خبرني - في السنوات الأخيرة شهدنا ولادة عشرات المبادرات الشبابية في الأردن حتى بات المشهد أشبه بموسم ربيعي تتفتح فيه المبادرات أكثر مما تتفتح فيه الأزهار(المبادرات صارت اكثر من الشباب نفسهم)وهذا بحد ذاته أمر يدعو للتفاؤل فالشباب عندما يتحركون فإن الوطن يكسب طاقة جديدة وعندما يبادرون فإن المجتمع يتنفس أملاً إضافياً.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هل ما زالت جميع هذه المبادرات تعمل لأهداف وطنية حقيقية أم أن بعضها انحرف عن المسار وتحول إلى منصات لصناعة الأسماء وتلميع الأشخاص.
للأسف أصبحنا نرى مبادرات تدور حول شخص أكثر مما تدور حول فكرة فبدلاً من أن يلتف الشباب حول مشروع وطني أصبح المشروع يلتف حول صاحبه وبدلاً من أن تكون المبادرة وسيلة لخدمة المجتمع أصبحت لدى البعض وسيلة لبناء النفوذ الشخصي وجمع الصور والعلاقات والألقاب.
وفي كثير من الأحيان يتحول النشاط إلى غاية بحد ذاته المهم أن نتحرك لا أن نُنجز والمهم أن نلتقط الصورة لا أن نترك الأثر والمهم أن نكتب منشوراً يقول" تشرفنا بزيارة" و" شاركنا في جلسة مع المسؤول فلان" و" التقينا المسؤول الفلاني" والأجمل من ذلك كله والي بصراحة بضحكني كثير لما واحد ينشر ستوري (قصة) صورته مع مسؤول ويكتب عليها “معالي العم” أو “معالي الخال” فتجد أن كل مسؤولي البلد عندهم مئات بل آلاف من أبناء الإخوة والأخوات.
أما السؤال عن الفائدة الحقيقية وعن ما الذي عاد على الشباب أو المجتمع من هذا النشاط فيبقى مؤجلاً إلى إشعار آخر.
وأحياناً تشعر أن بعض المشاركين لا يهمهم ما يدور داخل القاعة بقدر ما يهمهم من يجلس على المنصة(غالبا بكون قاعد على التلفون اثناء الجلسة) المهم بنسبة له ان يخرج بصورة مع مسؤول أو شخصية عامة وهكذا يعتبر أن المهمة قد اكتملت حتى لو لم يخرج من الجلسة بفكرة واحدة أو مشروع واحد أو حتى ملاحظة تستحق التدوين.
المشكلة هنا ليست في الصورة فالصورة جزء من العمل العام وليست في الظهور الإعلامي فهو حق مشروع لكل مبادرة ناجحة المشكلة عندما تصبح الصورة هي المشروع ويصبح الظهور هو الإنجاز ويصبح عدد المنشورات أهم من حجم الأثر.
والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح أن بعض المبادرات غير الموطنة تعمل اليوم في مساحات رمادية لا هي مؤسسات شبابية رسمية تخضع لمعايير واضحة ولا هي جمعيات أو هيئات منظمة وفق أطر رقابية محددة وهذا يخلق حالة من التشتت في الجهد الشبابي ويؤدي إلى بعثرة الطاقات والكفاءات بين عشرات العناوين واللافتات.
ومن هنا فإنني أوجه رسالة صادقة إلى وزارة الشباب ممثلة بمعالي وزير الشباب رائد العدوان لإعادة النظر في ملف المبادرات الشبابية بشقيه الموطنة وغير الموطنة.
وأما المبادرات الموطنة فإن الحاجة باتت ملحة لإعادة تقييم معايير الدعم والاعتماد فالمعيار الحقيقي لا يجب أن يكون عدد الأنشطة التي أقيمت بل حجم الأثر الذي تحقق لا نسأل كم فعالية نُفذت بل نسأل كم شاباً تغيرت حياته وكم فكرة تحولت إلى مشروع وكم مشكلة تم التعامل معها وكم قيمة وطنية تم ترسيخها.
فالفرق كبير بين نشاط يملأ جدولاً زمنياً ومبادرة تترك بصمة في المجتمع.
أما المبادرات غير الموطنة فمن الضروري وضع إجراءات أكثر صرامة لتنظيم عملها وتحركاتها وفق الأنظمة والقوانين ليس بهدف التضييق على الشباب كما قد يظن البعض وإنما بهدف حماية العمل الشبابي نفسه من الفوضى والاستعراض والممارسات الفردية فالكفاءات الشبابية الأردنية تستحق أن تعمل ضمن أطر مؤسسية واضحة ومرخصة وقادرة على الاستمرار وتحقيق الأثر.
ختاماً لا أحد يختلف على أهمية العمل الشبابي ولا أحد ينكر الجهود الكبيرة التي تبذلها الكثير من المبادرات المخلصة لكن النقد هنا ليس للشباب بل لثقافة بدأت تتسلل إلى بعض أوساط العمل الشبابي ثقافة ترى الكاميرا قبل أن ترى القضية وترى المنصة قبل أن ترى الرسالة.
والوطن يا جماعة الخير لا يحتاج إلى مزيد من الصور التذكارية بقدر ما يحتاج إلى شباب سناعيس يعرفون أن خدمة الوطن ليست منشوراً على وسائل التواصل ولا بطاقة تعريف مزخرفة بل عمل حقيقي يبقى أثره حتى بعد أن تنطفئ أضواء الكاميرات وتُطوى لافتات الفعاليات.
فالمبادرات الوطنية الحقيقية لا تُقاس بعدد الصور التي التُقطت بل بعدد القصص التي تغيرت وعدد الفرص التي صُنعت وعدد الشباب الذين أصبحوا أكثر قدرة على خدمة وطنهم وأمتهم وقيادتهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك