في توقيت يمر فيه المشهد الاقتصادي والجيوسياسي الإقليمي بواحدة من أعقد مراحله التاريخية، جاء إعلان وكالة" موديز" لخدمات المستثمرين بتثبيت التصنيف الائتماني السيادي لدولة الإمارات العربية المتحدة عند مستوى" Aa2"، وتأكيد تصنيف حكومة أبوظبي عند ذات المستوى المرتفع" Aa2"، مع الإبقاء على النظرة المستقبلية المستقرة، بمثابة شهادة دولية متجددة على الحصانة الهيكلية والمالية الاستثنائية التي تتمتع بها دولة الإمارات.
ولم تقتصر هذه الخطوة الائتمانية على المركز الفيدرالي والعاصمة فحسب، بل شملت أيضاً تثبيت تصنيف حكومة الشارقة، مما يرسخ رؤية تحليلية شاملة تفيد بأن الأطر المؤسسية الحاكمة والسياسات المالية المتبعة في عموم دولة الإمارات تمتلك من المرونة والعمق ما يكفي لامتصاص الصدمات المركبة والتعامل مع السيناريوهات الضاغطة بكفاءة واقتدار.
ويرى خبراء المال والاقتصاد أن هذا التثبيت الائتماني المتزامن يحمل دلالات جوهرية بالغة الأهمية؛ فالإبقاء على التصنيف عند درجة الجدارة الائتمانية العالية جداً يترجم بوضوح ثقة المؤسسات الدولية في كفاءة إدارة الاقتصاد الكلي الإماراتي.
ويستند هذا التقييم الإيجابي من منظور المحللين إلى ركائز بنيوية صلبة، في مقدمتها الارتفاع المستمر في متوسط دخل الفرد، والتنويع الاقتصادي المتسارع الذي نجح في تقليص الاعتماد التدريجي على العوائد النفطية التقليدية.
ويشير الخبراء، إلى أن الفعالية الكبيرة للسياسات المالية للحكومة الاتحادية، مقترنة بانخفاض ملحوظ وغير مسبوق في حجم الدين العام الفيدرالي، هي التي منحت الميزانية العمومية للدولة مصدات وقائية فائقة القدرة على مواجهة التحديات الطارئة.
وعند تفكيك المشهد المالي محلياً، يبرز التكامل الهيكلي بين الإمارتين اللتين شملهما التقرير؛ إذ تعتمد وكالة" موديز" في فرضياتها الائتمانية على وجود دعم مالي كامل ومطلق عند الحاجة من حكومة أبوظبي، وهي الإمارة التي تمتلك أصولاً أجنبية صافية ضخمة تتجاوز في حجمها حاجز الـ 300% من ناتجها المحلي الإجمالي الإجمالي.
هذا الموقف المالي الكبير لإمارة أبوظبي لا يدعم جدارتها الائتمانية المستقلة فحسب، بل يعمل كشريان دعم رئيسي ومستمر للملاءة المالية الفيدرالية ولتصنيف الدولة ككل، مما يمنح المستثمرين الأجانب والأسواق المالية العالمية أعلى درجات اليقين والاستقرار الاستثماري.
خطط استراتيجية استباقية مرنةوفي المقابل، وعلى الرغم من الاضطرابات التجارية الناجمة عن التوترات الجيوسياسية الإقليمية الراهنة، والتي ألقت بظلالها على حركة الملاحة والتجارة، إلا أن التحليل الاقتصادي المعمق يؤكد أن الدولة استبقت هذه الضغوط عبر خطط استراتيجية مرنة لحماية تدفقات صادراتها الحيوية.
ومن أبرز هذه الخطط نجاح تشغيل خط أنابيب" حبشان-الفجيرة" الذي تبلغ طاقته الاستيعابية الحالية نقل 1.
8 مليون برميل يومياً من النفط الخام مباشرة إلى مياه المحيط الهندي، مما سمح بالمحافظة على استمرارية تدفق نحو 50% من مستويات التصدير المسجلة ما قبل التوترات.
هذا النوع من الاستجابة الديناميكية والحلول اللوجستية الفعالة هو ما دفع وكالات التصنيف الكبرى إلى التعامل مع الآثار الاقتصادية للأزمة الحالية باعتبارها ضغوطاً مؤقتة وقابلة للإدارة، حيث تتوقع التقديرات ارتداداً حاداً ونمواً اقتصادياً قوياً ومستداماً بمجرد عودة مسارات التجارة الإقليمية إلى طبيعتها الاعتيادية.
ولا يمكن عزل هذا التثبيت الائتماني الممتاز عن الأداء القوي والمؤشرات المصرفية والمالية المسجلة على أرض الواقع بالدولة؛ فوفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن مصرف الإمارات المركزي، سجل إجمالي أصول القطاع المصرفي قفزة نوعية لتصل إلى مستوى تاريخي جديد عند 5.
57 تريليون درهم.
ويعكس هذا الحجم من الأصول المصرفية، المدعوم بودائع قوية نمت لتصل إلى 3.
469 تريليون درهم، وتوسع واضح في الاستثمارات البنكية التي بلغت 921 مليار درهم، بوضوح وفرة السيولة العالية ومتانة الملاءة الرأسمالية للجهاز المصرفي الإماراتي.
خفض تكلفة الاقتراض والتمويل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك