قالت جريدة «فاينانشيال تايمز» البريطانية إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يشيد باتفاق يؤكد «قدرة إيران على الصمود أمام القصف الأميركي والإسرائيلي، فضلا عن تعزيز نفوذها من خلال تعطيل تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز»، على النقيض من تصريحاته في أيام الحرب الأولى التي أكد فيها أنه «لن يكون هناك أي اتفاق سوى الاستسلام غير المشروط».
واستعرضت الجريدة، في تقرير نشرته اليوم الإثنين، آراء محللين ومراقبين بشأن الاتفاق بين طهران وواشنطن.
وفي حين يقول مسؤولون أميركيون إن الاتفاق لن يقتصر على إعادة فتح المضيق، بل سيمثل أيضا مسارا نحو تفكيك البرنامج النووي الإيراني، وهو أحد المطالب الرئيسية لترامب.
يرى آخرون أن الاتفاق يؤجل القضايا الأساسية إلى مراحل لاحقة ويكشف المعضلة التي واجهها ترامب خلال أكثر من 100 يوم من الصراع.
في هذا الإطار، نقلت «فاينانشيال تايمز» عن المسؤول الأميركي السابق، دان شابيرو: «إنه اتفاق ضعيف للغاية بالنسبة للولايات المتحدة مقارنة بالأهداف المعلنة في بداية الحرب.
فهو يركز بشكل أساسي على إعادة فتح المضيق، الذي أصبح القضية الأكثر أهمية، لكنه يُظهر في الوقت نفسه حجم النفوذ الذي امتلكته إيران لإقناع ترامب بأن إنهاء الحرب حتى بشروط ضعيفة أفضل من استمرارها».
- وزير الدفاع الإسرائيلي: لن نسحب قواتنا من لبنان وسورية وغزة- رئيس وزراء باكستان: الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران خطوة تاريخية نحو السلامفي حين أشار محللون آخرون إلى أن الطرفين كانا يرغبان في التوصل إلى اتفاق، لكن ترامب واجه خيارات متزايدة الصعوبة بعد أن شجعه رئيس الوزراء الإسرائيلي، المطلوب في جرائم حرب من المحكمة الجنائية الدولية، بنيامين نتنياهو، على خوض الحرب.
وأضافوا أنه في حال صعدت الولايات المتحدة هجماتها كما هدد ترامب، فإن طهران، رغم الأضرار التي لحقت بها، كانت سترد باستهداف حلفاء واشنطن في الخليج وتفاقم أزمة الطاقة.
أما استمرار الوضع القائم فكان سيؤدي إلى مزيد من الضرر للاقتصاد العالمي.
إلى ذلك، قال المحلل في مجموعة الأزمات الدولية، علي واعظ: «كنا أمام معادلة خاسرة للطرفين، ولو استمرت الحرب لكان البديل أسوأ للجميع».
في حين قال دبلوماسي مطلع على المفاوضات إن التمديد لمدة 60 يوما يمنح الطرفين مكاسب متبادلة، إذ يمدد وقف إطلاق النار ويعيد فتح المضيق ويهيئ الأرضية لمفاوضات نووية في أجواء أقل ضغطا على إيران، مضيفا أن «أكبر خطأ هو الاعتقاد بأن هذا هو الاتفاق النهائي».
وبموجب مذكرة التفاهم التي اتفقت عليها الولايات المتحدة وإيران، سيتم تمديد وقف إطلاق النار الهش، الذي بدأ في 8 أبريل، لمدة 60 يوما إضافية.
وخلال هذه الفترة ستعيد إيران فتح مضيق هرمز تدريجيا وتعمل على إزالة الألغام من دون فرض رسوم على حركة الشحن.
ومن شأن ذلك معالجة أحد أبرز مخاوف ترامب، وهو تخفيف أزمة الطاقة العالمية التي أشعلتها الحرب، في وقت تجاوزت فيه أسعار البنزين في الولايات المتحدة أربعة دولارات للغالون قبل أشهر من انتخابات التجديد النصفي التي يواجهها الحزب الجمهوري.
وأضاف الدبلوماسي أن الحديث عن «استسلام كامل» لم يكن واقعيا، وأن الولايات المتحدة تدرك ذلك.
وقال: «إنهم يعتقدون أنهم يستطيعون التعامل مع الحكومة الحالية.
أما السعي إلى الاستسلام الكامل فسيؤدي إلى تقوية المتشددين داخل إيران ويفضي إلى وضع أسوأ.
هذا اتفاق يهدف إلى تحقيق استقرار طويل الأمد».
وبموجب الاتفاق، تؤكد إيران مجددا أنها لن تسعى إلى امتلاك أو تطوير أسلحة نووية.
كما اتفقت طهران وواشنطن على معالجة مصير مخزون اليورانيوم المخصب عبر آلية متفق عليها، على أن يكون الحد الأدنى من الالتزامات تخفيف جميع كميات اليورانيوم داخل إيران تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وتملك إيران أكثر من تسعة آلاف كيلوغرام من اليورانيوم المخصب، معظمها بمستويات منخفضة، بينما يوجد نحو 440 كيلوغرامًا مخصبا بدرجات تقترب من مستوى الاستخدام العسكري، وهي الكميات التي يصفها ترامب بـ«الغبار النووي».
وعلى الرغم من مطالبة ترامب المتكررة بتخلي إيران عن هذا «الغبار النووي»، فإن المفاوضات الحاسمة بشأن البرنامج النووي لن تبدأ فعليا إلا بعد التوقيع الرسمي على مذكرة التفاهم الجمعة المقبلة، في حين تُعرف إيران بإطالة أمد المفاوضات.
في المقابل، لطالما أكدت إيران أنها لا تسعى إلى امتلاك أسلحة نووية، مستندة إلى فتوى أصدرها المرشد الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي تحظر استخدام الأسلحة النووية، على الرغم من استمرارها في تخصيب اليورانيوم إلى مستويات قريبة من الاستخدام العسكري.
في سياق متصل، يشير محللون إلى أن النظام في طهران لا يظل صامدا بشكل كبير وقادرا على شن هجمات تستهدف القواعد العسكرية الأميركية والحلفاء في الخليج، على الرغم من الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها إيران العام الماضي، بداية من الحرب الإسرائيلية التي استمرت 12 يوما في يونيو 2025 والقصف الأميركي للمواقع النووية الرئيسية، ثم تكررت مع انضمام ترامب إلى نتنياهو في الهجوم الذي انطلق في 28 فبراير.
وفي الموجة الأولى من الحرب، أسفرت الضربات الإسرائيلية عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، إضافة إلى عدد من كبار المسؤولين العسكريين والقادة الأمنيين.
كما أدت الضربات الأميركية والإسرائيلية إلى إضعاف قدرات إيران الصاروخية والطائرات المسيّرة وإلحاق أضرار كبيرة بقطاعات الصلب والبتروكيماويات التي تشكل مصدرًا رئيسيًا للإيرادات غير النفطية.
وعلى الرغم من ذلك، بحسب «فاينانشيال تايمز»، ظل النظام قائما في طهران، وتولى مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى، بينما تعزز نفوذ الحرس الثوري الإيراني الذي قاد الرد العسكري الإيراني.
كما أثبتت طهران قدرتها على إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، إضافة إلى قدرتها على تنفيذ ضربات دقيقة ضد دول الخليج والقواعد الأميركية في المنطقة.
في سياق متصل، يشكك بعض المحللين في قدرة الاتفاق على الانتقال إلى المرحلة التالية، مستشهدين بخطة ترامب لإنهاء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي بقيت عالقة في مرحلتها الأولى منذ الإعلان عنها.
وقالت المحللة في مؤسسة «تشاتام هاوس»، سنم وكيل: «الولايات المتحدة وإيران تحتجزان بعضهما البعض رهينة؛ واشنطن عبر العقوبات والتهديد بالضربات العسكرية، وطهران عبر مضيق هرمز.
لذلك فإن الأزمة لم تنتهِ فعليا، لكن مع ترامب قد تستمر هذه المرحلة لأكثر من 60 يوما، وهو أمر ينطوي على مخاطر».
في حين أشار خبراء آخرون إلى أن «إسرائيل»، التي تعتمد على أنظمة الدفاع الأميركية، ستواجه صعوبة في تنفيذ عمليات عسكرية واسعة ضد إيران من دون دعم واشنطن، كما أن نتنياهو، الذي يستعد لانتخابات لاحقا هذا العام، لا يرغب في الدخول في مواجهة علنية جديدة مع رئيس أميركي.
يأتي ذلك فيما أكد مسؤولون إسرائيليون عزمهم مواصلة استهداف ما يعتبرونه تهديدات في مختلف الساحات، بما في ذلك لبنان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك