بعد مرور أكثر من عام ونصف العام على سقوط نظام بشار الأسد، لا تزال المقابر الجماعية تتكشف، وتكشف معها رفات بشرية مجهولة الهوية لأشخاص قُتلوا بعد إخفائهم قسراً، وآخر هذه المقابر الجماعية المكتشفة واحدة تضم رفات بشرية لأشخاص في مدينة صيدنايا بريف دمشق.
واستجابت الهيئة الوطنية للمفقودين، أمس الجمعة، لبلاغ الأهالي عن الاشتباه بوجود مواقع تحتوي على رفات بشرية في مدينة صيدنايا بريف دمشق.
وأكدت الهيئة في بيان لها، أن" التعامل مع هذه البلاغات يجري ضمن مقاربة إنسانية ومهنية تراعي حق العائلات في معرفة الحقيقة، وبالتنسيق مع الجهات المختصة، بما يسهم في كشف مصير المفقودين والحفاظ على سلامة إجراءات التوثيق والتحقق"، ودعت الأهالي إلى عدم الاقتراب من المواقع المشتبه باحتوائها على رفات بشرية أو مقابر جماعية، وعدم العبث بها، والإبلاغ الفوري عنها عبر القنوات الرسمية لحماية الأدلة وضمان سلامة الإجراءات الفنية والقانونية.
ويتطلع ذوو المفقودين والمعتقلين إلى إجراءات أسرع تتعلق بالكشف عن مصير ضحايا الإخفاء القسري والمعتقلات، إذ أوضح الأربعيني محيي الدين العبد الله، المتحدر من مدينة تدمر شرق حمص، خلال حديثه لـ" العربي الجديد" أن العديد من أصدقائه لا يزال مصيرهم مجهولاً حتى الوقت الحالي، ومنهم الأخوان الشقيقان عمر وخالد شحادة اللذان اعتقلا عام 2012 ولم يُعرف عن مصيرهما شيء.
قائلاً: " نرجو أن تكثف الجهات الحكومية المختصة تحقيقاتها مع السجانين والمتورطين في عمليات الاعتقال والإخفاء القسري لكشف أماكن المقابر الجماعية وأماكن دفن المعتقلين والمختطفين، العوائل اليوم تترقب الكشف عن مصير أبنائها، والاعتماد على بلاغات الأهالي غير كافٍ ويطيل عملية الكشف عن مصير المفقودين".
من جهته، قال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، خلال حديثه لـ" العربي الجديد"، إن المتطلبات المعيارية لتحديد الهوية من وجهة" الشبكة السورية لحقوق الإنسان" تقوم على: " أولاً؛ نحن بحاجة إلى الإطار الجنائي التقني، إذ تمر عملية تحديد هوية الرفات المستخرجة من مقبرة جماعية بثلاث مراحل متتالية تقنياً: المرحلة الأولى: التثبيت الميداني، يقتضي بروتوكول مينيسوتا بشأن التحقيق في الوفيات غير المشروعة (2016)، تأمين الموقع فوراً ومنع التدخل المدني غير المنظم، مع تحديد الإحداثيات الجغرافية الدقيقة، وتوثيق طبقات الدفن فوتوغرافيا على نحو متسلسل قبل أي عملية استخراج".
أما المرحلة الثانية فهي الاستخراج والتحليل الجنائي، وفق ما أوضح عبد الغني، وقال: " يتطلب عمل الفريق الجنائي تكاملاً دقيقاً بين اختصاصات متعددة، تشمل الأنثروبولوجيا الفيزيائية لتحليل الهياكل العظمية، وعلم الآثار الجنائي لإدارة الحفريات الطبقية، والطب الشرعي لتحديد سبب الوفاة، والأنثروبولوجيا الاجتماعية للتواصل مع الأسر ومراعاة السياقَين الديني والثقافي في إعادة الدفن.
وينبغي أن يعمل الفريق تحت إشراف قضائي مباشر، بما يضمن قابلية الأدلة للاستخدام في أي ملاحقة جزائية لاحقة".
والمرحلة الثالثة هي تحليل الحمض النووي والمطابقة، ليوضح عبد الغني: " يعد تحليل الحمض النووي والمطابقة المعيار الذهبي في تحديد الهوية.
وبرأيي تتمثل الإشكالية التشغيلية الكبرى في سورية اليوم في أن مركز تحديد الهوية السوري، الذي أُنشئ في مارس/آذار 2025، يواجه قيوداً حادة، أبرزها وجود مركز DNA وظيفي واحد على مستوى البلاد، ونقص المواد الكيميائية الأولية بسبب العقوبات التي ما زال أثرها ممتداً، وارتفاع تكلفة الفحص إلى نحو 250 دولاراً لكل اختبار، مع حاجة كل رفات إلى ما لا يقل عن 20 اختباراً".
ويضيف أن التوصية الثانية هي: " منظومة البيانات المرجعية، حيث يستلزم تحديد الهوية عبر DNA إنشاء قاعدة بيانات مرجعية لأسر المفقودين تتيح إجراء المطابقة.
ويتطلب ذلك جمع عينات دم من الأسر عبر قنوات مؤمنة، مع ضمان حماية البيانات وسريتها.
ويُستكمل هذا المسار بجمع بيانات ما قبل الوفاة (ante-mortem data)، مثل الوشوم، والعلامات الجسدية المميزة، وسجلات الكسور الطبية، والعلاجات السنية، وصور الأرشيف، وهي معطيات تقلل الاعتماد الكامل على تحليل DNA وتسرّع عملية المطابقة بين عينات الأسر وقاعدة رفات المقابر".
وقال عبد الغني: " ثالثاً: توصيات الشبكة السورية لحقوق الإنسان لتسريع العملية، على صعيد الطوارئ الفورية، تتمثل الأولوية القصوى في تأمين مواقع الاكتشاف الجديدة تأميناً فعلياً لا إعلانياً فحسب.
وتكشف التجربة السورية حتى الآن أن التحذيرات الشفهية لا تكفي من دون وجود جهة تنفيذية ذات صلاحية إلزامية في الموقع.
وعلى صعيد القدرة التقنية، يبرز الاحتياج إلى تمويل دولي مكيّف مع قيود العقوبات، يتيح توفير مواد الفحص الجنائي، وإلى انخراط مؤسّسي من اللجنة الدولية لشؤون المفقودين (ICMP)، التي تمتلك خبرة عميقة في إدارة قواعد بيانات DNA في سياقات ما بعد النزاع.
وعلى صعيد البنية التشريعية، يبقى وجود قانون وطني ينظم التعامل مع المقابر الجماعية، ويحدد اختصاصات الأجهزة القضائية والجنائية بصورة لا تقبل التداخل، ضرورة معلقة".
وأضاف عبد الغني: " على صعيد الأسر، فإنّ الحق في معرفة الحقيقة، المكرّس في المادة 24 من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (2006)، والذي أكدته لجنة الاختفاء القسري مراراً، يوجب إشراك الأسر فعلياً في كل مرحلة، لا الاكتفاء بإبلاغها بالنتائج.
وتثبت النماذج المقارنة، من البوسنة والأرجنتين والعراق، أن مشاركة الأسر في بناء قواعد البيانات تقلّص زمن المطابقة بصورة جوهرية وترفع معدلات تحديد الهوية".
وسبق أن أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين في سورية عن وجود رفات بشرية في السحل بمنطقة القلمون بريف دمشق، سبقها أيضاً العثور على ضحايا في منطقة عش الورور في محافظة دمشق، ومنطقة المزة أيضاً، وسبقها اكتشاف عشرات المواقع التي تضم رفات بشرية في عدة محافظات سورية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك