بين ارتياح حذر وتوجس عميق، يتفاعل الشارع الإيراني مع اتفاق طهران وواشنطن في ظل أزمة اقتصادية تعمقت بفعل تداعيات الحرب واستهداف البنى الاقتصادية، وسط تحذيرات من أن استمرار الضغوط قد يعيد إشعال موجات احتجاج في الشارع الإيراني خلال الأشهر المقبلة.
فبعد شهور من المواجهات والتصعيد والحصار البحري غير المسبوق، يجد الإيرانيون أنفسهم أمام مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب وفتح مسار سياسي جديد.
غير أن وقع اتفاق طهران وواشنطن في إيران لا يبدو موحداً، فلا هو أنهى حالة عدم اليقين ولا حسم الجدل في البلاد، إذ تتباين النظرة إلى الاتفاق بين من يرى فيه" انتصاراً" وفرصة لالتقاط الأنفاس وتخفيف الضغوط الاقتصادية، ومن يشكك في استمراريته أو يعارضه من حيث المبدأ، سواء من مؤيدي الثورة الإسلامية أو معارضيها.
من جهة أخرى، يفضل كثيرون التريث وربط الحكم على نتائج مذكرة التفاهم بما ستؤول إليه المفاوضات المرتبطة بالاتفاق النووي خلال الشهرين المقبلين.
في هذا الصدد، يقول الخبير الإيراني صلاح الدين خدیو، لـ" العربي الجديد"، إن الرأي العام في إيران ينقسم إلى ثلاثة اتجاهات على الأقل.
ويوضح أن هناك فئة، والتي شارك جزء منها في تجمعات ليلية مؤيدة للثورة، ترى أن الحرب أفضت إلى خلق موقع جيوسياسي جديد لإيران في الجنوب على مستوى الخليج.
وتعتبر هذه الفئة، وفق خديو، أن فشل الولايات المتحدة في إسقاط النظام السياسي (الإيراني) يُعد مؤشراً إلى تحقيق انتصار، مضيفاً أن هذا الشعور دفع شرائح في هذه الفئة إلى الدعوة لمواصلة الحرب أو الاستمرار في السياسات الحالية دون تغيير، بل واعتبار أي نوعاً من التنازل في ظل عدم الثقة بواشنطن وتل أبيب.
ويشير خدیو إلى أن هناك فئة أخرى هي معارضة تشعر بخيبة أمل وتردد أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب" خان" توقعاتها بإحداث تغيير ذي معنى في إيران، مرجحاً احتمال عودة الاضطرابات ما لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي واسع النطاق يضع حداً للأزمة الاقتصادية.
أما الفئة الثالثة فهي شريحة واسعة تراقب المستجدات بقلق وأمل، ومن دون انتماء إلى صف المؤيدين أو المعارضين، غير أنها تمثل طبقة متذمرة بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية.
هذه الفئة تخشى الحرب لكنها في الوقت ذاته ليس متفائلا كثيرا أن يحقق اتفاق طهران وواشنطن نفراجة كبيرة في الوضع.
جواد قاسمي، وهو إيراني متخصص في تكنولوجيا المعلومات، يرى أن الاتفاق المؤقت قد يترك أثراً على المدى القصير، خصوصاً بعد رفع الحصار، لكنه لا يتوقع أن تكون له نتائج بعيدة المدى.
ويقول لـ" العربي الجديد"، من شرق طهران، إن التجارب السابقة مع الولايات المتحدة التي يعتبر أنها" أخلت بتعهداتها مرات عدة"، تجعل من الصعب الوثوق باستمرارية أي تفاهم.
وفي رأيه، فإن ما أُعلن حتى الآن لا يكفي للقول إن شبح الحرب ابتعد نهائياً، بل ربما جرى تأجيلها مؤقتاً.
ورداً على سؤال حول من انتصر في الحرب، يجيب قاسمي أن الحروب بطبيعتها لا تحمل معنى النصر الكامل لأي طرف، لكنها تنطوي على خسائر متبادلة، مضيفاً أن إيران أظهرت قوة وقدرة ربما كانت تُذكر سابقاً في الخطاب أكثر مما كانت مثبتة عملياً.
ويقول إن المرحلة الأولى من اتفاق طهران وواشنطن" لن تُحدث تغييراً كبيراً"، على أن يتوقف التأثير الفعلي على ما ستسفر عنه المرحلة الثانية، ولا سيما في ما يتعلق برفع العقوبات.
من جهتها، ترى الناشطة الإعلامية الإيرانية سونيا سرلك أن اتفاق طهران وواشنطن قد يُحدث أثراً إيجابياً مرحلياً، لكن الحكم عليه يتطلب انتظار نتائجه الاقتصادية الملموسة في حياة الناس، مشيرة في حديث لـ" العربي الجديد"، إلى أن بعض المشكلات الداخلية لا ترتبط مباشرة بهذا التفاهم.
وفي اعتقادها، فإن الحرب توقفت ولو مؤقتاً نتيجة تراجع الإرادة الأميركية في العودة إلى المواجهة، لكنها لم تستبعد أن يكون الاتفاق وسيلة لكسب الوقت تمهيداً لتحرك لاحق، مضيفة أن المشكلة الأساسية تبقى في إسرائيل وسياساتها العدوانية.
الناشطة الإعلامية الإيرانية سونيا سرلك ترى أن حالة عدم اليقين السائدة في البلاد لا تزال قائمة بسبب التشكيك في التزام واشنطن بتعهداتهامن وجهة نظر سرلك، فإن إيران كانت الطرف الأقوى في ميدان الحرب بإظهارها القدرة على الصمود رغم الضغوط الاقتصادية والتحديات العسكرية، لكنها تقول إن الحكم على من ربح الاتفاق يتعذر قبل الاطلاع على بنوده الكاملة.
وتوضح أن حالة عدم اليقين السائدة في البلاد" لا تزال قائمة" بسبب التشكيك في التزام واشنطن بتعهداتها.
أما علي حسني، وهو صاحب متجر يقع غربي طهران، فيتحدث من زاوية اقتصادية بحتة، قائلاً لـ" العربي الجديد" إن إيران كانت بحاجة إلى هذا الاتفاق بعدما وصلت الأوضاع المعيشية إلى مستويات لا تحتمل، مع ارتفاع الأسعار الفاحش وتراجع القدرة الشرائية.
ويضيف أن حالة الغموض وعدم اليقين مرهقة للمجتمع، وأن استمرارها في ظل تفاقم مستمر للأزمة الاقتصادية من شأنه أن يقود إلى احتجاجات اقتصادية جديدة خلال الأشهر المقبلة.
ينظر إحسان زاهدي، وهو معلم في الثانوية العامة في وسط طهران، للاتفاق على أساس أنه يحمل فرصاً ومخاطر في آن واحد، مشيراً إلى أن استعادة أصول إيرانية مجمدة يمكن أن تؤثر إيجاباً على حياة الناس، لكنه في الوقت نفسه لا يستبعد عدم تنفيذ التعهدات.
ويعتقد أن الرئيس الأميركي ربما يكون قد توصل إلى قناعة بعدم جدوى الاستمرار في المواجهة، وإن كان لا يستبعد تغيّر حساباته لاحقاً.
في المقابل، يرفض الشاب أمير حسين رضوي، وهو ناشط في صفوف" الباسيج" (قوات التعبئة الشعبية التابعة للحرس الثوري)، من جنوب طهران، مبدأ التفاوض من الأساس، متسائلاً في حديث لـ" العربي الجديد": " كيف يمكن الاتفاق مع من قتل قائدنا الشهيد (المرشد علي خامنئي)؟ ".
ويعتبر أن قبول وقف إطلاق النار" كان خطأ"، وأنه كان ينبغي الاستمرار في الحرب حتى تحقيق جميع الشروط الإيرانية، بما في ذلك رفع العقوبات بالكامل وخروج القوات الأميركية من المنطقة.
ويرى أن الانتقام لدماء المرشد الراحل" لن يتحقق إلا بطرد القوات الأميركية من كل المنطقة".
يقول أردشير، من شمالي طهران، إن الرئيس الأميركي كان قد وعد بمساعدة الشعب الإيراني لكنه لم يف بذلكومن موقع نقدي مختلف، يقول أردشير من ساحة" ونك"، شمالي طهران، إن الرئيس الأميركي كان قد وعد بمساعدة الشعب الإيراني، لكنه لم يف بذلك، بل أبرم اتفاقاً يساهم في تثبيت نظام الحكم في إيران.
ويصف نتيجة الحرب بأنها" مخيبة للآمال"، مؤكداً في الوقت نفسه لـ" العربي الجديد"، أنه لا يؤيد تدمير إيران أو استهداف بنيتها التحتية، لكنه لم يكن يتوقع أن تؤدي الحرب إلى تعزيز موقع السلطة بعد احتجاجات يناير/ كانون الثاني الماضي الدامية.
ويتابع: " ترامب الذي أرسل الناس إلى المقتلة بوعوده الكاذبة (في إشارة إلى احتجاجات يناير)، اليوم، كما يُقال، يتعهد بعدم التدخل في الشأن الداخلي الإيراني.
شيء لا يصدق".
أما محمود عبد اللهي، وهو معلم، فيعتقد أن الاتفاق إذا توّج باتفاق نهائي يرفع العقوبات سينعكس إيجاباً على حياة المواطنين أو على الأقل يبطئ وتيرة التضخم.
لكنه يشير في حديث لـ" العربي الجديد"، إلى أن سجل الطرف الأميركي يثير الشكوك بشأن دوام وقف الحرب، سواء عادت في شكل مواجهة عسكرية جديدة، وهو احتمال يراه أقل ترجيحاً، أو عبر الحصار والعقوبات، وهو احتمال يراه أقرب.
ويعتبر أن إيران خرجت من الحرب محافظة على تماسكها الداخلي ومن دون أن تتحقق أهداف أعدائها، قائلاً إنها" انتصرت فعلاً".
أما أحمد، وهو عامل بناء، فيقول لـ" العربي الجديد" إن توقف القتال أتاح له ولغيره التقاط الأنفاس بعد خسارة كثيرين أعمالهم خلال الأشهر الماضية.
ويضيف من منطقة ستارخان، غرب طهران، أن الخاسر الأكبر في الحروب هم العمال والناس العاديون، الذين يتحملون أعباء توقف الأعمال وارتفاع الأسعار، ويؤكد أنه يريد أن يعيش بكرامة ولا تهمه طبيعة الأنظمة.
المواطن فريد أحمدياني: الحرب أظهرت أن رفع العقوبات لا يتحقق بالطلب بل بإظهار القوةالمواطن فريد أحمدياني ينظر إلى التطورات بتفاؤل أكبر، قائلاً لـ" العربي الجديد" إن الحرب أظهرت أن رفع العقوبات لا يتحقق بالطلب بل بإظهار القوة.
ويرى من شارع الثورة، وسط طهران، أن اتفاق طهران وواشنطن حتى لو كان مؤقتاً يمنح الطرفين فرصة لالتقاط الأنفاس، فالمجتمع الإيراني أيضاً يحتاج إلى بعض الهدوء أملاً في إنهاء الحرب بالكامل ورفع العقوبات نهائياً.
يقول الشاب الطهراني آرتين إنه سئم من الأوضاع الحالية، موضحاً لـ" العربي الجديد"، أنه يبلغ من العمر 27 عاماً ولم يتمكن حتى الآن من العثور على عمل مناسب، رغم رغبته في الزواج وبناء حياة مستقرة.
ويضيف أنه يتمنى العيش في ظروف طبيعية وكريمة، معرباً عن أمله في أن يضع المسؤولون في إيران حداً لهذه الأوضاع التي يصفها بأنها" كارثية"، وأن تنهي طهران عداءها للولايات المتحدة وتقيم العلاقة معها حتى يتمكن الناس من العيش براحة بعيداً عن ضغوط العقوبات والحروب.
في السياق ذاته، تقول زهرا وكيلي، وهي موظفة، إن الاتفاق أخرج البلاد جزئياً من حالة عدم اليقين والترقب المستمر، لكنها لا تتوقع أن يستمر طويلاً.
وتشير في حديثها مع" العربي الجديد" إلى أن بعض الالتزامات الأميركية على الأغلب لن تنفذ سواء في ما يتعلق برفع العقوبات أو إعادة الأصول المجمدة، معتبرة أن إعادة فتح مضيق هرمز قد تمثل مكسباً للرئيس الأميركي أكثر من كونها إنجازاً ملموساً لإيران في هذه المرحلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك