما قلل من أهمية ربط مسيرته بلقب كأس العالم، مؤكدا أن فوزه بالبطولة ليس" حلماً" بالمعنى الذي يصوره كثيرون.
وقال النجم البرتغالي بشكل مباشر: " إذا سألتني، أنا رونالدو.
هل الفوز بكأس العالم حلم؟ لا، ليس حلماً".
ورأى رونالدو أن الحكم على مسيرة لاعب من خلال بطولة قصيرة من ست أو سبع مباريات فقط أمر غير عادل، متسائلا: " كيف يمكن لمسابقة واحدة أن تحدد ما إذا كان لاعب ما من بين الأفضل في تاريخ كرة القدم"؟ويعكس هذا التصريح تحولا واضحا في طريقة نظرته إلى البطولة، فبعد أن وصفها سابقا بأنها الحلم الأكبر في حياته الرياضية، أصبح يتحدث عنها كإنجاز مهم لكنه لا يملك القدرة وحده على تعريف مسيرته أو تقييم مكانته التاريخية.
ربما لا يمكن فصل هذا التحول عن المقارنات المستمرة بين رونالدو وغريمه التاريخي الأرجنتيني ليونيل ميسي، فبعد تتويج ميسي بكأس العالم 2022 في قطر، وصف قائد الأرجنتين اللقب بأنه" حلم حياته"، ليحقق الإنجاز الأبرز الذي كان ينقص خزائنه.
في المقابل، وجد رونالدو نفسه أمام واقع جديد أصبحت فيه المقارنات أكثر ارتباطا بالمونديال من أي وقت مضى، ولهذا ربما اختار إعادة صياغة المعادلة بالكامل، مؤكدا أن مكانته لا تتوقف على بطولة واحدة مهما بلغت أهميتها.
ولم يخف النجم البرتغالي رفضه لفكرة أن يكون تتويج ميسي بالمونديال حاسماً في المنافسة التاريخية بينهما، وذهب أبعد من ذلك" كالمعتاد" وأكد أن أفضلية ميسي عليه غير حقيقية بالأساس.
ورغم كل الجدل حول قيمة كأس العالم في مسيرته، فإن رونالدو سيصنع تاريخا جديدا في نسخة 2026.
فبمجرد مشاركته لدقيقة واحدة في البطولة، سيصبح إلى جانب ليونيل ميسي والمكسيكي غييرمو أوتشوا أول 3 لاعبين في تاريخ اللعبة يشاركون في ست نسخ مختلفة من كأس العالم.
ويمثل هذا الإنجاز دليلا إضافيا على الاستمرارية الاستثنائية للاعب الذي يخوض عامه الثالث والعشرين مع المنتخب البرتغالي، بعدما سجل 143 هدفاً في 228 مباراة دولية، وهو الرقم الأعلى في تاريخ المنتخبات.
لكن الواقع الفني للمنتخب البرتغالي تغير كثيرا مقارنة بالبدايات، فلم يعد رونالدو اللاعب الذي يدور حوله كل شيء كما كان الحال في بطولات 2006 أو 2010 أو 2014.
اليوم يمتلك المنتخب جيلا جديدا يقوده لاعبون مثل جواو نيفيش وفيتينيا وبرونو فرنانديز، فيما أصبح دور رونالدو أقرب إلى القائد والمرجع وصاحب الخبرة القادر على حسم اللحظات الهامة داخل منطقة الجزاء.
المفارقة أن رونالدو بدأ رحلته الدولية بشكل مشابه، كان شابا يافعا إلى جانب أسماء تاريخية مثل لويس فيغو وباوليتا، وكلاهما اعتزل قبل سنوات طويلة دون أن ينجح في قيادة البرتغال إلى لقب كأس العالم.
كما أن أسطورة البرتغال الأول أوزيبيو لم يتمكن هو الآخر من تحقيق هذا الإنجاز رغم مكانته الأسطورية.
ولهذا يدرك رونالدو أن التاريخ لا يرحم، وأن الفرصة الأخيرة ربما تكون أمامه الآن، فبحلول كأس أمم أوروبا المقبلة سيكون في الثالثة والأربعين من عمره، ما يجعل مونديال 2026 أقرب إلى الفصل الأخير في رحلته مع البطولات الكبرى.
ورغم كل ما قيل خلال السنوات الماضية عن حلم المونديال وأهميته أو عدم أهميته، فإن أول ظهور إعلامي لرونالدو في كأس العالم 2026 حمل نبرة مختلفة تماما.
فبدلا من الحديث عن نفسه أو عن إرثه الشخصي، ركز قائد البرتغال على المجموعة الحالية والطموحات الجماعية، قائلا للصحفيين: " لدي ثقة في أن هذا الجيل يستطيع جلب الأفراح للبرتغاليين".
ربما تختصر هذه العبارة كل ما تغير في علاقة رونالدو بكأس العالم، فالرجل الذي تحدث يوما عن المونديال باعتباره حلم حياته، ثم عاد ليؤكد أنه لا يحدد قيمته كلاعب، يبدو اليوم أكثر اهتماما بما يمكن أن يحققه المنتخب البرتغالي ككل، لا بما يمكن أن يضيفه اللقب إلى سجله الشخصي.
ومهما كانت النهاية في مونديال 2026، فإن مشاركة رونالدو السادسة ستبقى حدثا استثنائيا في تاريخ اللعبة، أما كأس العالم نفسها، فستظل البطولة التي حلم بها طويلا، ثم حاول لاحقا إقناع الجميع بأنها ليست كل شيء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك