لم تكن عقارب الساعة تشير فقط إلى الواحدة ظهراً بتوقيت العاصمة المكسيكية موعد بدء المباراة الافتتاحية للمونديال، بل كانت تعلن في قطاع غزة المحاصر عن بدء 90 دقيقة من الهدنة النفسية الإجبارية.
بينما كانت أضواء ملعب" أزتيكا" التاريخي في مكسيكو سيتي تتلألأ أمام أكثر من 80 ألف متفرج شهدوا حفل الافتتاح لأضخم مونديال في التاريخ، كان للمشهد في غزة جغرافيا أخرى.
داخل إحدى خيام النزوح المكتظة في القطاع، انضم عشرات الشبان والأطفال لحلقة ضيقة، شاخصة أبصارهم نحو شاشة هاتف محمول صغيرة يرتعش ضوؤها مستمداً طاقته من بطارية متهالكة بقوة 12 فولتاً.
ساد الصمت والترقب أرجاء المكان، وتلاشت لبرهة جراح الفقد وهموم التدبير اليومي للحياة، ليحل محلها قلق الساحرة المستديرة، ومع انطلاق صافرة البداية بعد حفل افتتاح تابعه الغزيون عبر موجات إذاعية أو ومضات إنترنت متقطعة، بدت الأجواء داخل الخيمة وكأنها قطعة من مدرجات الملعب.
بلغت الإثارة ذروتها في الدقيقة التاسعة، حين شق المكسيكي" خوليان كينيونيس" دفاعات جنوب أفريقيا ليسكن الكرة الزاحفة في شباك الحارس رونوين ويليامز.
في تلك اللحظة تحديداً، انفجرت الخيمة بغزة بهتاف جماعي صاخب هز أركان النايلون، وتداخلت أصوات الفرحة لتعلو فوق أصوات المعاناة المحيطة، ثم تكرر المشهد مع رأسية" راؤول خيمينيز" في الشوط الثاني التي حسمت اللقاء لمصلحة أصحاب الأرض بهدفين من دون رد وثلاث بطاقات حمراء أشعلت الميدان.
بينما كان المنتخب المكسيكي يحتفل بنقاطه الثلاث الأولى على عشب" الأزتيكا" الأسطوري، كان للغزيين هدف أعمق يتحقق على أرض واقعهم المرير، وهو قنص لحظة من الفرح الخالص وإثبات أن الشغف بالحياة، تماماً ككرة القدم لا يمكن حصاره أو دفنه تحت الركام.
هذا التباين الصارخ بين صخب ملعب" أزتيكا" وضيق خيمة النزوح، يختزل واقعاً جديداً فرضه المونديال الحالي على قطاع غزة، فلم تعد مباريات كرة القدم هنا مجرد تسلية أو رفاهية لمتابعة نجوم اللعبة، بل تحولت إلى هدنة نفسية موقتة واضطرارية يقتنصها الغزيون من بين واقعهم المثقل بالأزمات المركبة.
غدت الـ90 دقيقة للمباراة بمثابة ملجأ روحي وجدار دفاعي يفصل السكان عن أخبار الفقد وتدمير البنية التحتية والبحث اليومي المضني عن الماء والمأوى، وكانت محاولة جماعية للانفصال عن واقع قسري، والاندماج في سياق عالمي موحد، يتساوى فيه الغزي المحاصر مع أي مشجع آخر في مقاهي باريس، يجمعهم شغف واحد وترقب واحد.
من هذا المنطلق، لم يعد البحث عن شاشة بث أو وسيلة لتشغيل التلفاز مجرد بحث عن مباراة، بل هو معركة يومية يخوضها الغزيون لابتكار جغرافيا بديلة للمشاهدة، وهو ما يتجلى بوضوح في خارطة التجمعات الحالية داخل القطاع.
عقب أعوام كانت تمتلئ فيها الفنادق المطلة على شاطئ البحر، والمقاهي الكبرى بآلاف المشجعين وسط أجواء كرنفالية صاخبة، أحدثت الحرب الدائرة على غزة تبدلاً جذرياً، ففي مخيمات النزوح الممتدة في المناطق الوسطى والجنوبية، تحولت زوايا بعض الخيام المتهالكة أو الباحات الضيقة المحيطة بفصول مدارس الإيواء التابعة للأونروا إلى مقاهٍ موقتة.
تفتقر تلك المقاهي لأدنى مقومات الراحة، لا توجد مقاعد جلدية أو مكيفات هواء، بل حشايا إسفنجية بالية أو رمال يتخذها المشجعون مدرجاً لهم، يروي سالم كيف تحولت خيمته إلى ملتقى للجيران" قمت بوضع شاشة تلفاز قديمة مقاس 14 بوصة نجح أحد الأقارب في إخراجها من تحت الأنقاض، وربطتها ببطارية سيارة صغيرة".
يضيف سالم" في ليلة الافتتاح، لم تتسع الخيمة لعشرات الجيران الذين ضاقت بهم المساحة، التدبير هنا ليس مجرد توفير كهرباء للشاشة، بل هو محاولة بائسة لانتزاع أطفالي من كوابيس القصف، عندما يصرخ طفلي مع هدف المكسيك أشعر أنني في قمة السعادة".
تحاول بعض المقاهي الشعبية تقديم الخدمة لزبائنها، إلا أنها اصطدمت بواقع اقتصادي وتشغيلي معقد، فلم يعد ارتياد المقهى مجرد دفع ثمن كوب من الشاي، بل أصبح مساهمة إجبارية في كلفة تشغيل مستحيلة.
في إحدى هذه الاستراحات الشعبية، يجلس إياد يتابع بشغف المباراة، يقول" المونديال هو نافذتي الوحيدة المتبقية لأشعر أنني لا أزال حياً، هنا في المقهى ووسط صراخ الشباب وتشجيعهم لمنتخباتهم، أنفصل تماماً عن واقعي، أنسى أين سأنام الليلة وأنسى شكل الطائرات في السماء".
إذا كانت المنتخبات الـ48 المشاركة في مونديال 2026 تخوض مبارياتها على عشب الملاعب الحديثة في أميركا والمكسيك وكندا، فإن الغزيين يخوضون خلف الشاشات معركة موازية شديدة التعقيد عنوانها تأمين كيلوواط واحد من الطاقة والتقاط حزمة إنترنت قادرة على تشغيل بضع دقائق من البث المباشر من دون انقطاع.
هذه العوائق التقنية واللوجيستية حولت متابعة البطولة من مجرد ضغطة زر إلى عملية تتطلب كثيراً من الابتكار والمخاطرة، فلم يعد تشغيل شاشة عرض في مقهى شعبي بالأمر الهين، إذ بات يعتمد كلياً على المولدات التجارية الصغيرة التي تستهلك وقوداً شحيحاً ومرتفع الثمن.
يوضح سليم وهو صاحب استراحة شعبية في منطقة المواصي، " سعر ليتر الديزل في السوق السوداء غير مستقر، وتشغيل مولد كهربائي متوسط الحجم لمباراة واحدة تمتد لساعتين يستهلك ما لا يقل عن خمسة ليترات".
ويقول" الاعتماد على الحلول التجارية والبديلة يأتي في وقت تعيش البنية التحتية لقطاع الطاقة حالاً من الشلل شبه التام نتيجة تدمير شبكات التوزيع الرئيسة ومنع تدفق الوقود".
يقول متحدث شركة توزيع الكهرباء محمد ثابت، " الحديث عن تزويد المقاهي بالكهرباء نوع من الرفاهية التي لا نملكها حالياً، البنية التحتية للشبكة مدمرة بنسبة تتجاوز 80 في المئة، وما يتوفر من طاقة عبر المولدات الإغاثية الشحيحة يوجه بالدرجة الأولى وبشكل صارم للمستشفيات ومحطات ضخ المياه ومراكز الإسعاف، أما تأمين الكهرباء لمشاهدة المباريات فبات يعتمد كلياً على المبادرات الذاتية للمواطنين".
ولم تكن معركة التقاط الإشارة الفضائية أو الرقمية أقل ضراوة، فمع الارتفاع الجنوني لأسعار اشتراكات القنوات المشفرة الناقلة للبطولة رسمياً، تحولت الأنظار نحو روابط الإنترنت والبث الرقمي عبر الهواتف المحمولة.
إلا أن هذا الملجأ الأخير يصطدم بشبكة اتصالات متهالكة ومثقلة، وفي هذا السياق، يقول رجب الذي يدير شبكة إنترنت" تدمير أبراج التقوية ومحطات البث الرئيسة أضعف جودة الخدمة بصورة حادة، خلال الـ90 دقيقة للمباراة، نرصد ضغطاً هائلاً غير مسبوق على حزم البيانات".
مبادرات شبابية تلملم الشغفهذا التحول التلقائي نحو المبادرات الفردية يعكس غياباً شبه تام للترتيبات الرسمية أو المؤسساتية الكبرى التي كانت تميز المواسم السابقة، ففي مونديال قطر 2022، جهزت صالات ضخمة مثل صالة" سعد صايل" بغزة بدعم دولي، ووفرت شاشات عملاقة مجانية للمواطنين، أما بعد تدمير المنشآت الرياضية الكبرى وانشغال المؤسسات الدولية بالعمل الإغاثي الطارئ، تراجع حضور هذه الفضاءات الكبرى ليحل محلها جهد شبابي محلي تضامني يحاول لملمة الشغف من بين الأنقاض.
بين الماضي القريب والواقع الحالي، تتضح فداحة الخسارة التي أصابت القطاع الرياضي والمجتمعي في غزة، حيث أدى تدمير البنية التحتية الرياضية بما في ذلك المقار الإدارية والملتقيات الشبابية إلى فرض واقع معقد على المؤسسات الرياضية الرسمية التي وجدت نفسها عاجزة عن تقديم أي خدمات ترفيهية للجماهير.
يقول نائب رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم في قطاع غزة إبراهيم أبو سليم" المنشآت والصالات الرياضية التي كانت تحتضن آلاف المشجعين في البطولات السابقة باتت إما مدمرة بالكامل أو تحولت إلى مراكز إيواء قسرية للنازحين، حاولنا بالتنسيق مع بعض الهيئات الرياضية الدولية والمؤسسات الإغاثية تأمين مشاريع لتجهيز نقاط مشاهدة مركزية ومجانية لهذا المونديال، إلا أن الشواغل الإغاثية الطارئة كالإيواء، والغذاء، والرعاية الطبية، حازت الأولوية القصوى لدى المانحين، مما جعل ملف الترفيه الرياضي يتراجع إلى أدنى السلم".
أمام هذا التراجع المؤسسي، لم يقف الشارع الغزي مكتوف الأيدي، بل تحركت مجموعات من الناشطين الشباب والمتطوعين لسد هذه الفجوة بجهود ذاتية وتبرعات أهلية شحيحة، محاولين إيصال البث إلى أكثر المناطق تهميشاً ونأياً داخل مخيمات النزوح المستحدثة.
سعيد ناشط شبابي يقود مبادرة محلية أطلق عليها اسم فرحة خيمة، يتحدث عن تجربتهم الميدانية" بدأنا بجمع تبرعات بسيطة جداً من المغتربين وأهل الخير عبر منصات التواصل، وتمكنا من شراء ثلاث شاشات عرض متوسطة الحجم مع بطاريات شحن متحركة، نقوم يومياً بنقل هذه الشاشات بين المخيمات العشوائية ونقاط النزوح النائية، هدفنا خلق مساحة آمنة للأطفال واليافعين ليتنفسوا بعيداً من ضغط الحرب".
خلف هذا الإصرار المستميت على ملاحقة تفاصيل الملعب، تكمن دوافع أعمق بكثير من مجرد شغف رياضي عابر، فالانفعال والصراخ والترقب الذي يصاحب مباريات المونديال في غزة، يمثل في جوهره عملية" تفريغ نفسي" واعية واضطرارية، تلجأ إليها الفئات المجتمعية المختلفة كأداة لمقاومة الاحتراق النفسي المتراكم جراء معايشة تفاصيل الحرب اليومية.
يوضح الأخصائي النفسي أحمد القرعان أن" محاولة حصر الاهتمام في زاوية الشاشة والتركيز على مسار كرة قدم يتجاوز حدود الأزمة المباشرة، إذ يوفر فرصة للتحكم في المشاعر ضمن سياق يحمل نتائج واضحة ومتوقعة ربح أو خسارة، على النقيض تماماً من واقعهم الميداني الضبابي والمثقل بالمجهول".
ويضيف" ما نشهده في غزة أثناء مباريات المونديال هو تجسيد حي للآليات الدفاعية النفسية التي يطورها الإنسان غريزياً للبقاء على قيد الحياة تحت وطأة الصدمات المستمرة المركبة، عندما يصرخ الشاب أو الطفل فرحاً بهدف أو حسرة على ضياع فرصة، هو في الحقيقة لا يتفاعل مع المباراة فحسب، بل يفرغ شحنات الخوف والقلق والكبت المتراكم في لا وعيه جراء أصوات الانفجارات ومشاهد الدمار اليومية".
ويتابع القرعان" تتميز كرة القدم بكونها تمنح هؤلاء المشجعين فرصة نادرة للشعور بالسيطرة والعدالة الغائبة في واقعهم، فالقواعد في الملعب واضحة وهناك حَكم وصافرة ونظام، هذا التفريغ الانفعالي الجماعي يعمل بمثابة علاج موقت وصمام أمان يحمي المنظومة النفسية من الانهيار الكامل، ويعيد شحن طاقة الصمود لدى الأفراد لمواجهة الغد".
مع إطلاق الحكم صافرة نهاية كل مباراة، وتلاشي ضوء الشاشات الصغيرة التي تنطفئ بنفاد شحنات البطاريات يعود الغزيون مجدداً إلى واقعهم المثقل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك