مع كل نسخة جديدة من كأس العالم، يتجدد الحلم العربي ذاته نتمنى عبور دور المجموعات، ثم بلوغ ربع النهائي، وربما نصف النهائي إن سارت الأمور على نحو استثنائي أما الحديث عن الوصول إلى المباراة النهائية أو المنافسة الحقيقية على اللقب، فيبقى في الوعي الجمعي أقرب إلى الحلم البعيد منه إلى التوقع الواقعي.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس: لماذا فشل العرب؟ بل: هل العرب وحدهم من فشلوا؟عندما ننظر إلى تاريخ كأس العالم بعيدًا عن العاطفة، نجد أن البطولة التي يحق لأكثر من 200 منتخب حول العالم المشاركة فيها، لم يفز بها سوى 8 منتخبات فقط طوال ما يقارب قرنًا من الزمن والأكثر دلالة أن المباراة النهائية لم يصل إليها سوى 13 منتخبًا، وجميع أطراف النهائيات عبر التاريخ جاءوا من قارتي أوروبا وأمريكا الجنوبية.
أما منتخبات آسيا وأفريقيا وأمريكا الشمالية، فعلى الرغم من عقود طويلة من المشاركات والمحاولات، لم ينجح أي منها في بلوغ المباراة النهائية حتى اليوم، هذه الحقيقة تغيّر زاوية النظر بالكامل فالفشل العربي ليس استثناءً، بل هو القاعدة التي تشترك فيها معظم دول العالم.
الانتقاد سهل، وتوجيه أصابع الاتهام أسهل، لكن التحليل الحقيقي يبدأ عندما نتوقف عن مراقبة النتائج ونعود إلى الجذور فجميع الدول التي احتكرت كأس العالم لم تصل إلى القمة بقرار إداري أو جيل استثنائي ظهر فجأة لقد سبقت العالم في ممارسة كرة القدم وتنظيم مسابقاتها واحترافها بعشرات السنين، فبنت تراكمًا فنيًا وثقافيًا ومؤسسيًا امتد عبر أجيال متعاقبة.
النجاح في الرياضة، كما في الاقتصاد والتعليم وإدارة المؤسسات، لا يُصنع بالقفزات المفاجئة، بل بالبناء التراكمي ولهذا فإن تغيير المدربين والإدارات والخطط مع كل إخفاق قد يمنح الجماهير شعورًا مؤقتًا بالحركة، لكنه غالبًا ما يدفع المنظومة إلى الدوران في حلقة مفرغة فحين تُبنى القرارات على الغضب وردود الفعل، يصبح التغيير هدفًا بحد ذاته، لا وسيلة لتحقيق التقدم.
الأمر لا يقتصر على كرة القدم فالشركات التي تبحث عن نتائج فورية، والمنظمات التي تعالج أزماتها بالحلول السريعة، والأفراد الذين يطاردون النجاح المختصر، يقعون في الفخ ذاته فالفشل ليس نقيض النجاح، بل أحد مكوناته الأساسية وما تفعله المسكنات أنها تؤجل المشكلة وتخفي أعراضها، بينما يبقى السبب الحقيقي في مكانه ينتظر مواجهة جادة.
ولهذا تبدو كرة القدم درسًا يتجاوز حدود الملعب فالأمم التي تحصد اليوم أمضت سنوات طويلة وهي تزرع بصمت لم تكن الكؤوس أول ما فكرت فيه، بل كانت النتيجة الطبيعية لمسار طويل من العمل والصبر والتراكم.
في النهاية، يبقى الحصاد لحظة قصيرة تلتقطها الكاميرات وتصفق لها الجماهير، بينما الزراعة رحلة طويلة لا يراها أحد ومع ذلك، فإن التاريخ لا يُكتب بلحظة الحصاد، بل بالسنوات التي سبقتها فكل سنبلة تملأ الحقول كانت يومًا بذرة صغيرة اختارت أن تصبر قبل أن تزهر.
ولهذا فإن الحكمة التي لا تتغير في الرياضة كما في الحياة هي أن من ينشغل بالحصاد وحده قد يفرح موسمًا، أما من يتقن الزراعة فسيحصد مواسم لا تنتهي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك