المحافظة على القطاعات الوطنية التي تمثل جزءا من تاريخ وهوية البحرينمساهمة القطاعات غير النفطية أصبحت المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي البحرينيمن الإنجازات التي أعتز بها كثيرا تطوير منطقة البحرين العالمية للاستثمار بمدينة سلمان الصناعيةاتفاقية التجارة الحرة بين البحرين وأميركا شكلت محطة مفصلية في تاريخ الاقتصاد البحريني الحديثالبحرين كانت دائما من الداعمين بقوة لمسيرة العمل الخليجي المشتركالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة تشكل العمود الفقري لأي اقتصاد حديث.
والتنمية الاقتصادية تعتمد على التكامل بين القطاعات المختلفةتعلمت من القيادة البحرينية أن التنمية الحقيقية مشروع طويل الأمد يحتاج لرؤية واضحة وصبر ومثابرة واستثمار مستمر في الإنسانتأسيس شركة نفط البحرين الوطنية كان خطوة استراتيجية مهمة لتولي إدارة حقل البحرين والإشراف على تطوير الصناعة النفطية الوطنيةفي تاريخ الأمم، ثمة رجال يمرون عبر المناصب، وآخرون تترك المناصب بصماتها في سيرتهم، أما القلة النادرة، فهم أولئك الذين تتحول مسيرتهم إلى جزء من الذاكرة الوطنية، وإلى فصل من فصول البناء والتنمية لا يمكن قراءته بمعزل عن تاريخ الوطن نفسه.
وضيف هذا الحوار مستشار جلالة الملك المعظم للشؤون الاقتصادية الدكتور حسن بن عبدالله فخرو، واحد من تلك الأسماء التي ارتبطت بمحطات مفصلية في مسيرة البحرين الاقتصادية الحديثة، فمنذ سبعينات القرن الماضي، كان شاهدا على التحولات الكبرى التي شهدتها صناعة النفط في المنطقة، ومشاركا في صناعة العديد من الإنجازات التي أسست لمرحلة جديدة من التنمية الاقتصادية.
وبين حقول النفط ومشروعات الغاز والبتروكيماويات، وبين أروقة الوزارة ومجالس التخطيط الاقتصادي، امتدت رحلة طويلة من العمل الوطني حملت في تفاصيلها الكثير من الرؤى والتحديات والقرارات التي أسهمت في رسم ملامح اقتصاد بحريني أكثر تنوعا وانفتاحا وقدرة على المنافسة.
وعلى مدى أكثر من نصف قرن، لم يكن حضوره مقتصرا على إدارة المؤسسات أو قيادة المشاريع، بل كان جزءا من مرحلة تاريخية انتقلت خلالها البحرين من اقتصاد يعتمد بصورة رئيسة على النفط إلى اقتصاد أكثر تنوعا، يرتكز على الصناعة والخدمات المالية والتجارة والاستثمار والمعرفة.
وهي رحلة لم تُكتب أرقامها في التقارير فقط، بل سُجلت آثارها في حياة الناس، وفي البنية الاقتصادية التي تقوم عليها المملكة اليوم.
وفي الوقت الذي ارتبط اسمه بملفات اقتصادية واستثمارية كبرى، ظل الجانب الإنساني حاضرا في مسيرته من خلال اهتمامه بقضايا الطفولة والتنمية المجتمعية؛ إيمانا منه بأن بناء الاقتصاد لا ينفصل عن بناء الإنسان، وأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من تنمية القدرات البشرية وصناعة الأمل للأجيال المقبلة.
في هذا الحوار، لا نستعرض مجرد محطات وظيفية أو مناصب قيادية، بل نقترب من تجربة وطنية ثرية امتدت عبر عقود من العمل والعطاء، ونفتح صفحات من الذاكرة الاقتصادية للبحرين من خلال أحد أبرز شهودها وصناعها.
نستعيد معه قصص البدايات، ونتوقف عند لحظات التحول الكبرى، ونناقش رؤيته لمستقبل الاقتصاد الوطني في ظل عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، كما نستمع إلى رسائله للأجيال الجديدة التي تستعد لقيادة المرحلة المقبلة، فإلى نص الحوار:سعادة الدكتور، بدأتم مسيرتكم المهنية في صناعة النفط منذ سبعينات القرن الماضي وساهمتم في تأسيس “بنوكو” و”بناغاز” و”شركة الخليج لصناعة البتروكيماويات”، ما هي أكثر اللحظات التي تعتزون بها من تلك المرحلة التأسيسية؟عندما أسترجع تلك المرحلة، أشعر بكثير من الاعتزاز لأنها كانت فترة تأسيس وبناء حقيقي للاقتصاد الوطني الحديث، ففي مطلع السبعينات كانت المنطقة بأسرها تشهد تحولات جوهرية تمثلت في انتقال الدول المنتجة للنفط من دور الشريك المحدود إلى دور القائد والمتحكم في إدارة مواردها الطبيعية.
وكانت البحرين من أوائل الدول التي استوعبت هذه المتغيرات وتحركت للاستفادة منها.
وشهدت فترة السبعينات من القرن الماضي تراجع دور شركات النفط العالمية واستعادة الدول المنتجة لدورها في بسط سيطرتها على ثرواتها النفطية والتحكم في جميع مراحل الصناعة النفطية من الاستكشاف والحفر والإنتاج والتكرير والتسويق.
وكانت البحرين من المبادرين في هذا المجال، ولذلك تأسست شركة نفط البحرين الوطنية لتتولى مسؤولية إدارة حقل البحرين وتسويق المنتجات النفطية محليا، وكذلك البدء في عمليات الاستكشاف في المناطق المغمورة.
ترافقت تلك الفترة بالارتفاع الكبير في أسعار النفط وحاجة الدولة إلى الاستفادة من المصادر النفطية والغازية لدعم مشاريع البنية التحتية ومشاريع التنمية والتطوير آنذاك.
وتأسيس شركة نفط البحرين الوطنية كان خطوة استراتيجية مهمة لتولي إدارة حقل البحرين والإشراف على تطوير الصناعة النفطية الوطنية.
لكن من أكثر المشاريع التي أعتز بها مشروع شركة غاز البحرين الوطنية (بناغاز)، لأنه جسّد مفهوم تحويل التحديات إلى فرص، فالغاز المصاحب للنفط كان يُحرق سنوات طويلة، ما يعني خسارة اقتصادية وتلوثا بيئيا في الوقت نفسه.
وعندما تأسست “بناغاز” استطعنا تحويل هذا المورد إلى منتجات ذات قيمة عالية مثل البروبان والبيوتان والنافثا، وأصبح المشروع خلال فترة قصيرة أحد أهم مصادر العائد الاقتصادي للمملكة.
كما أعتز كثيرا بالمشاركة في تأسيس شركة الخليج لصناعة البتروكيماويات، التي مثلت نموذجا ناجحا للتعاون الخليجي المشترك قبل أن يصبح هذا النوع من الشراكات أمرا شائعا، فقد تمكنا من استغلال الغاز الطبيعي لإنتاج الأمونيا والميثانول ثم اليوريا، بما وفر قيمة مضافة كبيرة للاقتصاد الوطني.
لكن إذا طلب مني اختيار الإنجاز الأقرب إلى قلبي، فسأقول إنه الاستثمار في المواطن البحريني، فقد أدركنا منذ البداية أن المصانع والمنشآت لا تنجح دون كوادر وطنية مؤهلة، لذلك أطلقنا برامج ابتعاث واسعة إلى الجامعات العالمية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وأنشأنا برامج تدريب متخصصة، ونجحنا خلال فترة وجيزة في الوصول إلى نسب بحرنة قاربت 90 % في بعض المشاريع.
واليوم عندما أرى كثيرا من أولئك الشباب وقد أصبحوا قادة ومسؤولين في مختلف القطاعات، أشعر بأن هذا الإنجاز هو الأكثر استدامة والأكثر فخرا.
عملتم في مواقع قيادية متعددة عبر عقود من الزمن، من القطاع النفطي إلى وزارة الصناعة والتجارة، ثم مستشارا لجلالة الملك المعظم للشؤون الاقتصادية، كيف أثرى هذا التنوع رؤيتكم للاقتصاد الوطني؟أعدّ نفسي محظوظا لأنني عاصرت الاقتصاد البحريني من زوايا متعددة وفي مراحل مختلفة من تطوره، ففي القطاع النفطي أدركت أهمية الإدارة الرشيدة للموارد الطبيعية وأهمية التخطيط طويل المدى.
وعندما انتقلت إلى العمل الحكومي في وزارة الصناعة ثم الصناعة والتجارة أصبحت أكثر قربا من احتياجات القطاع الخاص والمستثمرين ورواد الأعمال.
هذه التجارب أوضحت لي أن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تقوم على قطاع واحد مهما كانت أهميته، بل تعتمد على التكامل بين القطاعات المختلفة، فالنفط كان ولا يزال موردا مهما، لكنه كان أيضا أداة لبناء قطاعات جديدة في الصناعة والخدمات والتعليم والبنية التحتية.
أما تعييني مستشارا لجلالة الملك المعظم للشؤون الاقتصادية، فشرف عظيم أن أنال هذه الثقة الملكية السامية، ومن خلالها أتيحت لي فرصة النظر إلى الصورة الكلية للاقتصاد الوطني وربط التحديات المحلية بالمتغيرات الإقليمية والعالمية.
ولذلك أومن بأن قوة البحرين تكمن في قدرتها المستمرة على التكيف مع المتغيرات، وفي امتلاكها رأسمال بشريا مؤهلا قادرا على مواكبة التحولات الاقتصادية العالمية.
كيف تصفون التحول الذي شهدته البحرين من اقتصاد يعتمد بشكل رئيس على النفط إلى اقتصاد متنوع ومنفتح؟ وأين ترون البحرين اليوم في هذه الرحلة؟إذا نظرنا إلى البحرين قبل خمسين عاما وقارناها بما هي عليه اليوم، فسنجد أن التحول كان عميقا وشاملا.
في البدايات كان النفط يمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، لكن القيادة البحرينية أدركت مبكرا أن الاعتماد على مورد واحد لا يكفي لضمان الاستدامة.
ومن هنا بدأت رحلة التنويع الاقتصادي التي شملت تطوير الصناعات التحويلية، وتوسعة قطاع الخدمات المالية، والاستثمار في السياحة، وإنشاء المناطق الصناعية، وتطوير قطاع الاتصالات والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية.
واليوم أصبحت البحرين تمتلك اقتصادا أكثر تنوعا وانفتاحا وقدرة على المنافسة، فعلى الرغم من أهمية النفط، إلا أن مساهمة القطاعات غير النفطية أصبحت المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي.
كما أن المملكة نجحت في ترسيخ مكانتها كمركز مالي ومصرفي إقليمي، وكوجهة جاذبة للاستثمار بفضل بيئتها التشريعية المتطورة وانفتاحها الاقتصادي.
وأعتقد بأن البحرين اليوم ليست في نهاية رحلة التنويع الاقتصادي، بل في مرحلة جديدة منها، عنوانها الاقتصاد الرقمي، والابتكار، والتقنيات المتقدمة، والاقتصاد المعرفي.
عملتم مع أجيال متعاقبة من القيادة البحرينية، ما الذي تعلمتموه من هذه المسيرة الطويلة؟ وما الرسالة التي تودّون نقلها للجيل الجديد من الكوادر الوطنية؟تعلمت من القيادة البحرينية أن التنمية الحقيقية هي مشروع طويل الأمد يحتاج إلى رؤية واضحة وصبر ومثابرة واستثمار مستمر في الإنسان.
كما تعلمت أن النجاح لا يتحقق بالقرارات وحدها، وإنما من خلال بناء المؤسسات وتطوير الكفاءات الوطنية وإشراك المجتمع في عملية التنمية.
لقد حظيت البحرين بقياده رشيدة آمنت دائما بأهمية التعليم والانفتاح الاقتصادي والتطوير المستمر، وهو ما انعكس على مسيرة المملكة في مختلف المجالات.
أما رسالتي للشباب البحريني فهي أن المستقبل يحمل فرصا كبيرة، لكنه يتطلب أيضا استعدادا وجهدا ومواكبة للمتغيرات.
أنصحهم بالاستثمار في العلم والتكنولوجيا والمهارات الحديثة، وعدم الخوف من المنافسة أو خوض مجالات جديدة، فالعالم اليوم يتغير بسرعة، والفرص ستكون دائما من نصيب من يمتلك المعرفة والقدرة على الابتكار والعمل الجاد.
مرحلة وزارة الصناعة والتجارةتوليتم حقيبة الصناعة والتجارة بالعام 2002، وهي مرحلة شهدت تحولات جوهرية في الاقتصاد البحريني.
ما أبرز الإنجازات التي تعتزون بها من فترة عملكم وزيرا؟عندما توليت مسؤولية وزارة الصناعة في العام 2002، كان الدافع الأساسي يتمثل في تهيئة بيئة اقتصادية وصناعية قادرة على مواكبة المتغيرات العالمية واستقطاب الاستثمارات النوعية التي تساهم في تنويع الاقتصاد الوطني وخلق فرص العمل للمواطنين.
من هذا المنطلق، عملنا على مراجعة وتطوير التشريعات والقوانين المنظمة للقطاع الصناعي بهدف تعزيز التنافسية وتحسين مناخ الاستثمار، إلى جانب التركيز على تطوير البنية التحتية الصناعية باعتبارها أحد أهم عناصر الجذب للمستثمرين.
ومن الإنجازات التي أعتز بها كثيرا تطوير منطقة البحرين العالمية للاستثمار في مدينة سلمان الصناعية، التي أصبحت إحدى الركائز الأساسية لاستقطاب الاستثمارات الصناعية الأجنبية والمحلية.
وقد استفادت المنطقة من موقعها الاستراتيجي بالقرب من ميناء خليفة بن سلمان والمنافذ البرية المؤدية إلى جسر الملك فهد ومطار البحرين الدولي، ما منحها ميزة لوجستية مهمة.
ولضمان نجاح المشروع استعنّا بالخبرات الدولية من خلال التعاون مع الهيئة الأيرلندية للتنمية، التي ساهمت في وضع أسس الإدارة الحديثة للمنطقة وتدريب كوادر بحرينية أصبحت اليوم تدير المنطقة بكفاءة عالية.
كما أعتز بالعمل على تطوير الخدمات الحكومية المقدمة للقطاع الخاص، إذ حرصنا على تيسير الإجراءات وتقليص المدد الزمنية اللازمة لإنجاز المعاملات المختلفة، سواء فيما يتعلق بالسجلات التجارية أو خدمات فحص الذهب واللؤلؤ وغيرها من الخدمات الحيوية؛ إيمانا منا بأن كفاءة الخدمات الحكومية عنصر أساسي في تحسين بيئة الأعمال.
ومن المبادرات التي أرى أنها كانت ذات بعد استراتيجي، تأسيس إدارة متخصصة للصناعات المعرفية، انطلاقا من قناعة مبكرة بأهمية الاقتصاد المبني على المعرفة والتكنولوجيا في تشكيل مستقبل التنمية الاقتصادية.
خلال فترتكم وزيرا، عُقدت اتفاقية التجارة الحرة بين البحرين والولايات المتحدة، وهي اتفاقية تاريخية.
كيف تصفون كواليس هذا الإنجاز وأثره الذي امتد حتى اليوم؟لا شك في أن اتفاقية التجارة الحرة بين مملكة البحرين والولايات المتحدة الأميركية شكلت محطة مفصلية في تاريخ الاقتصاد البحريني الحديث، فقد جاءت نتيجة جهود وطنية متكاملة شاركت فيها العديد من الجهات الحكومية والاقتصادية، واستندت إلى رؤية واضحة تهدف إلى تعزيز اندماج البحرين في الاقتصاد العالمي.
لقد تطلبت المفاوضات عملا فنيا وقانونيا واقتصاديا مكثفا لضمان تحقيق المصالح الوطنية وتعزيز قدرة الاقتصاد البحريني على الاستفادة من الفرص التي توفرها الاتفاقية.
وكانت البحرين أول دولة خليجية تبرم مثل هذه الاتفاقية مع الولايات المتحدة، وهو ما عكس مستوى الثقة الدولية بالاقتصاد البحريني وبالإصلاحات الاقتصادية التي شهدتها المملكة.
أما على مستوى الأثر، فقد أسهمت الاتفاقية في تعزيز جاذبية البحرين كمركز إقليمي للاستثمار والتصدير، إذ بات بإمكان العديد من الشركات الوصول إلى السوق الأميركية من خلال قاعدة إنتاجية في البحرين.
كما ساعدت الاتفاقية في رفع مستوى التنافسية وتحفيز تطوير العديد من القطاعات الاقتصادية، وأسهمت في تعزيز مكانة المملكة على خريطة التجارة الدولية.
ومن وجهة نظري، فإن القيمة الحقيقية للاتفاقية لم تكن فقط في المزايا التجارية المباشرة، بل في الرسالة التي بعثتها إلى العالم بأن البحرين اقتصاد منفتح ومهيأ للتعامل مع أعلى المعايير الدولية في التجارة والاستثمار.
كيف تنظرون إلى التطور الذي طرأ على بيئة الأعمال في البحرين منذ توليكم وزارة الصناعة والتجارة حتى الآن؟إذا قارنا بيئة الأعمال اليوم بما كانت عليه قبل أكثر من عقدين، سنجد أن البحرين حققت تطورا كبيرا على مختلف المستويات، فقد شهدت المملكة تحديثا مستمرا للتشريعات الاقتصادية والتجارية، وتوسعا في الخدمات الإلكترونية، وتطورا ملحوظا في البنية التحتية والمرافق اللوجستية.
خلال فترة عملي في الوزارة، كان الهدف الأساسي هو جعل البحرين بيئة جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي، ولذلك ركزنا على تسهيل الإجراءات، وتعزيز الشفافية، وتطوير القوانين المنظمة للنشاط الاقتصادي.
كما حرصنا على بناء جسور التعاون مع مختلف دول العالم من خلال الوفود الاقتصادية والاتفاقيات الثنائية والشراكات مع المؤسسات الاقتصادية الدولية.
وأتذكر أن منصة “استثمر في البحرين” التي أطلقت في تلك الفترة كانت خطوة مهمة لتسويق الفرص الاستثمارية المتاحة في المملكة وتعريف المستثمرين بمزاياها التنافسية، وقد أصبحت لاحقا إحدى الأدوات الرئيسة في جهود جذب الاستثمارات.
كما لعبت المعارض والمؤتمرات الاقتصادية المتخصصة دورا مهما في استقطاب المستثمرين وتعزيز التواصل بين القطاع الخاص البحريني ونظرائه في مختلف دول العالم، وأسهمت في إبرام العديد من الشراكات والصفقات التجارية والصناعية.
واليوم أرى أن البحرين تمتلك منظومة أعمال أكثر تطورا ومرونة، مدعومة ببنية تشريعية حديثة واقتصاد منفتح وقدرة مستمرة على التكيف مع المتغيرات العالمية.
لقد أوليتم اهتماما خاصا خلال فترة توليكم الوزارة بقطاعات تراثية مثل الذهب واللؤلؤ والمجوهرات.
ما الذي يعنيه لكم الحفاظ على هذه الصناعات العريقة في ظل اقتصاد عالمي متغير؟لطالما كنت أومن بأن التنمية الاقتصادية لا تعني فقط استحداث قطاعات جديدة، بل تشمل أيضا المحافظة على القطاعات الوطنية التي تمثل جزءا من تاريخ وهوية البحرين.
فاللؤلؤ الطبيعي البحريني ليس مجرد منتج اقتصادي، بل هو إرث حضاري ارتبط بتاريخ البحرين لعشرات الأجيال وأسهم في تشكيل ملامح المجتمع البحريني قبل اكتشاف النفط.
وكذلك الحال بالنسبة لصناعة الذهب البحريني والمجوهرات التي اكتسبت سمعة راسخة على مستوى المنطقة.
ومن هذا المنطلق حرصنا على تطوير الخدمات المرتبطة بهذه القطاعات، وتحسين إجراءات الفحص والتوثيق والرقابة، بما يحافظ على جودة المنتجات ويعزز ثقة المستهلكين والمستثمرين.
كما سعينا إلى تحقيق التوازن بين المحافظة على الأصالة والتراث من جهة، ومواكبة المعايير والتقنيات الحديثة من جهة أخرى.
وأعتقد بأن نجاح أي اقتصاد حديث لا يقاس فقط بقدرته على دخول القطاعات الجديدة، وإنما أيضا بقدرته على الحفاظ على عناصر تميزه التاريخية والثقافية وتحويلها إلى قيمة اقتصادية مستدامة للأجيال المقبلة.
مملكة البحرين تتمتع بسمعة إقليمية متميزة كبيئة جاذبة للاستثمار.
برأي سعادتكم، ما هي أبرز المقومات التي تعزز هذه المكانة؟ وكيف يمكن البناء عليها مستقبلا؟إن السمعة الاستثمارية التي تتمتع بها مملكة البحرين اليوم لم تأتِ من فراغ، بل هي حصيلة عقود من العمل المتواصل على بناء اقتصاد منفتح ومرن وقادر على التكيف مع المتغيرات العالمية.
ومن وجهة نظري، تتمثل أبرز مقومات الجذب الاستثماري في عوامل متكاملة عدة، أولها الموقع الاستراتيجي للمملكة في قلب الخليج العربي، وثانيها البنية التشريعية المتطورة التي توفر بيئة أعمال منفتحة وشفافة، وثالثها الكفاءات الوطنية المؤهلة التي أثبتت قدرتها على المنافسة في مختلف القطاعات.
كما تتمتع البحرين ببنية تحتية متقدمة تشمل الموانئ والمطار وشبكات الاتصالات والمناطق الاقتصادية المتخصصة، إضافة إلى اتفاقيات التجارة الدولية التي تمنح المستثمرين مزايا تنافسية مهمة للوصول إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.
لكن المحافظة على هذه المكانة تتطلب مواصلة تطوير التشريعات، والاستثمار في التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، وتعزيز الابتكار، ورفع كفاءة رأس المال البشري، لأن المنافسة العالمية اليوم أصبحت تعتمد بشكل متزايد على المعرفة والقدرة على الابتكار أكثر من اعتمادها على الموارد التقليدية.
وأعتقد بأن البحرين تمتلك المقومات اللازمة للاستمرار كوجهة استثمارية رائدة إذا واصلت البناء على ما تحقق خلال العقود الماضية.
ما هي القطاعات الواعدة التي ترون أنها ستشكّل محرّكات النمو الرئيسة للاقتصاد البحريني في السنوات المقبلة؟شهد الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة تفرض على الدول إعادة تقييم أولوياتها الاقتصادية باستمرار، والبحرين ليست بمعزل عن هذه المتغيرات.
وأرى أن هناك مجموعة من القطاعات التي ستلعب دورا محوريا في دعم النمو الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة، يأتي في مقدمتها الاقتصاد الرقمي وتقنيات المعلومات والاتصالات والذكاء الاصطناعي، وهي مجالات أصبحت تمثل جزءا أساسيا من الاقتصاد العالمي الجديد.
كما أتوقع استمرار نمو قطاع الخدمات المالية، خصوصا في مجالات التكنولوجيا المالية، إذ استطاعت البحرين أن ترسخ مكانتها كمركز إقليمي متقدم في هذا المجال.
كذلك ستظل الخدمات اللوجستية والنقل وسلاسل الإمداد من القطاعات الواعدة، مستفيدة من الموقع الجغرافي للمملكة وتطور بنيتها التحتية.
أما القطاع الصناعي، فأعتقد بأن مستقبله سيكون أكثر ارتباطا بالصناعات المتقدمة والصناعات القائمة على المعرفة والتكنولوجيا، إلى جانب استمرار أهمية الصناعات التحويلية والبتروكيماوية.
كما أن الطاقة المتجددة والاقتصاد الأخضر سيفرضان نفسيهما كجزء أساسي من مستقبل التنمية الاقتصادية، ليس فقط في البحرين بل على مستوى العالم أجمع.
وفي النهاية، أرى أن العنصر الحاسم في نجاح أي قطاع مستقبلي سيبقى هو الإنسان البحريني وقدرته على اكتساب المهارات الجديدة ومواكبة التطورات التقنية المتسارعة.
كيف ترون موقع رؤية البحرين الاقتصادية 2030 في رسم ملامح المستقبل؟ وأين وصلت المملكة في تحقيق أهدافها؟تمثل رؤية البحرين الاقتصادية 2030 إحدى أهم المحطات الاستراتيجية في مسيرة التنمية الحديثة لمملكة البحرين، إذ صدقها حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، حفظه الله، في أكتوبر 2008، لتشكل إطارا وطنيا شاملا يحدد ملامح التطوير الاقتصادي ويعكس التزام المملكة برفع مستوى المعيشة وتعزيز جودة الحياة لجميع المواطنين.
وانطلقت الرؤية من خلال مجلس التنمية الاقتصادية برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، الذي قاد عملية صياغتها بوصفها خطة عمل متكاملة تهدف إلى بناء اقتصاد تنافسي عالمي، يضع الإنسان البحريني في قلب العملية التنموية باعتباره الهدف والوسيلة في آن واحد.
وقد جاءت هذه الرؤية ثمرة إدراك مبكر لأهمية الانتقال إلى نموذج اقتصادي أكثر استدامة وتنوعا، يقوم على تعزيز الإنتاجية، ودعم القطاع الخاص، ورفع كفاءة استخدام الموارد، بما يحقق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.
وخلال الفترة الماضية، انعكست مبادئ هذه الرؤية بشكل واضح على مسار التطوير في المملكة، سواء من خلال تحديث التشريعات الاقتصادية، أو تطوير بيئة الأعمال، أو تعزيز الانفتاح الاستثماري، أو دعم التحول نحو الاقتصاد المعرفي والرقمي، إلى جانب رفع كفاءة القطاع العام وتعزيز دور القطاع الخاص كشريك رئيس في التنمية.
أما على مستوى التقدم في تحقيق الأهداف، فيمكن القول إن مملكة البحرين قطعت شوطا مهما في ترجمة مضامين الرؤية إلى سياسات ومبادرات واقعية، مع استمرار العمل على استكمال مسارات التطوير بما يتماشى مع المتغيرات العالمية المتسارعة.
وفي المحصلة، فإن رؤية 2030 لم تكن مجرد وثيقة تخطيط اقتصادي، بل أصبحت نهجا وطنيا مستداما لترسيخ التنمية الشاملة، وبناء اقتصاد أكثر تنوعا ومرونة وقدرة على المنافسة، بما يعزز مكانة مملكة البحرين ويضمن مستقبلا أفضل للأجيال المقبلة.
المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمالأبديتم اهتماما واضحا بدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال.
ما الذي يميز التجربة البحرينية في هذا المجال على المستوى الإقليمي؟أومن بأن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تشكل العمود الفقري لأي اقتصاد حديث، فهي ليست مجرد منشآت اقتصادية صغيرة الحجم، بل تمثل مصدرا رئيسا للابتكار وخلق فرص العمل وتنويع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني.
ومنذ سنوات طويلة، أدركت مملكة البحرين أهمية هذا القطاع، ولذلك حرصت على توفير البيئة المناسبة لنموه وتطوره من خلال التشريعات الداعمة، وتسهيل إجراءات تأسيس الأعمال، وتوفير برامج التمويل والتدريب والاستشارات، إضافة إلى تشجيع ثقافة المبادرة والعمل الحر بين الشباب.
وما يميز التجربة البحرينية هو أنها بدأت مبكرا نسبيا مقارنة بالعديد من التجارب الإقليمية، مستفيدة من طبيعة الاقتصاد البحريني القائم على الانفتاح ودور القطاع الخاص.
وقد ساهم هذا التوجه في ظهور أعداد كبيرة من المؤسسات الوطنية التي بدأت كمشروعات صغيرة ثم تحولت مع مرور الوقت إلى شركات ناجحة ومؤثرة في السوق المحلية والإقليمية.
كما أن البحرين تميزت بقدرتها على خلق شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص، إذ لم يقتصر الدعم على التمويل فقط، بل شمل تطوير الأنظمة والتشريعات وتحسين بيئة الأعمال وتوفير الحاضنات والبرامج التدريبية التي تساعد رواد الأعمال على تحويل أفكارهم إلى مشاريع قابلة للنمو والاستدامة.
واليوم، ومع التحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي، أصبحت المؤسسات الصغيرة والمتوسطة أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنها الأكثر قدرة على الابتكار والاستجابة للمتغيرات واستثمار الفرص الجديدة التي تتيحها التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.
كيف تقيّمون دور الشباب البحريني في رسم ملامح الاقتصاد الجديد؟ وما النصيحة التي توجهونها لرواد الأعمال الناشئين؟أنا متفائل جدا بالشباب البحريني، ليس فقط لما يمتلكه من تعليم ومعرفة، وإنما لما أراه من طموح وقدرة على التكيف مع المتغيرات العالمية المتسارعة.
لقد شهدت خلال مسيرتي المهنية أجيالا مختلفة من الشباب البحريني، وفي كل مرحلة كان أبناء البحرين يثبتون قدرتهم على تحمل المسؤولية والنجاح في مختلف المجالات.
وقد رأينا ذلك في قطاع النفط والصناعة والخدمات المالية والاتصالات والتكنولوجيا وغيرها من القطاعات التي يقودها اليوم العديد من الكفاءات الوطنية المتميزة.
والاقتصاد الجديد الذي يتشكل اليوم يعتمد بدرجة كبيرة على المعرفة والابتكار والتكنولوجيا والقدرة على التفكير خارج الأطر التقليدية، وهي مجالات يمتلك الشباب فيها أفضلية كبيرة بحكم قربهم من التقنيات الحديثة وسرعة تفاعلهم معها.
أما نصيحتي لرواد الأعمال الناشئين فهي أن يركزوا أولا على بناء المعرفة والخبرة قبل البحث عن الأرباح السريعة، وأن يدركوا أن النجاح في عالم الأعمال هو رحلة تتطلب الصبر والمثابرة والتعلم المستمر.
كما أنصحهم بدراسة احتياجات السوق بعناية، والاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وعدم التردد في دخول مجالات جديدة وغير تقليدية، فالمستقبل سيكون لمن يستطيع تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
وفي الوقت نفسه، أؤكد دائما أهمية الالتزام بأخلاقيات العمل والنزاهة والمهنية، لأن النجاح المستدام لا يقوم فقط على الأفكار الجيدة، بل يقوم أيضا على الثقة والمصداقية والقدرة على بناء علاقات طويلة الأمد مع العملاء والشركاء.
وأقول للشباب البحريني إن البحرين وفرت اليوم من الفرص والإمكانات ما لم يكن متاحا للأجيال السابقة، وعليهم أن يستثمروا هذه الفرص بالعلم والاجتهاد والإبداع، لأنهم سيكونون قادة الاقتصاد البحريني في المستقبل.
العلاقات الاقتصادية الدوليةساهمتم في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين البحرين والعديد من دول العالم.
ما هي أبرز الفرص الاستثمارية التي ترون أن البحرين تقدّمها للمستثمرين العالميين اليوم؟على مدى العقود الماضية، حرصت مملكة البحرين على بناء شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والتجارية مع مختلف دول العالم، انطلاقا من قناعة راسخة بأن الانفتاح الاقتصادي والتعاون الدولي يعدّان من أهم محركات النمو والتنمية.
واليوم تتمتع البحرين بمجموعة من المزايا التنافسية التي تجعلها وجهة جاذبة للمستثمرين من مختلف أنحاء العالم، فالمملكة تمتلك اقتصادا منفتحا، وتشريعات حديثة، وبيئة أعمال مرنة، وبنية تحتية متطورة، إضافة إلى موقع استراتيجي يربط بين أسواق الخليج العربي والأسواق العالمية.
ومن أبرز الفرص الاستثمارية التي أراها واعدة في المرحلة الحالية قطاعات الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية، إذ استطاعت البحرين أن ترسخ مكانتها كمركز مالي إقليمي يمتلك خبرات متراكمة تمتد عقودا طويلة.
كما أرى فرصا كبيرة في قطاع الخدمات اللوجستية والنقل وسلاسل الإمداد، خصوصا في ظل التطور المستمر الذي شهدته البنية التحتية للمملكة، بما في ذلك الموانئ والمطار والمناطق الاقتصادية المتخصصة.
كذلك فإن الصناعات التحويلية والصناعات القائمة على المعرفة والتكنولوجيا تمثل مجالات واعدة للاستثمار، إلى جانب قطاع السياحة الذي يمتلك إمكانات كبيرة بفضل ما تتمتع به البحرين من مقومات تاريخية وثقافية وحضارية.
كما أن التحولات العالمية نحو الاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة تفتح آفاقا جديدة أمام المستثمرين في البحرين، خصوصا مع توافر الإرادة الوطنية لتطوير هذه القطاعات وتعزيز مساهمتها في الاقتصاد.
وفي تقديري، إن أهم ما يبحث عنه المستثمر اليوم هو الاستقرار والوضوح وسهولة ممارسة الأعمال، وهي عناصر حرصت البحرين على ترسيخها على مدى سنوات طويلة؛ الأمر الذي عزز مكانتها كمركز إقليمي للأعمال والاستثمار.
كيف تنظرون إلى التكامل الاقتصادي الخليجي وآفاق تطويره؟ وما الدور الذي تلعبه البحرين في هذا الإطار؟منذ تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية، كان التكامل الاقتصادي أحد الأهداف الاستراتيجية الرئيسة التي سعت إليها دول المجلس؛ انطلاقا من الروابط التاريخية والاجتماعية والاقتصادية التي تجمع شعوب المنطقة.
وخلال العقود الماضية، تحقق الكثير من الإنجازات المهمة في هذا المجال، سواء من خلال الاتحاد الجمركي، أو السوق الخليجية المشتركة، أو تسهيل حركة السلع ورؤوس الأموال والاستثمارات بين دول المجلس.
وقد ساهمت هذه الخطوات في تعزيز الترابط الاقتصادي وخلق فرص أكبر للقطاع الخاص الخليجي.
لكنني أعتقد بأن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال إلى مستويات أعمق من التكامل، خصوصا في ظل التحديات الاقتصادية العالمية والمتغيرات التكنولوجية المتسارعة، فهناك فرص كبيرة لتعزيز التعاون في مجالات الأمن الغذائي، والطاقة، والصناعات المتقدمة، والاقتصاد الرقمي، والبحث العلمي، والذكاء الاصطناعي، والخدمات اللوجستية.
أما البحرين، فقد كانت دائما من الداعمين بقوة لمسيرة العمل الخليجي المشترك، وساهمت عبر مختلف اللجان والهيئات التابعة لمجلس التعاون في دفع العديد من المبادرات الاقتصادية والتجارية والصناعية.
كما أن التجربة البحرينية القائمة على الانفتاح الاقتصادي والتشريعات المرنة جعلتها شريكا فاعلا في جهود التكامل الخليجي.
وأرى أن المستقبل يحمل فرصا كبيرة لدول المجلس إذا نجحت في تعزيز التكامل الاقتصادي وتحويل السوق الخليجية إلى منظومة اقتصادية أكثر ترابطا وتنافسية على المستوى العالمي.
وفي نهاية المطاف، فإن ما يجمع دول الخليج من مصالح مشتركة وتاريخ واحد ورؤية متقاربة للمستقبل يشكل أساسا متينا لمواصلة البناء على ما تحقق، وتحقيق مستويات أعلى من التعاون والتكامل الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.
الجانب الإنساني والاجتماعيتترأسون “الجمعية البحرينية لتنمية الطفولة”، وهذا يعكس بُعدا إنسانيا مهمّا في شخصيتكم.
ما الذي يحرّككم للعمل في هذا المجال؟ وما أبرز الإنجازات التي تعتزون بها؟أومن بأن الاستثمار الحقيقي في أي مجتمع يبدأ من الإنسان، وأن مرحلة الطفولة تمثل الأساس الذي تُبنى عليه شخصية الفرد وقدرته على الإسهام في نهضة وطنه مستقبلا.
ومن هذا المنطلق جاءت مشاركتي مع نخبة من المثقفين والمهتمين بالشأن الاجتماعي في تأسيس الجمعية البحرينية لتنمية الطفولة بالعام 1991؛ إيمانا منا بأهمية دعم الطفل البحريني وتوفير البيئة المناسبة لنموه وتطوره وحماية حقوقه.
لقد انطلقت الجمعية منذ تأسيسها من رؤية واضحة تقوم على تنمية الطفولة في مختلف جوانبها التربوية والاجتماعية والثقافية، والاهتمام بالأطفال من ذوي الفئات الخاصة، ورعاية الموهوبين، وتعزيز ثقافة الطفل، والمساهمة في تطوير التشريعات التي تكفل حماية حقوقه، إلى جانب الاهتمام بمرحلة ما قبل المدرسة ومختلف القضايا المرتبطة بمستقبل الطفولة في البحرين.
وما يحفزني للاستمرار في هذا العمل طوال أكثر من ثلاثة عقود هو القناعة الراسخة بأن بناء الأوطان لا يقتصر على التنمية الاقتصادية فقط، بل يتطلب أيضا الاستثمار في الأجيال المقبلة وتنمية قدراتها وتمكينها من مواجهة تحديات المستقبل.
وقد حظيت الجمعية طوال مسيرتها بدعم واهتمام كبيرين من القيادة الحكيمة، التي أولت الطفل البحريني والأسرة البحرينية أهمية خاصة باعتبارهما أساس التنمية وثروة الوطن الحقيقية.
أما على صعيد الإنجازات، فأعتقد بأن أبرز ما نفخر به هو نجاح الجمعية في تحويل أهدافها إلى برامج ومؤسسات ومبادرات ملموسة تركت أثرا حقيقيا في المجتمع البحريني.
ويأتي في مقدمة هذه الإنجازات تأسيس مركز الأمير سلطان بن عبدالعزيز لتنمية السمع والنطق بالعام 1994، الذي أصبح من المؤسسات الرائدة في مجال تأهيل الأطفال ذوي الإعاقات السمعية واضطرابات النطق واللغة.
وقد استفاد من خدمات المركز على مدى العقود الماضية آلاف الأطفال، وتمكن عدد كبير منهم من الاندماج في المدارس الحكومية ومواصلة تعليمهم الجامعي بنجاح، وهو إنجاز إنساني نفخر به جميعا.
كما أولت الجمعية اهتماما خاصا برعاية المواهب والإبداع لدى الأطفال من خلال تنظيم المسابقات والبرامج الثقافية والفنية واللغوية، إلى جانب إقامة المحاضرات وورش العمل والندوات المتخصصة التي تناولت مختلف قضايا الطفولة والتربية والصحة النفسية والحماية القانونية.
ومن الإنجازات المهمة أيضا تنظيم سلسلة من المؤتمرات الوطنية والإقليمية المتخصصة التي ناقشت قضايا جوهرية مثل حماية الطفل، وتنمية الموهبة، والإعلام والطفل، والإعاقة، والقيم الإنسانية، والتكنولوجيا وتأثيرها في الأطفال.
وقد ساهمت هذه المؤتمرات في تعزيز الوعي المجتمعي وإثراء الحوار العلمي بشأن قضايا الطفولة في البحرين والمنطقة.
كما حرصت الجمعية على دعم البحث العلمي من خلال الدراسات المتخصصة في مجالات مثل عمالة الأطفال والعوامل الوراثية المرتبطة بضعف السمع، إضافة إلى إصدار مجلة الطفولة والعديد من الإصدارات التوعوية التي أسهمت في نشر الثقافة المتعلقة بحقوق الطفل وتنميته.
واليوم، بعد أكثر من خمسة وثلاثين عاما من العمل المتواصل، أشعر بالفخر بما حققته الجمعية من حضور وتأثير في المجتمع البحريني، لكنني أومن في الوقت نفسه بأن مسؤوليتنا مستمرة، فالطفولة تواجه تحديات جديدة فرضتها التحولات التكنولوجية والاجتماعية المتسارعة، وهو ما يدفعنا إلى مواصلة تطوير برامجنا ومبادراتنا، بما في ذلك الاستعداد لعقد مؤتمر متخصص بشأن “الطفولة والذكاء الاصطناعي”؛ إيمانا منا بأهمية مواكبة المتغيرات الحديثة والاستعداد لمتطلبات المستقبل.
وفي النهاية، أرى أن كل طفل تمكن من تجاوز تحدياته التعليمية أو الصحية أو الاجتماعية بفضل هذه الجهود هو إنجاز بحد ذاته، وهو ما يمنحنا الدافع للاستمرار في أداء رسالتنا الإنسانية والوطنية تجاه أجيال المستقبل.
لو أردتم أن توجّهوا كلمة للمواطن البحريني عن مستقبل الاقتصاد الوطني، ماذا تقولون له؟أقول للمواطن البحريني إن مستقبل الاقتصاد الوطني يحمل الكثير من فرص التفاؤل، لكنه في الوقت نفسه يتطلب وعيا ومسؤولية وشراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع، فالاقتصاد اليوم لم يعد يعتمد فقط على الموارد الطبيعية، بل على المعرفة والابتكار والقدرة على التكيف مع المتغيرات العالمية المتسارعة.
لقد مرت مملكة البحرين عبر تاريخها الحديث بمراحل متعددة من التحول الاقتصادي، بدءا من الاقتصاد النفطي، ومرورا بمرحلة التصنيع والانفتاح التجاري، ووصولا إلى الاقتصاد المتنوع القائم على الخدمات المالية والصناعة والتكنولوجيا.
وفي كل مرحلة، كان العنصر البشري البحريني هو العامل الحاسم في النجاح، وهو ما يعطينا الثقة بأن القادم أفضل بإذن الله.
وأود أن أؤكد هنا أن ما تحقق من إنجازات اقتصادية لم يكن ليتحقق لولا رؤية القيادة الحكيمة، التي وضعت المواطن في قلب عملية التنمية، وحرصت على بناء اقتصاد منفتح قادر على المنافسة إقليميا وعالميا، مع توفير بيئة استثمارية مستقرة وجاذبة.
إن المرحلة المقبلة تتطلب من الجميع، حكومة وقطاعا خاصا ومواطنين، تعزيز ثقافة الإنتاجية، والاهتمام بالمهارات الحديثة، والاستثمار في التعليم والتدريب المستمر، خصوصا في مجالات التكنولوجيا والتحول الرقمي والاقتصاد المعرفي، لأنها أصبحت اليوم مفاتيح النمو الحقيقي في العالم.
كما أرى أن الشباب البحريني يمثل الثروة الحقيقية للمملكة، فهم الأكثر قدرة على قيادة التحول المقبل، إذا ما تم تمكينهم بالمعرفة والثقة والفرص المناسبة.
وقد أثبتت التجربة أن أبناء البحرين قادرون دائما على المنافسة والتميز متى ما أُتيحت لهم البيئة الداعمة.
وفي النهاية، أقول للمواطن البحريني: إن البحرين كانت دائما قادرة على تجاوز التحديات وتحويلها إلى فرص، وما نعيشه اليوم هو امتداد لمسيرة طويلة من البناء والتطوير.
والمستقبل، بإذن الله، سيكون أكثر ازدهارا كلما تعمقنا في العمل المشترك، واستثمرنا في الإنسان، وحافظنا على روح الانفتاح والطموح التي تُميّز هذا الوطن العزيز.
وفي ختام هذا الحديث، لا يمكن إلا تأكيد أن ما وصلت إليه مملكة البحرين من مكانة اقتصادية وتنموية متقدمة هو ثمرة مباشرة للرؤية السديدة والقيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة المعظم، حفظه الله، الذي قاد مسيرة تحديث شاملة وضعت الإنسان البحريني في قلب التنمية، ورسّخت نهج الانفتاح والإصلاح الاقتصادي وبناء دولة المؤسسات.
كما أن الدور المحوري لصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، كان ولا يزال ركيزة أساسية في دفع عجلة التطوير الاقتصادي والإداري، من خلال المتابعة المستمرة لمشاريع التنمية، وتعزيز كفاءة الأداء الحكومي، ودعم مبادرات التحول الاقتصادي والتحديث المستمر بما يواكب متطلبات المستقبل.
إن هذا الدعم الحكيم والمتواصل من القيادة الرشيدة، شكّل عامل استقرار وثقة وجذب للاستثمار، وأرسى قاعدة صلبة مكّنت البحرين من مواصلة مسيرتها التنموية بثبات، على رغم ما يشهده العالم من تحولات وتحديات متسارعة.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك