قبل ظهور الكمبيوتر كانت أغلب التعاملات بين الناس عن طريق الورقة والقلم، وكانت هناك معاناة فى قراءة هذا المكتوب، وقد تحدث أخطاء فى السجلات الرسمية كشهادات الميلاد مثلا، فتختلط الأسماء، ويدوخ البشر من أجل إصلاح خطأ ليس ذنبهم، وقد يُرهق أساتذة الجامعات فى تصحيح إجابات الطلاب نتيجة رداءة الخط، وكان لى صديق لا يمكن لك أن تقرأ خطه مهما فعلت، وكان ينجح بصعوبة، فكان يزعم أنه غير متفوق لأن الأساتذة يظلمونه، فهم لا يقرأون إجاباته كما يريد، وكان يطالب بأن يكون معه مرافق يكتب ما يمليه عليه حتى لا يضيع حقه، فربما يكون من الأوائل ونحن لا ندرى، وهو فى الحقيقة قد يكون مصيبا بعض الشىء فيما قاله، هو إذن يحتاج إلى خبير خطوط ليكون من المتفوقين.
هناك أناس إذا رأيتهم حسبتهم أنهم فى منتهى الرقة، ويظهرون كما لو أنهم يعشقون الجمال بل قل هم أهل الجمال نفسه، الذى من معانيه التناسق التام، سواء كان فى المأكل والملبس والمشرب، وقس على هذا باقى الأشياء الأخرى، إذا رأيت هؤلاء الناس استبعدت رداءة خطهم، فإذا لم يكن خطهم جميلا، فمن يكون جميلا خطه، أأكون أنا مثلا؟أقول إن من يتمتعون بالجمال قد لا تستطيع أن تقرأ خطوطهم، وتتعجب فى نفسك وتقول: ما هذا أيها الناس، ما بال خطكم رديئا هكذا؟ ! ما بال خطكم لا يعبر عن هيئتكم، إن هيئتكم جميلة وخطكم قبيح، أنتم بخطكم تحملون أوزارًا، أنتم تشوهون الجمال.
وتشبههم بأنهم مثل التورتة الجميلة التى أتى عليها الذباب، فلا هى أُكلت ولا هى تُركت، من فضلكم أيها الأحباب حسَّنوا خطكم إن كنتم تريدون محبتنا، لا تجعلونا نندم على معرفتكم.
أخطر من هذا أن يكون ذوو الرتب العالية من أصحاب الخطوط الرديئة، فهؤلاء يتحكمون فى مصائر العباد، فالضرر كبير لا يتحمله ذنبه فرد واحد، وإنما وطن بأكمله سيتحمل خطأ هذا الفرد، وهذه كارثة.
كذلك أصحاب الحرف ومنهم الأطباء مثلا، تخيل لو كانت الروشتة مكتوبة باللغة العربية، ولم يستطع الصيدلانى أو من ينوب عنه وهم كثر أن يقرأها، أو بدَّل حرفا مكان حرف، فإذا كان يريد دواء للتخفيف عن ألمه، إذا به يزيده اشتعالا، أو يصاب بمرض ثان، فما العمل؟ ولا شك أن المريض يوما سيموت من جراء هذا الخطأ.
وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى إذا كان علينا ديْنٌ لأحد أن نكتبه ونسجله، حتى لا تضيع أموال الناس أو تهدر حقوقهم، وقد فصل سبحانه هذا فى أطول آية فى القرآن الكريم وهى آية الديْن (يا أَيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أَجل مسمى فاكتبوه)، فهب الخط رديئا ومات كل من حضر الواقعة، فماذا يفعل الأبناء؟أبسط من هذا، لو كنت تسير فى طريق ما وطلبت من عابر سبيل، أن تملى عليه اسم شخص أو عنوانا أو رقم تليفون.
لو كان خطه واضحا فهذا من حسن حظك، أما لو كان من ذوى الخطوط الرديئة فما أتعسك، وما أشقاك!• إذن حياتنا كلها مرتبطة بالقلم، وعليه معاشنا، والخط الجميل نعمة من الله سبحانه وتعالى، وقد أولاه العرب عناية فائقة، ومن كان حسن الخط نال حظوة ومكانة عالية، فمن هذا ما رواه أبو بكر الصولى من شكوى رجل لسوء خطه:أشكو إلى اللهِ خطًّا لا يبلغنى خطَّ البليغِ ولا خطَّ المرجيناإذا هممتُ بأمرٍ لى أزخرفُه سدتْ سماجتُه عنى التحاسيناقالوا: " رداءة الخط زمانة الأديب" والزمانة أى العاهة المزمنة، وكان عبد الله بن طاهر يمتحن من يريد أن يلتحق بالديوان، فإذا لم يعجبه الخط نحاه، فينقل الصولى أنه كان ينظر إلى خط بعض كتابه فلم يرضه فقال: " نحوا هذا عن مرتبة الديوان فإنه عليل الخط، ولا يؤمن أن يعدى غيره".
• أراد واحد أن يعتذر إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، فلما رأى خطه قبيحا وقع فى رقعته: " أردنا قبول عذرك، فاقتطعنا عنه ما قابلنا من قبح خطك.
ولو كنت صادقا فى اعتذارك لساعدتك حركة يدك، أو ما علمت أن حسن الخط يناضل عن صاحبه بوضوح الحجة، ويمكن له درك البغية".
ومن هذا ما روى عن الإمام على بن أبى طالب: " الخط الحسن يزيد الحق وضوحا".
• إلى هذه الدرجة اعتنى القدماء بوضوح الخط، حتى إنه ليعتقد بعض منا أنه يشبه سلامة النحو، واللحن فيه يشبه قبح الخط.
وورد أيضا أن رجلا كان يجزع من قبح خطه:جزعتُ من قبحِ خطى وفيه وضعى وحطىرجعتُ من بعد حذقى إلى تعلم حطىحط الأولى تعنى نزول مكانته، والثانية تعنى تعلم الأبجدية بعد أن كان حاذقا: أبجد هوز حطى كلمن.
• وقد يكون الخط معبرا عن حالة صاحبه من حيث الصحة والسقم، فيحكى أن رجلا أراد أن يعبر عما أصابه من لوعة الحبيب، فجاء خطه دقيقا نحيلا بحيث لا تراه العين:كتبتُ إليكم أشتكى حرقةَ الهوى بخط ضعيف والخطوطُ فنونُفقال خليلى: ما لخطك هكذا دقيقا ضيئلا لا يكاد يبينُفقلتُ: حكانى فى نحولٍ ودقة كذاك خطوط العاشقين تكونُ• وعندما يكون الكاتب منهمكا فى التفكير يستحب أن يضع قلمه أذنه لأنه أذكر له أى يجعله يتذكر دائما، ويسوق لنا القلقشندى حديثا عن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان معاوية بن أبى سفيان يكتب للنبى (ص)، فكان إذا رأى من النبى (ص) إعراضا وضع القلم فى فيه، فنظر إليه النبى (ص) وقال: " يا معاوية إذا كنت كاتبا فضع القلم على أذنك فإنه أذكر لك وللمُمْلِى".
• يعد" ابن مقلة" الوزير والأديب ومن بعده" ابن البواب" من أشهر الخطاطين فى العصر العباسى، وقد أشار ابن خلدون إلى قصيدة من نظم ابن البواب على روى الراء، يذكر فيها صناعة الخط وموادها، لينفع بها من يريد تعلم هذه الصناعة، ومنها:يا من يريد إجادة التحرير ويروم حسن الخط والتصويرإن كان عزمك فى الكتابة صادقا فارغب إلى مولاك فى التيسير.
ورأيت نماذج مما خطه ابن البواب كلها فى غاية الحسن والجمال، تدل على تمكن هذا الرجل من هذا الفن ذى الأهمية الكبيرة.
• كان هناك متطفلون على الكتابة كما هو الأمر فى كل صنعة، فنجد البارعين فى مهنتهم، ونجد كذلك الأدعياء ومع هذا ينالهم التقدير الكبير، ولكن منذ زمن بعيد وجه أحد الشعراء نصيحة لأحد الأدعياء، ونحن بدورنا نوجهها لأدعياء هذا العصر وكل عصر:حمارٌ فى الكتابة يدعيها.
كدعوى آل حربٍ فى زيادِفدعْ عنك الكتابةَ لستَ منها.
ولو غرَّقت ثوبَك فى المدادِوزياد المذكور هو زياد ابن أبيه، أراد معاوية بن أبى سفيان أن يسترضيه ليكون عونا له ضد خصومه، فزعم أنه ابن أبيه سفيان.
• كل إنسان محاسب على ما يكتبه، والكاتب لن يفنى بموته، فكتابته ستبقى مادامت الناس تقرأ:وما من كاتبٍ إلا ستبقى كتابتُه وإنْ فنيت يداهفلا تكتبْ بخطك غير شىء يسرُّك فى القيامة أن تراه• القلم أكثر أهمية من السيف؛ لأن السيف أكثر ما يفعله هو أن يقطع رقبة الكاتب فقط، أما الكتابة فإنها تسرى بين البشر لا يستطيع أحد أن يوقف تمددها وانتشارها، وكم من كاتب قد قتل إلا أنه خالد بأعماله الفكرية، ومنذ بدء التاريخ والكتاب صرعى لكنهم أحياء بيننا، ومن ديوان ابن الرومى:لعمرُك ما السيفُ سيفُ الكمىِّ.
بأخوفَ من قلم الكاتِبِله شاهدٌ إنْ تأمّلتَهُ.
ظهرتَ على سرِّهِ الغائبِأراه المنيةِ فى جانبَيْه.
فَمِن مثلِهِ رهبةُ الراهبِألم ترَ فى صدره كالسنان.
وفى الرِّدفِ كالمُرْهَف القاضبِ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك