القدس العربي - هل بدأت مرحلة “قطارات الهلال السني؟”… وفد أردني زار دمشق وإعلان تركي عن سكك حديدية العربية نت - "سبيس إكس" تستحوذ على "أنيسفير" للذكاء الاصطناعي مقابل 60 مليار دولار الجزيرة نت - "سلمى".. وجهة سياحية في اللاذقية تنتظر التعافي بعد سنوات الدمار يني شفق العربية - النفط ينخفض 2 بالمئة متأثرا باتفاق واشنطن وطهران وكالة شينخوا الصينية - الخارجية الصينية: الصين توفر مناخا خصبا للابتكار أمام الشركات من جميع أنحاء العالم وكالة الأناضول - أمير قطر يؤكد أهمية استكمال اتفاق واشنطن وطهران واستعداده للمساعدة القدس العربي - تقارير: هيرفي رينار قَبِل بتنازلات كبيرة في أجره لقيادة منتخب تونس قناة الغد - سموتريتش يعلن إلغاء اتفاقيات الخليل ونقل الصلاحيات لإسرائيل فرانس 24 - مونديال 2026: كلوب يتعرض لانتقادات بسبب سخريته من ناغلسمان القدس العربي - سموتريتش يدعو لخفض أسعار الفائدة في إسرائيل مع استقرار التضخم
عامة

حين تصبح الحماية مصدرًا للخطر

إيلاف
إيلاف منذ 58 دقيقة

في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 روى المحامي الإسرائيلي بن مرماريلي قصة تبدو للوهلة الأولى مستحيلة. فقد طلب منه معتقل فلسطيني يمثله قانونيًا ألا يزوره مرة أخرى.تبدو الجملة غير قابلة للتصديق. فالمحامي ه...

في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 روى المحامي الإسرائيلي بن مرماريلي قصة تبدو للوهلة الأولى مستحيلة.

فقد طلب منه معتقل فلسطيني يمثله قانونيًا ألا يزوره مرة أخرى.

تبدو الجملة غير قابلة للتصديق.

فالمحامي هو، في الظروف العادية، آخر ما يتبقى للسجين عندما تُغلق الأبواب كلها.

هو الصلة بالعائلة، وبالعالم الخارجي، وبالمحكمة، وبالفكرة الأساسية التي تقوم عليها سيادة القانون: أن هناك سلطة تقف فوق السجان كما تقف فوق السجين.

ومع ذلك كان هذا المعتقل مقتنعًا بأن زيارة المحامي تجلب العقوبة لا الحماية.

لم يروِ مرماريلي هذه الحادثة مرة واحدة ثم اختفت.

فقد عاد إليها في مقابلات متعددة، ووصف شهادات لمعتقلين قالوا إنهم كانوا يُنقلون قبل الزيارات القانونية وهم معصوبو الأعين ومقيدو الأطراف، ويُجبرون على أوضاع مؤلمة، ويتعرضون للضرب والإهانة، وفي بعض الحالات للاعتداء الجنسي.

خطورة هذه الروايات لا تكمن فقط في طبيعة ما تصفه، بل في أنها لا تقف منفردة.

خلال العامين الماضيين وثق معتقلون سابقون ومحامون فلسطينيون ومنظمات حقوقية إسرائيلية وأطباء وخبراء أمميون وصحافيون روايات متشابهة بصورة لافتة عبر مرافق احتجاز مختلفة.

تختلف التفاصيل من شهادة إلى أخرى، لكن النمط يتكرر باستمرار: تعصيب للأعين، تقييد طويل الأمد، أوضاع إجهاد قسري، ضرب، إذلال، إهمال طبي، ترهيب يحيط بالتمثيل القانوني، وشكاوى لا يبدو أنها تفضي إلى نتائج ملموسة.

هنا يتغير السؤال.

لم يعد الأمر يتعلق بما إذا كان سجين واحد يقول الحقيقة أو ما إذا كان حارس واحد قد تجاوز صلاحياته.

عندما تتكرر الشهادات عبر مؤسسات مختلفة ومن أشخاص لا تربطهم صلات مباشرة، يصبح السؤال مؤسسيًا.

ما الذي يسمح لهذا النمط بالظهور والاستمرار؟تكمن أهمية هذا التحول في أن المؤسسات الحديثة لا تُقاس فقط بما يحدث داخلها، بل بكيفية استجابتها لما يحدث داخلها.

فكل مؤسسة تضم أفرادًا قد يسيئون استخدام السلطة.

المعيار الحقيقي هو ما إذا كانت الانتهاكات تُكشف، وما إذا كان المسؤولون عنها يُحددون، وما إذا كانت الأدلة تؤدي إلى مساءلة فعلية.

ولهذا فإن القلق المتزايد لدى منظمات حقوق الإنسان لا يتعلق فقط بوقوع الانتهاكات، بل بغياب المحاسبة التي يفترض أن تعقبها.

وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 خلصت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب إلى أن التعذيب وسوء المعاملة بحق المعتقلين الفلسطينيين أصبحا واسعَي النطاق ومنهجيين، وأن مناخًا من الإفلات من العقاب استمر بالرغم من تراكم الشهادات والادعاءات.

وقد رفضت السلطات الإسرائيلية هذه الاستنتاجات ووصفتها بأنها مسيسة وغير دقيقة.

لكن الخلاف حول التوصيف لا يزيل السؤال الأساسي.

إذا كانت الادعاءات غير صحيحة، فلماذا تستمر في الظهور عبر هذا العدد من المصادر المختلفة؟ وإذا كانت صحيحة، فلماذا يبدو أن القليل منها فقط يؤدي إلى نتائج قانونية واضحة؟ربما يكون العنصر الأكثر دلالة في هذه الروايات هو عصابة العينين.

للوهلة الأولى تبدو مجرد أداة للسيطرة الجسدية.

لكنها تؤدي وظيفة أكثر تعقيدًا.

فهي تمنع التعرف إلى المعتدي، وتصعّب بناء الشهادة، وتجعل عملية الإثبات أكثر هشاشة.

العصابة تحول العنف إلى مشكلة أدلة.

فالسجين الذي لا يرى لا يستطيع بسهولة أن يحدد من ضربه أو من أهانه أو من اعتدى عليه.

وعندما تأتي لحظة التحقيق أو الشهادة أو التقاضي، تكون القدرة على تحديد المسؤول قد تعرضت للتآكل مسبقًا.

لكن وظيفة العصابة لا تتوقف عند هذا الحد.

فهي تزرع الشك وعدم اليقين.

لا يعرف السجين من يراقبه، أو إلى أين يُنقل، أو ما الذي ينتظره بعد دقائق.

والنتيجة ليست ألمًا جسديًا فحسب، بل حالة من التفكك المعرفي.

يفقد الإنسان ليس فقط حريته، بل اليقين الضروري لفهم ما يحدث له.

ولهذا لم يكن التعذيب عبر التاريخ مجرد وسيلة لاستخراج المعلومات.

ففي كثير من الأحيان كان هدفه الأعمق إنتاج العجز وإعادة تشكيل الإدراك.

يتعلم السجين أن المؤسسة لا تتحكم فقط في جسده وحركته، بل في الشروط التي تسمح للحقيقة بأن تُعرف أصلًا.

وهنا تكتسب زيارة المحامي أهمية خاصة.

فالمحامي يفترض أن يكون الحد الفاصل بين السلطة المطلقة والرقابة القانونية.

وجوده يعني أن هناك عينًا أخرى تنظر، وصوتًا آخر يسمع، وسلطة أخرى يمكن اللجوء إليها.

إنه يحمل المعلومات إلى الخارج ويعيد شيئًا من المساءلة إلى الداخل.

لكن إذا أصبح السجين يخشى زيارة محاميه، فإن معنى الزيارة ينقلب بالكامل.

لا يحدث العنف بالرغم من العملية القانونية.

عند هذه النقطة تتوقف الإجراءات القانونية عن العمل بوصفها حاجزًا أمام الإكراه، وتتحول إلى إحدى القنوات التي يُمارس عبرها الإكراه نفسه.

الرسالة التي يتلقاها السجين ليست أن الحماية غائبة فقط، بل أن الوسيلة المفترضة للحماية أصبحت جزءًا من التجربة التي يخشاها.

فالسجين الذي يخشى المحقق ما زال داخل علاقة مألوفة من علاقات السيطرة.

أما السجين الذي يخشى محاميه فقد دخل شيئًا آخر.

ومن هنا ينتقل النقاش من السجن إلى الدولة الحديثة نفسها.

فالصورة التقليدية للقمع تقوم على السرية: غرف مغلقة، أدلة مخفية، وشهود صامتون.

غير أن كثيرًا من الأنظمة المعاصرة تعمل بطريقة مختلفة.

المشكلة ليست أن شيئًا لا يُرى.

المشكلة أن شيئًا لا يترتب عليه.

تُنشر التقارير.

تُجمع الشهادات.

تُرفع الشكاوى.

تظهر الأدلة الطبية.

وتصدر نتائج التحقيقات.

ومع ذلك تبقى المسافة بين المعرفة والمساءلة قائمة.

ولعل الكاميرات تقدم المثال الأكثر وضوحًا على ذلك.

فمنذ عام 2018 جرى تركيب كاميرات في غرف التحقيق الإسرائيلية تنقل الصور إلى غرف مراقبة خارجية.

وعندما سألت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب عن عدد الحالات التي شاهد فيها المشرفون انتهاكات عبر هذه التسجيلات، وعدد القضايا التي أُحيلت للملاحقة نتيجة لذلك، لم يأتِ جواب واضح.

العنف، وفق هذا التصور، ليس مخفيًا عن السلطة.

هذه هي المفارقة التي تعجز الصورة التقليدية للقمع عن استيعابها.

فالكاميرا صُممت لكي تكون شاهدًا دائمًا، لكنها لا تفرض شيئًا بذاتها.

التسجيل يقيد فقط من يخشى العواقب.

أما إذا كانت العواقب غائبة، فإن الكاميرا لا تكبح السلطة بل تصبح شاهدًا على ثقتها بأنها لن تُحاسب.

توجد اللقطات.

ولا توجد النتائج التي يفترض أن تنتج عنها.

ومن هنا يمكن فهم الإفلات من العقاب بطريقة مختلفة.

فهدفه ليس دائمًا منع المعرفة.

بل منع العواقب.

لا تحتاج المؤسسة إلى إسكات كل رواية أو إخفاء كل دليل.

يكفي أن تظل كل قضية معلقة، وكل ادعاء محل نزاع، وكل نتيجة مؤجلة إلى أجل غير معلوم.

توجد أدلة تكفي لإثارة الجدل.

لكن لا توجد مساءلة تكفي لإنهائه.

وهذا هو ما يمنح المؤسسة دفاعها الأكثر فعالية: أن يبقى كل شيء موضع خلاف إلى الأبد.

لهذا تكتسب قصة المعتقل الذي طلب من محاميه ألا يزوره أهمية تتجاوز حدود حادثة فردية.

فالقضية ليست مجرد رواية عن سجين خائف، بل عن العلاقة بين القانون والسلطة، وبين الرؤية والمحاسبة، وبين وجود الإجراءات ووجود الحماية.

عندما يسمع القارئ هذه القصة للمرة الأولى تبدو غير منطقية.

كيف يمكن لإنسان أن يخشى الشخص الوحيد الذي يفترض أن يدافع عنه؟لكن كلما تراكمت الشهادات والوقائع، بدا الطلب أقل غرابة.

كان السجين قد فهم شيئًا ما زال الآخرون يناقشونه.

فهم أن وجود الإجراءات القانونية ليس هو الحماية.

وفهم أن الرؤية ليست هي المساءلة.

وفهم أن المؤسسات تستطيع الحفاظ على مظهر الرقابة بينما تقطع الصلة بين الرقابة والنتيجة.

لهذا طلب من محاميه ألا يأتي.

ولهذا ينبغي أن يزعجنا الطلب أكثر مما يزعجنا الجواب.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك