الليوان - قصاص الأثر مسعود المري يروي قصة الرجل الذي «ذبحه البعير» وكشف لغز القضية قصّ الأثر وتحديد البعير قناة الجزيرة مباشر - نافذة من لبنان | هل يعرقل القصف الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت اتفاق واشنطن وطهران؟ فرانس 24 - دورة هيرتوخنبوس: البولندي مايخشاك يفاجئ دي مينور ويفوز بباكورة ألقابه روسيا اليوم - بوتين في تهنئته لترامب يؤكد أن التفاهم بينهما يسمح بمناقشة أصعب القضايا بصراحة فرانس 24 - واشنطن وطهران تقتربان من توقيع الاتفاق العربي الجديد - ترامب يندد بقصف بيروت ويؤكد أن توقيع الاتفاق مع طهران الأحد وكالة سبوتنيك - ترامب يتوقع اتفاقا قريبا مع إيران.. وطهران تقول إن مذكرة التفاهم تركز على إنهاء الحرب دون التطرق إلى الملف النووي CNN بالعربية - ترامب: سنوقع مذكرة التفاهم مع إيران اليوم رغم ضربة بيروت BBC عربي - كأس العالم 2026: تونس تتحدى مجموعة طموحة في المونديال، ماذا نعرف عن نسور قرطاج؟ روسيا اليوم - فيتسو: الاتحاد الأوروبي مستعد لدعم أوكرانيا حتى الرمق الأخير على حساب شعوبه
عامة

أحاديث «التضخيم»

الوطن
الوطن منذ 1 ساعة

من أخطر الأزمات التي أصابت المجال العام العربي خلال العقود الأخيرة، تلك النزعة المزمنة إلى المبالغة. فبدلاً من النظر إلى الأشخاص والأحداث والأفكار بقدر من التوازن، اعتدنا أن نتأرجح بين طرفين متناقضين:...

من أخطر الأزمات التي أصابت المجال العام العربي خلال العقود الأخيرة، تلك النزعة المزمنة إلى المبالغة.

فبدلاً من النظر إلى الأشخاص والأحداث والأفكار بقدر من التوازن، اعتدنا أن نتأرجح بين طرفين متناقضين: الإفراط في التمجيد أو الإفراط في الإدانة، التأليه أو الشيطنة، صناعة الأصنام أو تحطيمها.

ولعل هذه الظاهرة ليست جديدة تماماً على ثقافتنا، لكنها اكتسبت في عصر الإعلام الجديد ووسائل التواصل الاجتماعي أبعاداً أكثر حدة وخطورة.

فقد أصبح الحكم على الأشخاص يتم في كثير من الأحيان بمنطق اللحظة والانفعال، لا بمنطق التاريخ والعقل.

وصارت المنصات الرقمية مصانع متخصصة في إنتاج الأحكام المطلقة؛ فإما أن يكون الشخص بطلاً استثنائياً لا يخطئ، أو مجرماً كاملاً لا يستحق سوى اللعن والإقصاء.

وقبل عصر «السوشيال ميديا»، نشأت أجيال كاملة بين هذين النقيضين.

بين من يرى جمال عبدالناصر زعيماً تاريخياً صنع نهضة وطنية كبرى، ومن يُحمِّله مسؤولية كل أزمات الدولة الحديثة.

وبين من يعتبر أنور السادات بطلاً للحرب وصانعاً للسلام، ومن يراه مسؤولاً عن تحولات استراتيجية ما زالت آثارها محل جدل حتى اليوم.

والأمر نفسه تم تفعيله على رموز الفكر والثقافة والدين والعلم.

فالأديب الكبير نجيب محفوظ يُنظر إليه لدى البعض باعتباره قامة أدبية استثنائية استحقت أرفع الجوائز العالمية، بينما يراه آخرون جزءاً من منظومة سياسية وثقافية تستحق الإدانة.

وأستاذنا محمد حسنين هيكل يُقدَّم أحياناً باعتباره أعظم صحفي عربي في العصر الحديث، فيما يراه خصومه مجرد لسان للسلطة ومدافع عن سياساتها.

أما الشيخ محمد متولي الشعراوي الذي يُعد لدى ملايين المسلمين أحد أبرز المفسرين المعاصرين للقرآن الكريم، فيذهب بعض منتقديه إلى تقديمه بوصفه رمزاً للخطاب التقليدي المحافظ، أو حسبما شبَّهه الأديب الكبير د.

يوسف إدريس ونعته بأنه «راسبوتين» العصر.

حتى العلم لم ينجُ من هذه الثنائية القاسية.

فالعالم المصري أحمد زويل يُحتفى به باعتباره نموذجاً للإبداع العلمي العربي وقدرة الإنسان المصري على المنافسة عالمياً، في حين يصر البعض على التقليل من منجزه أو التشكيك في حجم إسهامه العلمي.

والأمر ذاته يتكرر في عالم الرياضة؛ فالنجم محمد صلاح يتحول أحياناً إلى بطل خارق فوق النقد، ثم لا يلبث أن يصبح هدفاً لحملات قاسية من الهجوم والتشكيك لمجرد تراجع مستوى أو خسارة مباراة.

المشكلة هنا ليست في الاختلاف حول الأشخاص، فذلك أمر طبيعي وصحي، بل في غياب القدرة على رؤية الإنسان باعتباره كائناً مركباً.

فالبشر ليسوا ملائكة ولا شياطين، وليسوا نماذج مكتملة من الخير أو الشر.

كل شخصية مؤثرة تحمل في تجربتها جوانب نجاح وإخفاق، وصواباً وخطأ، وإنجازات تستحق التقدير ومواقف تستحق النقد.

لكن ثقافة المبالغة تحرمنا من هذه الرؤية المتوازنة.

فهي تدفعنا إلى اختزال التاريخ في أشخاص، واختزال الأشخاص في صورة واحدة جامدة.

فإذا أحببنا شخصاً غضضنا الطرف عن أخطائه، وإذا اختلفنا معه أنكرنا فضائله وإنجازاته.

وهكذا تتحول الساحة العامة إلى معركة بين عشاق وكارهين، لا بين باحثين عن الحقيقة.

وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق هذه الأزمة.

فخوارزميات المنصات الرقمية لا تكافئ الرأي المتزن بقدر ما تكافئ الرأي الصادم والحاد.

المنشور المعتدل لا ينتشر بالقدر نفسه الذي ينتشر به الاتهام الجارح أو المديح المفرط.

ولذلك أصبح الاستقطاب سلعة رائجة، وأصبح كثيرون أسرى لمنطق الإعجاب المطلق أو الكراهية المطلقة.

والنتيجة أن المجتمع يخسر مرتين؛ يخسر القدرة على الاستفادة من تجارب رموزه وإنجازاتهم، ويخسر في الوقت نفسه القدرة على التعلم من أخطائهم.

فالتقديس يمنع النقد، والشيطنة تمنع الفهم، وبينهما تضيع الحقيقة.

ربما نحتاج اليوم إلى ثورة فكرية هادئة تعيد الاعتبار لفكرة الإنسان المركب؛ الإنسان الذي يمكن أن يكون عظيماً دون أن يكون معصوماً، وأن يرتكب أخطاء كبيرة دون أن يفقد كل قيمة أو أثر.

نحتاج إلى ثقافة تسمح لنا بأن نحترم إنجازات عبدالناصر دون أن نتجاهل إخفاقاته، وأن نناقش سياسات السادات دون أن ننكر أدواره التاريخية، وأن نقدِّر إبداع نجيب محفوظ وهيكل وزويل والشعراوي ومحمد صلاح دون أن نحولهم إلى أصنام أو أهداف للرجم.

فالأمم الناضجة لا تُبنى بعبادة الأشخاص ولا بتحطيمهم، بل ببناء عقل قادر على التمييز والإنصاف.

عقل يدرك أن قيمة الرموز لا تكمن في الكمال، وإنما في الأثر الذي تركوه، وأن التاريخ لا يكتبه الملائكة ولا الشياطين، بل يكتبه بشر يشبهوننا، ينجحون ويخطئون، ويستحقون أن يُحكم عليهم بميزان العدل لا بميزان المبالغة.

فالحياة بلا قيم تفقد معناها، لكن القيم نفسها تفقد معناها عندما تتحول إلى أصنام.

وبين التأليه والشيطنة تضيع الحقيقة، ويضيع معها العقل السليم.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك