القدس العربي - “حزب الله” يعلن التصدي لتوغلين إسرائيليين جنوبي لبنان ضمن 19 هجوما العربي الجديد - بوعلام رجل المواعيد الحاسمة.. من التصفيات إلى التألق في كأس العالم الجزيرة نت - هكذا أعادت واشنطن الإيرانيين إلى طاولة المفاوضات CNN بالعربية - "الله أكبر".. تركي آل الشيخ يعلق على تعادل قطر مع سويسرا في كأس العالم قناة التليفزيون العربي - هجمات روسية بالمسيّرات والقنابل تستهدف مناطق أوكرانية ومشاهد تظهر حجم الأضرار فرانس 24 - مونديال 2026: قطر تخطف نقطة تاريخية بهدف قاتل في مرمى سويسرا قناه الحدث - سبب "غريب" وراء ارتداء اللاعبين أحذية وردية في كأس العالم روسيا اليوم - وزير التموين المصري يكشف واقع سعر الخبز بالمنظومة الجديدة قناة الجزيرة مباشر - مصادر طبية: استشهاد 3 فلسطينيين في استهدافات بمسيرات إسرائيلية على مخيم البريج وخان يونس روسيا اليوم - واقعة مرعبة في البرازيل بعد خطأ فظيع.. شابة تفقد حياتها بعد قفزة من ارتفاع 40 مترا (فيديو)
عامة

تحليل اقتصادي: حين يتحول "سعر الصرف المستهدف" إلى أمنية اقتصادية

يافع نيوز
يافع نيوز منذ ساعتين
1

لا يختلف اثنان على أن استقرار سعر الصرف يمثل أحد أهم مفاتيح تخفيف الأزمة المعيشية في اليمن، كما لا يمكن إنكار العلاقة الوثيقة بين انهيار قيمة العملة الوطنية واتساع رقعة الفقر والتضخم وتآكل الدخول الحق...

لا يختلف اثنان على أن استقرار سعر الصرف يمثل أحد أهم مفاتيح تخفيف الأزمة المعيشية في اليمن، كما لا يمكن إنكار العلاقة الوثيقة بين انهيار قيمة العملة الوطنية واتساع رقعة الفقر والتضخم وتآكل الدخول الحقيقية للأسر اليمنية.

ومن هذه الزاوية، فإن الدعوة إلى استعادة قوة الريال اليمني تبدو مطلباً مشروعاً ومفهوماً، بل وضرورياً في ظل التدهور الاقتصادي الذي تعيشه البلاد.

غير أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في تحديد الرقم المستهدف لسعر الصرف، بل في الكيفية والأساليب الواقعية لتحقيقه.

فالحديث عن إعادة سعر صرف الريال اليمني إلى حدود 140 ريالاً مقابل الريال السعودي، كما كان الحال قبل الانقسام النقدي، يبدو أقرب إلى توصيف “النتيجة المرغوبة” منه إلى تقديم برنامج اقتصادي قابل للتطبيق في الظروف الحالية.

ذلك أن سعر الصرف ليس قراراً إدارياً يمكن فرضه بصورة مجردة، بل هو انعكاس مباشر لحجم الاحتياطيات الأجنبية، ومستوى الثقة بالنظام المالي، وقدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي، وطبيعة السياسة النقدية والمالية، ومدى استقرار الدولة ومؤسساتها.

ومن هنا يبرز السؤال الأكثر أهمية: من أين سيأتي البنك المركزي في عدن بالعملة الأجنبية الكافية لفرض هذا السعر والمحافظة عليه؟فإذا لم تتوافر احتياطيات حقيقية ومستدامة من النقد الأجنبي، فإن أي محاولة لفرض سعر صرف منخفض بصورة مصطنعة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها عودة السوق السوداء بقوة أكبر، واتساع فجوة المضاربة، وتهريب العملات الأجنبية، وفقدان الثقة بالنظام المصرفي، واستنزاف ما تبقى من احتياطيات نقدية.

ولعل التجارب الدولية تقدم دروساً مهمة في هذا المجال.

ففي الأرجنتين خلال تسعينيات القرن الماضي نجحت الحكومة في ربط البيزو بالدولار بنسبة واحد إلى واحد، وبدت التجربة في بدايتها نموذجاً للاستقرار النقدي.

غير أن هذا الاستقرار كان يعتمد بدرجة كبيرة على تدفقات رؤوس الأموال والاقتراض الخارجي أكثر من اعتماده على قوة الاقتصاد الحقيقي.

وعندما تراجعت الثقة وتقلصت التدفقات المالية انهار النظام النقدي ودخلت البلاد أزمة عميقة عام 2001، أثبتت أن تثبيت سعر الصرف لا يكفي إذا لم تسنده أسس اقتصادية قوية.

وفي مصر، حاولت السلطات النقدية لسنوات الدفاع عن سعر صرف رسمي أقل من السعر الذي كانت تفرضه قوى السوق.

وكانت النتيجة اتساع السوق الموازية واستنزاف الاحتياطيات الأجنبية وتزايد المضاربات.

ولم يتحقق قدر من الاستقرار النسبي إلا بعد تبني إصلاحات مالية ونقدية أوسع، وإن كانت تلك الإصلاحات قد صاحبتها تكاليف اجتماعية ومعيشية كبيرة.

أما لبنان، فقد قدم مثالاً أكثر وضوحاً على هشاشة الاستقرار النقدي القائم على التدفقات الخارجية.

فقد ظل سعر صرف الليرة ثابتاً لعقود طويلة، لكن هذا الثبات كان يعتمد على استمرار تدفق الأموال إلى القطاع المصرفي أكثر مما يعتمد على قوة الاقتصاد الإنتاجي.

وعندما تراجعت تلك التدفقات انهار النظام المالي وانهارت معه العملة بصورة غير مسبوقة.

وفي زيمبابوي حاولت السلطات مراراً فرض أسعار صرف رسمية لا تعكس الواقع الاقتصادي، إلا أن السوق الموازية كانت تفرض سعراً مختلفاً يعكس حقيقة العرض والطلب ومستوى الثقة بالعملة الوطنية، لينتهي الأمر بواحدة من أسوأ تجارب التضخم والانهيار النقدي في العصر الحديث.

في المقابل، تكشف تجارب أخرى أن استقرار العملة كان نتيجة لإعادة بناء الاقتصاد والدولة، وليس نتيجة لاستهداف رقم معين لسعر الصرف.

فبعد الحرب الأهلية في رواندا، ركزت الحكومة على بناء المؤسسات وتحسين الحوكمة وتعزيز الإيرادات العامة وجذب الاستثمار وتنشيط الصادرات.

كما نجحت فيتنام في دعم استقرار عملتها عبر التحول التدريجي إلى اقتصاد إنتاجي وتصديري قادر على توليد النقد الأجنبي بصورة مستدامة.

والقاسم المشترك بين هذه التجارب جميعاً أن قوة العملة لم تكن نقطة البداية، بل كانت نتيجة لمسار إصلاحي اقتصادي ومؤسسي طويل.

ويزداد المشهد الاقتصادي والسياسي تعقيداً عندما تصبح الدولة أو السلطة القائمة معتمدة بصورة كبيرة على الخارج في تمويل الإنفاق العام أو دعم العملة الوطنية أو تغطية الاحتياجات الأساسية للسكان.

فمثل هذا الاعتماد لا يجعل الاقتصاد هشاً فقط، بل يضع القرار الاقتصادي ذاته تحت تأثير الحسابات السياسية والإقليمية والدولية.

وفي الحالة اليمنية لا يمكن فصل أزمة سعر الصرف عن طبيعة الاعتماد الكبير على الودائع والمنح والمساعدات الإنسانية والتحويلات الخارجية والدعم السياسي والعسكري.

فكل تحسن مؤقت في سعر العملة يصبح مرتبطاً باستمرار التدفقات الخارجية أكثر من ارتباطه بقدرة الاقتصاد المحلي على إنتاج القيمة أو توليد النقد الأجنبي بصورة مستدامة.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ لأن الاقتصادات التي تعتمد بصورة مفرطة على الخارج تفقد تدريجياً قدرتها على بناء سياسات اقتصادية مستقلة، وتصبح أكثر عرضة لتغير أولويات المانحين والتحولات الجيوسياسية والتقلبات الإقليمية.

كما أن الاعتماد المفرط على الدعم الخارجي قد يؤدي إلى تأجيل الإصلاحات الهيكلية الضرورية، لأن التدفقات المالية المؤقتة تمنح النظام الاقتصادي قدرة محدودة على الاستمرار دون معالجة جذور الاختلالات البنيوية المتعلقة بالإنتاج والإيرادات والحوكمة والفساد والانقسام المؤسسي.

ومن هنا، فإن استقرار العملة الوطنية لا يمكن أن يقوم على الدعم الخارجي وحده مهما كان حجمه، لأن أي استقرار لا يستند إلى قاعدة إنتاجية ومؤسسات مستقرة وسيادة اقتصادية فعلية يظل استقراراً هشاً وقابلاً للانهيار عند أول تغير سياسي أو مالي خارجي.

والواقع أن التجارب العالمية، بما فيها تجارب دول عاشت حروباً أو انقسامات نقدية أو أزمات مالية حادة، تؤكد أن استقرار العملة لا يتحقق بالشعارات أو الأمنيات، بل عبر حزمة متكاملة من الشروط، في مقدمتها:توحيد السياسة النقدية فعلياً.

إعادة بناء الثقة بالمؤسسات.

استعادة الموارد السيادية والإيرادات العامة.

تنشيط الصادرات ومصادر النقد الأجنبي.

ضبط الإنفاق العام والحد من التمويل التضخمي.

إنهاء تعدد مراكز الجباية والإنفاق خارج الموازنة.

الحدّ من الهدر الحكومي الذي يتجسَّد في العدد الكبير للسفارات والدبلوماسيين، والكشوفات الوهمية في صفوف القوات المسلحة، وصرفيات “الإعاشة”.

وجود سلطة دولة قادرة على فرض القانون في كامل الجغرافيا الاقتصادية “المتاحة”.

وتبدو المشكلة في الحالة اليمنية تحديداً أكثر تعقيداً، لأن الاقتصاد لا يعاني فقط من أزمة نقدية، بل من انقسام اقتصادي وسيادي شامل، حيث توجد عملياً سلطات نقدية متعددة، ومراكز جباية متنافسة، وسياسات مالية غير موحدة، واقتصاد حرب واسع النفوذ، واعتماد مفرط على التحويلات والمساعدات الخارجية، وتراجع حاد في الإنتاج والصادرات النفطية، فضلاً عما يمثله انتشار التنقيب العشوائي ومصافي التكرير البدائية في حضرموت خارج الإطار المؤسسي للدولة من تحديات اقتصادية وأمنية معقدة.

ولهذا، فإن اختزال الأزمة في “تخفيض سعر الصرف” قد يحمّل السياسة النقدية ما يفوق قدرتها الحقيقية.

كما أن العودة إلى مستويات ما قبل 2015 أو ما قبل 2017 ليست مجرد عملية فنية، لأن الاقتصاد اليمني نفسه تغير بصورة عميقة خلال سنوات الحرب، سواء من حيث البنية الإنتاجية أو حجم الكتلة النقدية أو مستوى الثقة أو طبيعة السوق.

صحيح أن استعادة العمل بالقانون المالي الموحد تمثل خطوة مهمة وضرورية، لكن السؤال يبقى: من هي الجهة القادرة فعلياً على فرض هذا القانون على جميع مراكز النفوذ والإيرادات في ظل الانقسام القائم؟ذلك أن المشكلة اليمنية لم تعد قانونية فقط، بل أصبحت أيضاً مشكلة سيادة وسلطة وقدرة تنفيذية.

الودائع الخارجية: فرصة للإصلاح أم تأجيل للأزمة؟قد يجادل البعض بأن الحصول على وديعة جديدة أو حزمة دعم مالي خارجية كبيرة يمكن أن يعيد الاستقرار إلى سعر الصرف ويخفف الضغوط الاقتصادية الراهنة.

وهذا صحيح جزئياً على المدى القصير، إذ تستطيع الودائع الخارجية تعزيز احتياطيات البنك المركزي، ورفع قدرته على التدخل في سوق الصرف، وتهدئة المضاربات، وتحسين مستوى الثقة مؤقتاً.

غير أن التجارب الاقتصادية، سواء في اليمن أو في دول أخرى، تشير إلى أن الودائع لا تمثل حلاً دائماً بقدر ما تمثل “نافذة زمنية” للإصلاح.

فهي تمنح الاقتصاد فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنها لا تعالج بذاتها أسباب الاختلال الأساسية.

فإذا استُخدمت الوديعة في تمويل الاستهلاك الجاري فقط، أو في تأجيل الإصلاحات الهيكلية، أو في الدفاع عن سعر صرف لا تعضده مقومات اقتصادية حقيقية، فإن أثرها غالباً ما يكون مؤقتاً، لتعود الضغوط النقدية والمالية إلى الظهور بمجرد تراجع التدفقات الخارجية أو استنفاد جزء كبير من الاحتياطيات.

أما إذا استُخدمت باعتبارها أداة انتقالية لإعادة بناء الثقة بالمؤسسات، وتوحيد السياسة النقدية، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتنشيط القطاعات الإنتاجية والصادرات، فإنها قد تتحول إلى نقطة انطلاق نحو استقرار أكثر استدامة.

ومن ثمَّ، فإن السؤال الأهم لا يتمثل في ما إذا كانت هناك وديعة جديدة أم لا، بل في كيفية توظيفها، وهل ستتحول إلى فرصة لبناء اقتصاد أكثر قدرة على الاعتماد على ذاته، أم إلى مجرد وسيلة جديدة لإدارة الأزمة وتأجيل استحقاقات الإصلاح؟فالودائع قد تشتري الوقت، لكنها لا تشتري التنمية، ولا تبني مؤسسات، ولا تخلق اقتصاداً منتجاً، كما أن الودائع قد تؤجل أزمة سعر الصرف، لكنها لا تُنهيها؛ لأن العملات لا تستمد قوتها من الأموال التي تُمنح للاقتصاد، بل من القدرة التي يمتلكها الاقتصاد على إنتاج تلك الأموال بنفسه.

وهذه المهام تبقى مسؤولية السياسات والإصلاحات الوطنية قبل أي شيء آخر.

ومن هنا، فإن أي حديث جاد عن التعافي الاقتصادي ينبغي أن يبدأ من الاعتراف بأن استقرار العملة هو “نتيجة” لإعادة بناء الدولة والمؤسسات، وليس مجرد “قرار” يمكن اتخاذه بمعزل عن بقية الاختلالات البنيوية.

وبالتالي، فإن الأولوية لا تكمن في الإعلان عن رقم مستهدف لسعر الصرف، بل في بناء الشروط الاقتصادية والمؤسسية والسياسية التي تجعل استقرار العملة ممكناً ومستداماً.

وهذا يعيدنا إلى جوهر القضية: فالمشكلة لا تتعلق بسعر الصرف بحدّ ذاته، بقدر ما تتعلق بالبيئة الاقتصادية والمؤسسية والسيادية التي تحدد قيمة العملة واستدامة استقرارها.

فالدول لا تستعيد قوة عملاتها عبر الأمنيات، بل عبر استعادة الثقة والإنتاج والسيادة والمؤسسات.

وعندما تتوافر هذه الشروط يصبح استقرار العملة نتيجة طبيعية، أما قبل ذلك فإن أي سعر صرف مستهدف قد يظل مجرد أمنية اقتصادية أكثر منه واقعاً قابلاً للتحقق.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك