لا يستقر الرأي بصورة نهائية حتى في أيامنا هذه في ما يتعلق بنوع من الرسوم ظهر مع ولادة الفنون الإنسانية الهولندية عند بدايات عصر النهضة، الدينية والاجتماعية، التي سادت في تلك البلاد وتمخضت عن ولادة اللوحة الحديثة التي راحت وبوتيرة متصاعدة، تنمو وتزدهر على جدران البيوت البورجوازية، بعدما كان الفن محصوراً في أماكن التجمعات الدينية وأيضاً في القصور الفاخرة.
كان ما بدأ يظهر في ذلك الحين، فناً يمثل مشاهد مستقاة من الحياة الشعبية لكنه كان منذوراً للبيع إلى أبناء التجار والصناعيين من المنتمين إلى الطبقات الموسرة، قبل أن تمكنه الطباعة من الانتشار في البيوت الأكثر تواضعاً.
ومع ذلك ثمة أنواع من تلك الرسوم ظلت الأسئلة الحائرة تحيط بها طارحة إشكالية الغاية من رسمها وسرّ تهافت الفنانين أنفسهم على إنجازها، تهافتهم على إنجاز الجداريات الضخمة للكنائس واللوحات الكبيرة، وغالباً ذات المعاني الدينية أو التاريخية لتخضع لتفسيرات المفسرين، من دون أن ننسى البورتريهات الشخصية أو الجماعية التي راح كل بيت بورجوازي يتفنن في الحصول على من يرسمها له.
غير أن ذلك كله يبدو على أية حال، عاجزاً عن تفسير أعمال مثل لوحات" الفصول"، أو أعمال من نوعية ما أنتجه على سبيل المثال بيتر بروغل الأكبر، في مجال بدا حاضراً عند غيره، لكنه وصل إلى حد الكمال لديه.
ولعلّ خير مثال على هذا لوحته" الأمثال الهولندية" التي يعتبرها البعض من عجائب الفن، فيما يطرح البعض الآخر أسئلة حائرة بصددها، ويفضل كثر التمتع بالعمل الفني من دون طرح أسئلة قد تقلل من تلك المتعة.
فلسفة الشعب على مسطح واحد، والحقيقة أننا إذ نقول هذا، نفكر بخاصة بلوحة ضخمة من لوحات بروغل الباقية في تصرف المشاهدين حتى اليوم معروضة، لكنها تحمل في عنوانها نوعاً من الخداع الذي يبديها بعيدة من موضوعها الأصلي.
فعنوان اللوحة الرسمي اليوم هو" الرداء الأزرق"، مع أن الرداء في حدّ ذاته لا يشغل مع لابسه سوى مساحة صغيرة جداً من اللوحة التي يصل ارتفاعها إلى نحو 163 سنتيمتراً وعرضها إلى نحو 117 سنتيمتراً، وهي مرسومة على مسطح خشبي، وبتلك الأواني الزيتية البراقة التي كان الهولنديون يمتلكون أسرارها في ذلك الزمن.
وعنوان" الرداء الأزرق" مأخوذ من ذلك الرداء الذي تلفّ به امرأة فاتنة جسم شخص من الواضح أنه زوجها الذي تريد من الرداء أن يغطيه كيلا يتمكن من مشاهدة خيانتها له، وهذا المعنى متضمن، بحسب التفسير الرائج، في أن تلك المرأة الزانية تستفيد من" عمى" زوجها لتمارس حياتها كما تريد بعيداً من رقابته.
ويتأتى اللون هنا من أن الأزرق كان يعتبر في التقاليد الاجتماعية الهولندية رمزاً للخيانة والغش.
ولكن لئن كان مشهد" الرداء الأزرق" يتوسط اللوحة، فإن ذلك لا يبرر بالطبع أولوية المعنى الذي يشغله فيها، فالمعنى المعبر عنه هنا ليس سوى واحد مما يقرب من 100 مثل شعبي وقول مأثور يأتي كل حيّز ولو صغير في اللوحة ليرسم، كاريكاتورياً غالباً، رسماً يعبّر عنه ويضعه كالمرأة المكبرة أمام أنظار الشعب المستعمل عادة تلك التعابير في حياته اليومية ولسان حاله يقول: إن هذا لا يحدث إلا للآخرين، لكن بروغل يأتي هنا في هذه اللوحة بالذات، ليخبره أنه يحدث له أيضاً، ومع ذلك من المؤكد أن تلك الغاية الأخلاقية الوعظية لم تكن دافع الفنان الأول.
عالم مجنون ومن هنا لا بدّ من أن نفترض أن هذه اللوحة، كما العديد من لوحات شعبية كثيرة أخرى للفنان الكبير نفسه، وهو الذي يحمل اسماً كان مؤسساً لعائلة كبيرة من فنانين أبناء له وأحفاد، حذوا حذوه في مهارته الفنية ولكن من دون أن يبلغ أي منهم عبقريته وقدرته على الابتكار على أية حال، هذه اللوحة إنما رسمت تحت تأثير فكر الفيلسوف الهولندي هو الآخر، إيرازموس كما عبّر عن ذلك في كتابه العمدة" في مديح الجنون".
فالحقيقة أننا وحتى خارج إطار البعد اللافت في بعده الأنثروبولوجي الواضح في اللوحة، نجد الجنون المعمم أول ما يطالع المتفرّج، وهو ينظر إلى اللوحة.
والجنون المعبر عنه بالتحديد من خلال تضارب الأمثال الشعبية التي تبدو اللوحة وكأنها تقدم لمشاهدها تنويعاً هائلاً عليها وعلى معانيها بوصفها، في مجملها، حكمة شعبية يمكن تحويلها على يد الباحثين إلى فلسفة متكاملة.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)أما التركيز على حكاية" الرداء الأزرق"، فهو تركيز قد لا يكون الرسام سعى إليه، لكنه يرتبط بتلك الحكاية العائلية التي تضفي على اللوحة كلها طابعاً واقعياً لا بدّ من تلمسه في خلفية الجنون البادي من خلال التفسير الذي يمكن للمشاهد أن يخوض فيه محاولاً إيجاد المعاني، ومن ثم الدلالات الكامنة في كل مشهد من المشاهد التي تزدحم اللوحة بها، في ما يمثله القول المأثور الذي تعبر عنه.
ويبدو أن لعبة التخمين والتفسير كانت رائجة من حول هذه اللوحة وما شابهها من لوحات.
ولقد تواصلت تلك اللعبة حتى أزمنتنا المعاصرة، إذ ظهر دارسون اشتغلوا على تلك المشاهد، واحداً واحداً، رابطين كل واحد منها بالمثل الذي يعبر عنه.
حكمة الفلسفة الشعبية، ولقد توصلت واحدة على الأقل من تلك الدراسات التفسيرية إلى ما يمكننا اعتباره" فك شيفرات" العديد من المشاهد (في ما لا يقل عن 80 حكمة أو مثل تنتشر على طول اللوحة وعرضها)، ودائماً من حول مركزية ذلك المثل المتعلق بالخيانة الزوجية و" الرداء الأزرق" الذي تعبر عنه، ومعناه الحرفي" أنها تلف زوجها برداء أزرق"، أي أنها تخدعه وتعمي عينيه كيلا يكتشف حقيقتها.
على هذا النحو تتتابع الأمثلة من" هناك من يحلق صوف الخروف ومن يحلق صوف الخنزير" (بمعنى أن الأخير لا ينتج شيئاً طالما أن صوف الخنزير لا يمكن استعماله، على عكس صوف الخروف)، إلى" عينه مفتوحة على زاوية الحجاب" (أي أنه قادر على رصد أي شيء يدور من حوله)، مروراً بالقول" إنه لمن الأسهل السباحة مع مجرى الريح"، و" هذا الشخص يقتل ذبابتين بضربة واحدة"، أو" أنه كمن يلتقط الأسماك بيده"، و" هذا الشخص جالس على فحمتين متقدتين"، ثم من" إنه يمشي منحنياً أمام العاصفة"، إلى" يتعلم الحلاق مهنته من قصه لحى المجانين"، مروراً بتعبير مثل" إنه يطبخ سمكة ليكتفي بأكل زعانفها"، أو" هذا الرجل يرمي الجواهر طعاماً للخنازير"، و" السمك الكبير يأكل السمك الصغير"، أو" هذا الرجل يحمل العالم على إصبعه" (كناية عن الإمكانات الفائقة لشخص من الأشخاص)، أو" هذا الشخص يعلق قبعته في أي مكان" (كمؤشر على انتهازيته على سبيل المثال).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك