تشهد سوريا مرحلة جديدة من التحولات الاقتصادية والاستثمارية، تتقاطع فيها جهود إعادة بناء قطاعها الزراعي مع انفتاح متزايد على استكشاف موارد الطاقة.
وفي هذا السياق، برزت اتفاقيات استراتيجية كبرى تجمع بين مؤسسات دولية وشركاء محليين، بهدف تعزيز الأمن الغذائي من جهة، وإحياء قطاع النفط والغاز من جهة أخرى، بما يفتح آفاقاً واسعة للتنمية المستدامة وخلق فرص العمل.
شراكة استراتيجية لتعزيز الأمن الغذائي والصناعة الزراعيةوأعلنت شركة ترياكي سوريا، التابعة لشركة ترياكي أناضولو التركية والتي تملكها بالكامل مجموعة ترياكي آغرو العالمية الرائدة، عن توقيع اتفاق تعاون استراتيجي مع الصندوق السيادي السوري للتنمية، بهدف دعم قطاع الصناعات الزراعية وتعزيز الأمن الغذائي في سوريا.
حضر مراسم التوقيع عدد من المسؤولين، بينهم رئيس الصندوق، مازن الصالحاني، ورئيس مديرية الأغذية والأعلاف باسل أيوب، إضافة إلى مدير شركة تيرياكي سوريا هاشم شعشاع، إلى جانب ممثلين عن الدوائر القانونية والمالية في الصندوق.
يهدف المشروع إلى تأسيس منشأة صناعية تُعد مركزاً محورياً لمعالجة الزيوت النباتية والأعلاف والدواجن والثروة الحيوانية، حيث ستعمل هذه المنشأة على معالجة نحو 300 ألف طن من فول الصويا سنوياً، إلى جانب معالجة 100 ألف طن من بذور دوار الشمس سنوياً، بقيمة إنتاجية تقديرية تصل إلى 500 مليون دولار سنوياً.
ومن المتوقع أن يسهم هذا المشروع في تعزيز سلاسل القيمة الزراعية داخل سوريا، ورفع كفاءة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
لابد لهذه المنشأة أن تستفيد من خبرة تمتد لأكثر من 60 عاماً تتمتع بها مجموعة ترياكي آغرو في مجال اللوجستيات وإدارة العمليات وسلاسل الإمداد الزراعي، كما يشكل تطوير رأس المال البشري ركيزة أساسية في الاتفاق، حيث يُتوقع أن يشكل السوريون ما لا يقل عن 75% من القوى العاملة، مع تنفيذ برامج تدريب وتأهيل لتمكين الكوادر المحلية من إدارة وتشغيل وتسويق الإنتاج بصورة مستقلة.
ويمتد الاتفاق لمدة 10 سنوات تشغيلية، ما يعكس رؤية طويلة الأمد لبناء قطاع صناعي زراعي مستدام، وخلق فرص عمل واسعة داخل البلد.
هيئة التخطيط والإحصاء تبدأ مسحا جديدا لتقييم الأمن الغذائي في سورياتطور لافت في قطاع الطاقة السوريفي سياق موازٍ، أعلنت شركة AXP Energy الأسترالية عن تحصيلها لموقع استراتيجي في قطاع النفط السوري، وذلك عبر اتفاق ينص على" دخولها بصورة تدريجية" إلى سوريا، بما يمنحها الحق في اكتساب حصة تشغيلية تبلغ 25% في منطقة الامتياز المتمثلة بالبلوك رقم 9.
ويقع البلوك 9 ضمن حوض التدمرية في شرقي سوريا، ويمتد على مساحة تقارب 10,039 كيلومتراً مربعاً، ويُعد من أهم الأنظمة الجيولوجية الهيدروكربونية في المنطقة.
وقد كشفت تقييمات مستقلة أجرتها شركة" RPS Energy" الاستشارية العالمية عن وجود موارد كبيرة، تشمل: 338 مليون برميل للنفط المكافئ في حقل" إثريا – 1"، إلى جانب 102 مليون برميل من حقل" البشير-1"، وإمكانات قد تصل في أقصى حالاتها إلى 943 مليون برميل نفط مكافئ.
استفاد الموقع من استثمارات سابقة بلغت قيمتها 25 مليون دولار بين عامي 2007 و2011، شملت مسوحات زلزالية واسعة وحفر آبار تجريبية.
أتى هذا التطور بعد سلسلة من التغييرات الدولية، أبرزها رفع تدريجي للعقوبات الأوروبية والبريطانية والأسترالية والأميركية عن سوريا خلال عام 2025، فشمل ذلك إلغاء" قانون قيصر" الأميركي في كانون الأول من العام نفسه.
وهذا الانفتاح في القوانين، إلى جانب الإصلاحات القانونية التي شملت القوانين المتعلقة بتملك الأجانب في سوريا، أسهمت في جذب اهتمام مزيد من المؤسسات المالية والشركات الطاقة العالمية، وعلى رأسها شيفرون، وكونكوفيليبس وتوتال، وجميعها يركز حالياً على إعادة تأهيل الحقول وزيادة الإنتاج.
إعادة تشغيل بئرين في حقل التنك النفطي بدير الزور.
كم تبلغ إنتاجيتهما؟تعكس هذه الاتفاقيات المتوازية بين القطاعين الزراعي والطاقة ملامح مرحلة جديدة في سوريا، تقوم على إعادة بناء الاقتصاد من خلال شراكات استراتيجية طويلة الأمد.
فمن جهة، يمثل الاستثمار في الصناعات الزراعية خطوة أساسية نحو تعزيز الأمن الغذائي وخلق قيمة مضافة محلية، ومن جهة أخرى، يفتح قطاع الطاقة الباب أمام موارد طبيعية ضخمة يمكن أن تسهم في دعم الاقتصاد الوطني.
وبين الغذاء والطاقة، تبدو سوريا أمام فرصة لإعادة رسم نهجها التنموي على أسس أكثر استدامة وانفتاحاً، إذا ما استمرت هذه المبادرات ضمن بيئة مستقرة وشراكات دولية فاعلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك