السوسنة – آية الكردي - هذا المقالة قائمة على المنهج التحليلي يروي فيلم" صوت هند رجب" للمخرجة كوثر بن هنية القصة الحقيقية المؤثرة لطفلة الفلسطنية من غزة ذات الأعوام الستة (هند رجب ) التي عِلقت داخل سيارة في غزة بعد تعرّضها لإطلاق النار من قبل الجيش الإسرائيلي بينما تحاول فرق الإسعاف و الهلال الأحمر إبقاءها على الهاتف و إرسال إنقاذ لها ف يركز الفيلم على التجربة النفسية و الإنسانية للأشخاص الين يسمعون استغاثة هند، ولكنهم عاجزين عن إنقاذها و يستند الفيلم إلى مكالمات و تسجيلات صوتية حقيقية و صور الأشخاص المنقذين بوصفها عنصر درامي أساسي في سرد القصةالفيلم يسلط ضوء على هند و أيضاً على الأشخاص المتواجدين في غرفة الإتصالات الذين يسمعون صوتها ويحاولون إنقاذها وسط ظروف شبه مستحيلة و يستمر أحداث الفيلم بانتظار موافقة من جيش الاحتلال لدخول فرق الإنقاذ و مساعدة الطفلة و يتنهي الفيلم عندما بعد طول انتظار يوافق الاحتلال و عند وصول فرق الإنقاذ يتم تفجيرهم مما أدى إلى موتهم مع الطفلة.
تحولت قصة رحيلها إلى رمز لبراءة سُلبت وسط الحرب هو فيلم درامي / دوكيودراما مبني على أحداث حقيقية يمزج الفيلم بين واقعية الوثائقي و دفء السرد الإنساني.
عُرض الفيلم لأول مرة في مهرجان البندقية 2025 حيث حصد تصفيقاً استمر لمدة 23 دقيقة و هو الأطول في تاريخ المهرجان.
مدة الفيلم هي 89 دقيقة و يعد أسلوبه قريب من الدراما الوثائيقية لانه يعتمد و يمزج بين مواد حقيقية كالتسجيلات الصوتية و الصور الحقيقية لفرق الإنقاذ و بين التمثيل وهذا يعطي الفيلم ميزة الأحساس المؤلم جداً بالواقع.
الميزانية الدقيقة للفيلم غير مُعلنة بشكل رسمي حتى يومنا هذا و لكن هو فيلم إنتاج مستقل تم تصويره في تونس خلال فترة قصيرة نسبياً حوالي 3 أسابيع في شهر نوفمبرأواخر 2024، لذلك يرجح أنه من فئة الميزانيات المتوسطة أو المحدودة.
تهدف الصورة بالفيلم إلى خلق إحساس بالعجز و الاختناق و التوتر البصري عن طريق استخدام عناصر اللغة السينمائية مثل: اللقطات القريبة و التي استخدمت بكثرة لإظهار التوتر النفسي، خاصة لوجوه العاملين في غرفة الإتصالات، المساحات المغلقة معظم أحداث الفيلم حصلت أماكن ضيقة مما أعطى شعور بالعجزو الحصار، استخدام الألوان الباهتة والإضاءة الباردة ف نلاحظ بأن الصورة تميل ألى اللون الرمادي البارد لتوحي بالتوتر و الخوف و الضغط النفسي.
فلسفة الأحداث ليس فقط كرواية مأساوية بل كان الفيلم مبني على فكرة أن الصوت يصبح شاهداً ف هند لا تظهر بصرياً بشكل ملحوظ، لكن صوتها يسيطر على الفيلم.
اعتمدت المخرجة ايضاً على فكرة غياب الصورة المباشرة و على فكرة الخيال السمعي ف عقل المشاهد هو من يتخيل الكارثة بنفسه عن طريق الأصوات و هذا بالنسبة لي في كثير من الأحيان يكون أقوى من التعبير بشكل مباشر و يصنع من الأصوات فقط عامل للتوتر النفسي ف الحرب دمرت أعداد هائلة من الأبرياء و لكن الفيلم اختزل كل شيء في طفلة واحدة و صوت واحد لدلالة على أن خلف كل رقم (إنسان ) له صوت و اسم بعد رؤية الفيلم ف كثير من الناس وصفهُ على أنه" مرهق عاطفياً" رغم قلة مشاهد العنف.
أُنتج الفيلم ضمن إنتاج مشترك بين تونس و فرنسا بإخراج و كتابة المخرجة التونسية" كوثر بن هنية" و التي عُرفت بأعمالها التي تجمع بين الطابع الوثائقي و الدرامي.
جاءت فكرة الفيلم بعد انتشار التسجيل الصوتي الحقيقي لطفلة هند رجب أثناء استغاثتها، وهو الأمر الذي دفع المخرجة إلى تحويل الحدث إلى عمل سينمائي يوثق و يخلد المأساة من منظور إنساني.
الإنتاج اعتمد على التعاون بين شركات إنتاج عدة لتقديم عمل إنساني و سياسي في وقت واحد، مع الحفاظ على حساسية المادة الواقعية التي يستند إليها الفيلم.
و من وجهة نظري ساهمت طبيعة الإنتاج المستقل و الفترة القصيرة للتصوير في تعزيز الطابع الواقعي للفيلم ف كان التركيز نحو قوة السرد و الأداء بدلاً من الاعتماد على المؤثرات البصرية وهذا عنصر إيجابي خدم موضوع الفيلم.
تُعد حركة الكاميرا المهيمنة الأساسية في الفيلم حيث اعتمدت حركات كاميرا الغير ثابتة و المحدودة داخل مساحة ضيقة لتعزيز الشعور بالتوتر و العجز و خلق إحساس بالاختناق و الترقب و ساهمت حركة الكاميرا المهتزة و الغير الثابتة في إبراز الانفعالات النفسية للشخصيات وبالنسبة لي اختيار هذا النوع من الحركة جعل المشاهد يرتبك يعيش القلق و العجز ذاته الي مرت به الشخصيات كما أن ساعدت في إضافة البعد الإنساني و النفسي للفيلم.
يقوم مفهوم الفيلم على تحويل تجربة إنسانية واقعية إلى خطاب سينمائي يتمحور حول العجز، الخوف، انتظار الاستغاثة و لا يركز الفيلم على حدث سياسي فقط، بل على التجربة الفردية لطفلة عالقة ما بين الموت و الحياة مما جعل الفيلم قائماً على قوة الصوت و إنسانية الضحية.
كما اعتمد الفيلم على شيفرات بصرية وسمعية و اضحة فالمساحات المغلقة و الإضاءة الخافتة التي تعد رمز للحصار و الخوف و من أهم العلامات الدلالية في الفيلم: الهاتف الذي يرمز للنجاة و الأمل، صوت هند الذي يرمز للبراءة و الاستغاثة.
البناء الدرامي في الفيلم يعتمد على تتطور الأحداث و تصاعدها بدلاً من سردها بطريقة مباشرة و تقليدية صادمة ف يبدأ الفيلم بعرض الأزمة الرئيسية ثم تبدأ الأحداث بتصاعد تزامناً مع تصاعد التوتر و القلق لدى الشخصيات و المشاهد و استمرار محاولات الإنقاذ للطفلة حتى نصل إلى الذروة الدرامية المعتمدة على الانتظار و الخوف من المجهول ثم في النهاية تهدأ الأحداث و الشخصياتو يقل التوتر بعد وصول فرق الإنقاذ للطفلة و تفجريهم مع الطفلة مما أدى إلى موتهم جمعياً و يعم الصمت في أرجاء غرفة الإتصالات وبالنسبة لي ركز البناء الدرامي على الجانب الإنساني و النفسي أكثر من الأحداث الحركية و التعبير المباشر عنها.
من وجهة نظري النقدية نجح الفيلم صوت هند رجب في تقديم تجربة مؤثرة تعتمد على القوة العاطفية و البساطة البصرية أك ثر من الاستعراض التقليدي السينمائي و عرض الأحداث بطريقة مباشرة.
كما أن المزج الهائل بين الواقع و السينما أدى إلى ايصال فكرة الفيلم و التأثير النفسي على المشاهد و هوعمل يوقظ الذاكرة و يمس جوهر الأمل الهش في وجه المأساة و اعتقد أن هذا الفيلم يمكن أن يشير إلى تغيير و يعتبر نداء للتحقيق في المسؤولية و العدالة، لأن إذا لم يكن لدينا المسؤولية و العدالة فلن يكون لدينا سلام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك