قبل أيام فقط من انطلاق كأس العالم 2026، وصل الحكم الصومالى عمر عبد القادر أرتان إلى مطار ميامى قادمًا من إسطنبول، وهو يحمل تأشيرة سارية ومكانة لا تخطئها العين: واحد ضمن 51 حكمًا اختارتهم فيفا لإدارة مباريات البطولة، وأول صومالى كان مرشحًا لقيادة مباراة فى تاريخ المونديال.
لكن لم يُسمح له بالدخول.
أوقفته سلطات الجمارك والحدود الأمريكية بعد «فحص إضافى»، وقررت أنه «غير مقبول لدواعٍ أمنية»، دون مزيد من التفاصيل.
أعلنت فيفا، فى بيان لا يخلو من دلالة، أنها «ليست طرفًا فى إجراءات الهجرة الخاصة بالدولة المضيفة»، وأن «قرار من يُمنح تأشيرة ومن يُسمح له بالدخول يبقى فى النهاية بيد حكومة الدولة المضيفة، كما جرت العادة فى البطولات السابقة».
فى تلك الجملة وحدها، يتكشف كل ما تحاول هذه المقالة قوله.
قبل أشهر قليلة، رفضت السلطات الأمريكية منح تأشيرات لعدد من أعضاء الوفد الإيرانى الرسمى، فقاطعت إيران مراسم قرعة كأس العالم فى واشنطن، ولم يدخل سوى عدد قليل جدًا من أعضاء وفدها.
وأبلغت إيران فيفا بقرار المقاطعة، فاكتفت فيفا بالقول إنها «ستنظر فى الأمر».
المفارقة أن الحظر الأمريكى كان يستثنى صراحة الرياضيين والوفود الرياضية المشاركة فى البطولات الكبرى مثل كأس العالم ــ أى أن القاعدة كانت تقول إن هؤلاء معفون من الحظر.
ومع ذلك، رُفضت التأشيرات.
حين مُنحت الولايات المتحدة وكندا والمكسيك حق استضافة كأس العالم 2026، فى عام 2018، كان العالم لا يزال يفكر بمنطق مختلف: حدود أكثر انفتاحًا، وتنقل أسهل للبشر، ومؤسسات دولية يُفترض أنها تمثل الجميع.
لكن البطولة لم تُقَم فى ذلك العالم.
لقد وصلت إلى عالم آخر تمامًا، عالم أعاد للحدود مكانتها كأداة سيادية حاسمة- وهو ما تكشفه بوضوح حالتا الحكم الصومالى والوفد الإيرانى.
فالفجوة بين العالم الذى اختار البطولة والعالم الذى استقبلها هى جوهر المفارقة التى تتناولها هذه المقالة.
فى قلب هذا التناقض يقف رجلان: دونالد ترامب وجيانى إنفانتينو، ليس بصفتهما سببًا لهذا الوضع، بل بصفتهما تجسيدًا له.
فترامب يمثل منطق السيادة فى أوضح صوره: الدولة أولًا، والحدود أداة حاسمة، ومنح التأشيرة أو رفضها ــ وإن كان أمرًا معتادًا فى كل دول العالم ــ يصبح فى خطابه إعلانًا صريحًا عن هذا المنطق لا مجرد إجراء إدارى.
وهو لا يتظاهر بالفصل بين السياسة والرياضة، بل يتعامل معهما من منطلق واحد.
أما إنفانتينو، فيمثل الوجه المؤسسى لكرة القدم العالمية: خطاب يتحدث عن العالم كله، لكن ممارسة تتكيف مع موازين القوى القائمة أكثر مما تسعى إلى تعديلها.
وفى مؤتمره الصحفى عشية افتتاح البطولة، حين سُئل عن أسعار التذاكر الباهظة، اكتفى بالقول إن على المنتقدين أن «يهدأوا» ــ وهو نفس المنطق الذى يحكم تعامله مع قضايا التأشيرات والدخول.
فترامب يجسّد منطق الدولة، وإنفانتينو يجسّد حدود المؤسسة العالمية أمام هذا المنطق.
ما تكشفه هذه الوقائع ليس أن السياسة دخلت كرة القدم، فهذا أمر قديم لا جديد فيه.
بل تكشف شيئًا أدق: أن التناقض بين فكرة «العالم المفتوح» وفكرة «الدولة ذات السيادة» لم يعد كامنًا فى الخلفية، بل أصبح فى صميم الحدث نفسه.
فالمهرجان الذى يُقدَّم باعتباره احتفالًا عالميًا بلا حدود، أصبح يُحكم بحدود واضحة ومحددة، تفرضها الدول قبل أن تفرضها الكرة ــ وهذا بالضبط ما تذكّرنا به حالتا الحكم الصومالى والوفد الإيرانى، قبل أن تنطلق صفارة البداية.
مساعد وزير الخارجية الأسبق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك