في أقصى جنوب شرق مصر، حيث تمتد جبال الصحراء الشرقية وتتداخل مع الوديان والرمال في منطقتي حلايب وشلاتين، يواصل أبناء قبيلتي البشارية والعبابدة الحفاظ على نمط حياة ارتبط بالبيئة الصحراوية القاسية، مستندين إلى عادات وتقاليد توارثوها عبر أجيال متعاقبة، شكلت جزءًا أصيلًا من هويتهم الثقافية والاجتماعية.
الليكاب عنوان الضيافة في الصحراءمن جانبه قال يوسف سعد أحد ايناذ القبائل جنوب البحرالأحمر أن أبرز المظاهر التراثية التي لا تزال حاضرة في حياة أبناء القبائل البدوية ما يعرف بـ" الليكاب"، والذي يطلق عليه أيضًا" التخيمة" أو" الليكا"، والذى يعد هذا المكان بمثابة بيت للضيافة يستقبل الزائرين والعابرين، ويجسد قيم الكرم والترحاب التي اشتهرت بها قبائل الجنوب على مدار عقود طويلة.
وأضاف ابن قبيلة العبابدة أن الليكاب عادة في موقع واضح وقريب من مساكن القبيلة، ليكون أول ما يلفت انتباه الزائر عند وصوله، كما يمثل علامة تدل على وجود السكان في المنطقة حتى وإن كانوا بعيدين مؤقتًا في رحلات الرعي أو البحث عن مصادر المياه.
وكشف ان يعتمد بناء الليكاب على مواد طبيعية بالكامل، حيث يستخدم الأهالي جذوع الأشجار الجافة التي يتم جمعها من الأودية والمناطق الجبلية، ثم ترتب بعناية وفق أساليب تقليدية متوارثة دون الاستعانة بالمسامير أو الأدوات المعدنية الحديثة.
وتستخدم سعف النخيل لسد الفراغات بين الجذوع وتوفير الظل والحماية من حرارة الشمس والأمطار، بينما يفرش المكان بالصوف وتجهيزات المعيشة البسيطة، إلى جانب قربة المياه المصنوعة من جلد الماعز، والتي تتميز بقدرتها على الحفاظ على برودة المياه رغم ارتفاع درجات الحرارة.
تحظى الضيافة داخل الليكاب بمكانة خاصة لدى أبناء البادية، حيث تبدأ مراسم الاستقبال بتقديم الحليب الطازج وخبز" العيش الجابوري" المحلي، ثم يقدم مشروب" الجبنة" التقليدي المصنوع من البن المحمص والمغلي في أوان نحاسية.
وفي كثير من المناسبات، يحرص صاحب المضيف على تقديم ذبيحة من الأغنام للضيف، تعبيرًا عن الترحيب والتقدير، في مشهد يعكس عمق قيم الكرم والشهامة المتجذرة في ثقافة القبائل البدوية بالمنطقة.
من جانبه قال أدم سعد الله احد أبناء قبيلة العبابدة ومدينة الشلاتين أن بناء الليكاب يتطلب خبرة خاصة ومعرفة دقيقة بطبيعة البيئة الصحراوية، إذ يتم اختيار الجذوع بعناية لضمان تماسك الهيكل وقدرته على مقاومة الظروف المناخية المختلفة دون الحاجة إلى وسائل بناء حديثة.
وتنتشر هذه المضائف التراثية في عدد من المناطق الجنوبية، من بينها وادي العلاقي وهييبا وغرب الشلاتين، حيث أصبحت جزءًا من المشهد الصحراوي وعلامة مميزة تدل على وجود القبائل واستقرارها.
حكايات البادية بين جدران الليكابولا يمثل الليكاب مجرد مأوى أو بناء تقليدي، بل يعد رمزًا ثقافيًا وإنسانيًا يجسد العلاقة الوثيقة بين الإنسان والبيئة المحيطة به، وقدرته على التكيف مع قسوة الطبيعة مع الحفاظ على قيمه الأصيلة.
وبين جدرانه البسيطة تختزن حكايات البادية وذكريات الأجيال، لتبقى مضائف الليكاب شاهدًا حيًا على أصالة الضيافة العربية والتراث العريق الذي ما زال نابضًا بالحياة في جنوب البحر الأحمر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك