في الأزمنة السابقة، كان المثقف يُقاس أساساً بما يُنتِجه من أفكارٍ وأفاهيمَ وتصوراتٍ جديدة للعالم.
وكانت مكانته تُبنى تدرجاً من خلال كتبه وأبحاثه وإسهاماته في تكوين الوعي العام.
أمّا اليوم، فقد أصبح يُقاس أيضاً، وربما أولاً، بما ينتِجه من انتباه.
لم يعد السؤال المركزي: ماذا كتب؟ بل: كم شخصاً يتابعه؟ كم مرة يظهر على الشاشات؟ وكم يبلغ حجم حضوره في الفضاء الافتراضي؟قد يبدو هذا التحول مجرد تبدُّل في وسائل التواصل، لكنّه في الحقيقة يكشف عن انتقال بنيوي عميق في طبيعة المجال العمومي نفسه.
فقد انتقلنا، إلى حدٍّ بعيد، من فضاء يمنح الأولوية للمعنى إلى فضاء يمنح الأولوية للظهور، ومن ثقافة تثمِّن الحجة إلى ثقافة تكافئ الصورة والجاذبية، ومن عالم كان الانتباه فيه نتيجةً للفكرة إلى عالم أصبحت فيه الفكرة مشروطةً سابقاً بالانتباه.
من هنا يبرز التمييز بين وظيفتَين مختلفتين للمثقف: أن يكون منتِجاً للمعنى أو أن يكون منتِجاً للانتباه.
ولا يعني ذلك أنّ الوظيفتين متعارضتان بالضرورة؛ فقد تجتمعان في شخص واحد، كما قد تنفصلان.
لكن تاريخ الثقافة الحديثة يكشف عن أن التوتر بينهما ظل حاضراً دائماً، وأنّ الذاكرة الجماعية كثيراً ما احتفت بمن نجح في صناعة الانتباه أكثر ممّا احتفت بمن اكتفى بإنتاج المعنى.
من المثقف المرجع إلى المثقف النجمولعل العلاقة بين الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر (1905-1980)، صاحب" الكينونة والعدم" و" نقد العقل الجدلي"، ومواطنه ريمون آرون (1905-1983)، تمثل أحد أوضح الأمثلة على هذه الإشكالية.
فقد خرج الرجلان من البيئة الأكاديمية نفسها تقريباً، وانطلقا من تكوين فلسفي متقارب، لكنّهما جسدا صورتَين مختلفتين للمثقف.
وقد عبّر آرون، صاحب كتاب أفيون المثقفين، عن هذا الموقف النقدي مبكِّراً إذ رأى أنّ بعض المثقفين يتعاملون مع الأيديولوجيا كما يتعامل المؤمن مع العقيدة، فيعطّلون حسّهم النقدي لمصلحة الالتزام العاطفي، في وقت كان فيه سارتر يمثّل النموذج الأبرز للمثقف الملتزم بقضايا عصره والمنخرط في معاركه السياسية.
أصبح سارتر نموذج المثقف النجم.
لم يكن مجرد فيلسوف يكتب الكتب، بل شخصية عمومية تتصدر المشهد الثقافي والسياسي الفرنسي.
كان حاضراً في النقاشات الكبرى، وفي التظاهرات، وفي الصحافة، وفي الشارع.
لقد امتلك قدرة نادرةً على تحويل الفلسفة إلى حدثٍ جماهيري، وعلى جعل الفيلسوف شخصيةً معروفة خارج الدوائر الأكاديمية.
أما آرون فاختار مساراً مختلفاً.
فقد راهن على التحليل السوسيولوجي والسياسي الرصين، وعلى المسافة النقدية التي تتيح للفكر أن يتحرر من ضغط العواطف الجماعية.
لم يكن أقل ثقافةً ولا أقلَّ ذكاءً من سارتر، لكنه افتقر إلى تلك القدرة الاستثنائية على تحويل نفسه إلى رمزٍ ثقافيّ جامع.
والحال أن المفارقة لا تكمن في أن أحدهما كان مفكراً والآخر مجرّد مستعرض.
فكلاهما كان مفكراً كبيراً، بل تكمن في أن أحدهما نجح في الجمع بين إنتاج المعنى وإنتاج الانتباه، فيما بقي الآخر أقرب إلى نموذج منتِج المعنى الذي لا يولي صناعة الحضور العمومي أهمية مماثلة.
غير أن الزمن كشف مفارقة أخرى لا تقل أهمية.
فقد أثبتت تطورات النصف الثاني من القرن الـ20 أن كثيراً من قراءات آرون للأنظمة الشمولية والمجتمعات الصناعية الحديثة كانت أكثر دقّةً ممّا بدا لمعاصريه، في حين أن التزام سارتر الأيديولوجي دفعه أحياناً إلى التغاضي عن وقائعَ لم يكن من السهل التوفيق بينها وبين المثال التحرري الذي كان يدافع عنه.
ومع ذلك ظل سارتر في الذاكرة العامة أكثر حضوراً وإشعاعاً من آرون.
لا يعود السبب إلى أنّ الجماهير تكره الحقيقة أو تحتقر الفكر، بل لأن المجال العمومي لا يتحرك بمنطق الحقيقة وحده.
إنه يتحرك أيضاً بمنطق الرموز والصور والسرديات الكبرى.
فالناس لا يتذكرون الكتب فقط، بل يتذكرون الشخصيات التي تجسد أحلامهم ومخاوفهم وآمالهم.
لهذا كان سارتر أكبر من كتبه، بحيث تحول إلى رمز لعصر بأكمله.
وتتكرر الظاهرة نفسها، وإن بصيغ مختلفة، في المجال الثقافي العربي واللبناني.
ففي لبنان مثلاً، يصعب تجاهل المقارنة بين مهدي عامل وموسى وهبه بوصفها مقارنة بين نموذجَين مختلفين للحضور الثقافي.
كان مهدي عامل صاحب مشروع فكريّ حقيقي، وليس مجرد ناشط سياسي أو رمز أيديولوجي.
فقد سعى إلى بناء قراءة متماسكة للواقع العربي والبنية الطائفية والعلاقات الاجتماعية من منظور ماركسيّ نقدي.
لكن أهمية مهدي عامل لا تعود إلى نصوصه وحدها، بل أيضاً إلى صورته بوصفه مثقفاً مناضلاً ومنخرطاً في معارك عصره.
لقد استطاع أن يتحول إلى رمز يتجاوز حدود الكتابة الأكاديمية لا سيما بعد استشهاده.
ومن الخطأ النظر إليه بوصفه منتِجاً للانتباه فقط.
فهو، على غرار سارتر، جمع بين البعدين معاً: إنتاج المعنى وإنتاج الانتباه.
بل لعل حضوره الرمزي بعد اغتياله أسهم في ترسيخ صورته في الذاكرة العامة بقدر ما أسهمت نصوصه نفسها.
لهذا يعرف كثر اسم مهدي عامل أكثر مما يعرفون مضمون أعماله.
في المقابل، يمثل موسى وهبه نموذجاً مختلفاً.
فقد انصرف إلى العمل الفلسفي الدؤوب، وإلى الترجمة الدقيقة، وإلى بناء الأفهوم الفلسفي العربي، وإلى إعداد أجيال من الطلاب والباحثين.
لم يسعَ إلى صناعة البطولة الثقافية، ولم يحاول أن يتحول إلى أيقونة سياسية أو إعلامية.
لذلك بقي حضوره محصوراً نسبيّاً داخل الأوساط الفكرية، على رغم التأثير العميق الذي مارسه في الثقافة الفلسفية اللبنانية.
يكشف هذان المثلان أنّ التاريخ الثقافي لا يكافئ دائماً الأكثر عمقاً، ولا يكافئ دائماً الأكثر شهرة.
إنه يتحرك وفق معادلة أكثر تعقيداً، تختلط فيها قوة الفكرة بقوة الرمز، وتتشابك فيها المعرفة مع القدرة على الحضور في المجال العمومي.
غير أن هذه المعادلة ظلت، حتى أواخر القرن الـ20، استثناءً يخص بعض الشخصيات الفكرية الكبرى.
أما اليوم فقد أصبحت قاعدة عامة تحكم المجال العمومي بأسره.
لكن ما كان يمثل في الماضي حالة استثنائية أو جزئية، أصبح اليوم قاعدةً شبه عامة بفعل الثورة الرقمية.
ففي القرن الـ20، كان الانتباه يأتي غالباً نتيجةً لإنجازٍ فكري أو سياسي أو فني سابق.
أما اليومَ، فقد أصبح الانتباه نفسُه سلعة مستقلة.
لقد نشأ ما يمكن تسميته باقتصاد الانتباه، بحيث تتنافس المنصات والمؤسسات والأفراد على مورد نادر هو انتباه الإنسان.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)في هذا الاقتصاد الجديد، لا تُكافأ الأفكار لأنها صحيحة، ولا لأنها عميقة، بل لأنها قابلة التداول والانتشار.
فالخوارزميات لا تميّز بين الحقيقة والخطأ، ولا بين الحكمة والتفاهة.
إنها تميز فقط بين ما يجذب الانتباه وما يفشل في جذبه.
هنا تبدأ أزمة المثقف المعاصر.
فالمثقف الذي يريد الوصول إلى جمهور واسع يجد نفسه تحت ضغط دائم للتبسيط والإثارة والمبالغة.
وكلما ازدادت المنافسة على الانتباه، ازداد الإغراء بالتخلي عن التعقيد الذي يميز التفكير الجاد.
شيئاً فشيئاً، تتحول الفكرة إلى عنوان، ثم إلى شعار، ثم إلى لقطة قصيرة قابلة للتداول السريع.
ليس المقصود بذلك أن الفضاء الرقمي شر مطلق، أو أن كل أشكال الانتشار الجماهيري مشبوهة.
فالفضاء الرقمي أتاح إمكانات هائلةً لنشر المعرفة والوصول إلى جمهور لم يكن من الممكن الوصول إليه سابقاً.
لكنّه فرض في الوقت نفسه قواعدَ جديدة للعبة الثقافية.
لقد أصبح المثقف مطالباً بأن يكون كاتباً ومتحدثاً ومسوِّقاً ومديراً لصورته العامة في آن واحد.
وأصبح النجاح الثقافي مرتبطاً، بدرجات متفاوتة، بقدرة المثقف على التكيف مع منطق المنصات الرقمية.
من هنا يبرز الخطر الحقيقي.
فالمشكلة ليست في أن ينتج المثقفُ الانتباهَ، بل في أن يصبح الانتباهُ غايتَه الأساسية.
ليست المشكلة في الحضور الجماهيري، بل في أن يتحول الحضور الجماهيري إلى بديل عن القيمة الفكرية.
فعندما يحدث ذلك يصبح المثقف أقرب إلى المؤثر منه إلى المفكر، وتصبح الشهرة بديلاً من الحجة، ويصبح الانتشار معياراً للحقيقة.
لقد عرف القرن الـ20 شخصيات استطاعت أن تجمع بين العمق الفكري والحضور العمومي.
أما الفضاء الرقمي المعاصر فيدفع بصورة متزايدة نحو اختزال الثقافة في بعدها المشهدي.
وهنا يكمن أحد أبرز تحديات الحياة الفكرية في زمننا.
وعليه، فإنّ القضية ليست الدفاع عن المثقف الهامشي ضد المثقف المشهور، ولا تمجيد العزلة في مواجهة الشهرة.
وليست دعوةً إلى انسحاب الفكر من المجال العمومي.
على العكس من ذلك، فالأفكار التي لا تصل إلى الناس تفقد جزءاً كبيراً من فاعليتها التاريخية.
القضية، إذاً، هي البحث عن توازن صعب بين المعنى والانتباه، بين الفكرة وصورتها، بين العمق والانتشار.
فالثقافة التي تنتج المعنى من دون أن تصل إلى الناس تتحول إلى تمرين أكاديمي مغلق، والثقافة التي تنتج الانتباه من دون معنى تتحول إلى فرجة عابرة سرعان ما تبتلعها موجة الاستهلاك التالية.
لعل السؤال الأكثر إلحاحاً، اليومَ، لم يعد: كيف يحقق المثقف الانتشار؟ بل: كيف ينجو المعنى نفسه في عالمٍ صار الانتباه فيه العملة الأعلى قيمة؟ فالمعركة الثقافية الكبرى لم تعد تدور بين اليمين واليسار، أو بين المحافظين والتقدميين، بل بين منطقَين مختلفين للثقافة ذاتها: ثقافة ترى في الفكرة غايةً، وثقافة ترى فيها مجرد وسيلة لجذب الانتباه.
وبين هذين المنطقين يتحدد مستقبل المثقف في الفضاء الرقمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك