في ظل حرب مستعرة الأوصال، لم تعد التداعيات الاقتصادية والأمنية في السودان مجرد أزمات منعزلة، بل تحولت إلى نسيج واحد تتداخل فيه تناقضات الداخل بحسابات الإقليم، في مشهد يعيد تعريف مفاهيم الدولة والنفوذ والمواردالوقود بين الندرة والفساد- منظومة استيراد تنزف تحت وطأة الحربيبرز ملف استيراد الوقود كواحدة من أكثر القضايا تعقيداً وحساسية في المشهد السوداني الراهن، ليس فقط لارتباطه المباشر بحياة المواطنين، بل لتحوله إلى مرآة تعكس انهيار الدولة على المستويين الاقتصادي والمؤسسيوتقوم منظومة الاستيراد على أربع حلقات رئيسية- التعاقد الخارجي، توفير النقد الأجنبي، عمليات النقل والتخزين، وأخيراً التوزيع المحلي والتسعير.
بيد أن الخلل لا يكمن في هذه الحلقات وحدها، بل في البيئة التي تعمل فيهاويرصد مراقبون أربع إشكاليات جوهرية تعمق الأزمة، أبرزها تعدد الوسطاء وضعف الشفافية، حيث تؤدي كثرة حلقات الوساطة بين الدولة والمصدر إلى تضخيم التكاليف وضعف الرقابة على العقود، إضافة إلى انهيار العملة وتعدد أسعار الصرف، إذ تحول تقلب الجنيه السوداني الوقود إلى سلعة رهينة بتقلبات الدولار، مما يخلق فجوات سعرية واسعة وفرصاً للربح غير المنضبطكما يعاني القطاع من ضعف فادح في البيانات العامة، حيث يغيب النشر المنتظم والمفصل لحجم الاستيراد وتكلفة العقود والجهات الوسيطة، ما يحول النقاش العام إلى ساحة اتهامات بدلاً من حوار مؤسسيوتتركز بؤر الاختلال المحتملة في التعاقد الخارجي، وآليات توفير الدولار، وحلقات التوزيع الداخلي، والفجوة بين السعر الرسمي وأسعار السوق الموازيةالقاهرة–أسمرا- إدارة الاستنزاف بدلاً من الحسمعلى الجانب الآخر من المشهد، تتشكل مقاربات إقليمية أكثر براغماتية تجاه الحرب السودانية، تجسدت بوضوح في القمة المصرية الإريترية الأخيرة التي جمعت الرئيسين عبد الفتاح السيسي وأسياس أفورقي.
وفي قراءة تحليلية للموقف، لا يمكن فصل هذه القمة عما يمكن تسميتها “إدارة الاستنزاف” في السودان، حيث يتحول استمرار القتال إلى أداة لضبط التوازنات الإقليميةويدعم الجانبان المصري والإريتري الجيش السوداني، ولكن بناءً على حسابات أمنية محضة لا على اعتبارات أيديولوجيةفالقيادة المصرية ترى في الجيش السوداني حائط صد استراتيجي على حدودها الجنوبية، في حين تعتبر أسمرا أن استقرار شرق السودان مرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمنها الداخليوتؤدي هذه المعادلة إلى دعم استمرار الدولة العسكرية دون دفع نحو حسم كامل للصراع، في ما يمكن وصفه بـ”سياسة اللاحسم”الاقتصاد السياسي للحرب وصراع السدودفي ظل انهيار الدولة السودانية، يتحول السودان إلى فضاء للتبادل غير المتكافئ، حيث يقدم الدعم السياسي والدبلوماسي مقابل الموارد الطبيعية والامتيازات الاقتصادية، مما يتراجع بمفهوم “الدولة الشريكة” لصالح “الدولة المضطرة”ولا يمكن عزل الموقف المصري من السودان عن ملف النيل وسد النهضة الإثيوبي، حيث يصبح وجود سلطة متحالفة في الخرطوم جزءاً من معادلة الضغط الإقليمي على أديس أبابا، حتى وإن ظل هذا البعد غير معلن بشكل مباشروتخلص التحليلات إلى أن الإقليم لا يتجه نحو تسوية عاجلة للحرب السودانية، بل نحو إدارة الأزمة وضبط إيقاعها ومنع الحسم الكامل لأي طرف، وهو ما يعمق حالة الاستنزاف المطولةنقطة التقاء: السودان كفضاء مفتوح للمصالح المتقاطعةعند الجمع بين أزمة الوقود وإدارة الحرب إقليمياً، يظهر خيط مشترك واضح – السودان لم يعد مجرد دولة تعاني أزمة داخلية، بل تحول إلى فضاء تتقاطع فيه مصالح اقتصادية وجيوسيفية تُدار عبر الاستنزافففي الداخل، منظومة استيراد وقود هشة ومعقدة، قابلة للانهيار في كل حلقة من حلقاتهاوفي الإقليم، حرب تُدار بميزان دقيق يمنع الانهيار الكامل ويمنع الحسم أيضاًوفي الحالتين، تبقى النتيجة واحدة: دولة تتحرك داخل حدود ضيقة من القرار، بينما تتسع مساحة التأثير الخارجي والاختلال الداخليالخلاصة التي يفرضها المشهد، بحسب مراقبين، هي أنه لا يمكن فهم أزمة الوقود في السودان بمعزل عن بنية الدولة نفسها، كما لا يمكن فهم مسار الحرب بمعزل عن حسابات الإقليمفكلتاهما جزء من مشهد واحد عنوانه الأكبر- إدارة الاستنزاف، اقتصادياً وسياسياً، حيث لا تبدو الأزمة حدثاً طارئاً بقدر ما هي نمط حكم غير مكتمل، تتداخل فيه الجغرافيا بالاقتصاد، والسياسة بالأمن، والموارد بالحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك