شهدت العديد من المناطق في سورية خلال الأيام الأخيرة حركات احتجاجية تطالب بمحاسبة المتورطين في الجرائم والانتهاكات التي وقعت خلال السنوات الماضية، ووصلت هذه التحركات إلى حد الاعتداءات على حي مختلط في دمشق، ما أجّج المخاوف من تهديدات للسلم الأهلي الهش في البلاد، وفتح الباب أمام تساؤلات حول الأسباب الحقيقية لهذا الحراك الذي جدد مخاوف الشارع السوري من دورات عنف جديدة على أسس طائفية.
وبدأ هذا الحراك الأربعاء الماضي باعتصام شعبي في مدينة دير الزور شرقي البلاد، قبل أن ينتقل إلى مناطق أخرى، وتحديداً أرياف حلب وإدلب ودرعا، وشابه عنف طاول متهمين بارتكاب جرائم خلال فترة نظام الأسد.
وامتد وصولاً إلى العاصمة دمشق، احتجاجاً على عدم محاسبة أشخاص متهمين بمساندة النظام المخلوع خلال سنوات الثورة (2011- 2024)، وارتكاب انتهاكات واسعة النطاق بحق المدنيين.
ولم يقتصر الأمر على الاحتجاج أو توزيع منشورات تحذر ما يُعرف بـ" الشبيحة" من البقاء في المناطق التي ينحدرون منها، بل وصل يوم الاثنين الماضي إلى حد مهاجمة حي عشوائي على أطراف دمشق (عش الورور)، يقطن فيه سوريون ينتمون إلى الطائفة العلوية.
وحاول محتجون من حي برزة المجاور مهاجمة عش الورور، ولكن جهاز الأمن العام في وزارة الداخلية تدخّل لاحتواء الموقف، ونصب حواجز على مداخل الحي ومخارجه.
وقال محمود العلي وهو طالب في السنة الأخيرة من دراسة الحقوق بجامعة دمشق، إن" محاسبة رموز النظام البائد مطلب لا تنازل عنه لدى قوى الثورة"، مضيفاً في حديث مع" العربي الجديد": " استشهد عمي خلال سنوات الثورة تحت التعذيب.
مؤلم أن يفلت المجرمون من العقاب بحجج واهية".
وبرأيه فإن محاسبة المتهمين" لا تهدد السلم الأهلي"، مضيفاً أن عدم المحاسبة هو التهديد الأكبر.
وأبدى سائق سيارة أجرة من الطائفة العلوية يقطن في حي مزة 86 استغرابه للهجوم الذي تعرض له حي عش الورور، مشيراً في حديث مع" العربي الجديد"، إلى أن الحي" يضم أشخاصاً فقراء يريدون العيش بسلام"، مضيفاً أن" شبيحة الأسد هربوا معه، والمحاسبة مسؤولية الحكومة وحدها وليس الشارع".
وتمنّى أن" يخرج الرئيس (أحمد) الشرعبخطاب موجه إلى الشعب السوري لتهدئة النفوس"، مضيفاً أن" الرئيس وحده قادر على وضع حد لمحاولات العبث بالسلم الأهلي من قوى داخلية وخارجية معادية للدولة وتريد جر العباد إلى حمّام دم جديد.
الشعب السوري من حقه أن يعيش بسلام".
إصابات جراء اشتباكات بالحجارة بين مدنيين ومجموعة من" الفلول" في مدينة تدمرومساء الاثنين أيضاً، أصيب عدد من الأشخاص جراء اشتباكات بالحجارة بين مجموعة قيل إنها من فلول نظام الأسد ومدنيين في مدينة تدمر بريف حمص الشرقي، وسط سورية.
وقال الشاب محمد الخالد، المنحدر من مدينة تدمر، لـ" العربي الجديد"، إن عدداً من المدنيين أُصيبوا خلال مشاركتهم في تظاهرة خرجت داخل المدينة ضد" الشبيحة"، موضحاً أن الإصابات نجمت عن اشتباكات بالحجارة اندلعت عقب هجوم متظاهرين على منازل قالوا إنها تعود لأشخاص من فلول النظام السابق.
وعقب ذلك، هاجم محتجون عدداً من المنازل والمحلات التجارية التي قيل إنها تعود لأشخاص مرتبطين بالنظام السابق أو من الموصوفين بـ" الشبيحة"، ما أدى إلى إحراق عدة منازل ومحلات في المدينة.
كما تسبب ذلك بحالة من التوتر الأمني دفعت الجهات الأمنية إلى إرسال تعزيزات إضافية إلى المنطقة بهدف منع وقوع أعمال قتل أو توسع دائرة الفوضى.
وقال عبد الله الشيخ محمود (55 عاما)، وهو أحد المحتجين في مدينة دير الزور، لـ" العربي الجديد"، إن" تساهل الحكومة مع أبرز الشبيحة والداعمين للنظام المخلوع في المحافظة، هو سبب حالة الاحتقان في الشارع"، مضيفاً أنه" من غير المقبول على الإطلاق عودة هؤلاء إلى بيوتهم وكأن شيئا لم يكن".
وكان شيخ قبيلة البقارة، نواف البشير، الذي لعب دوراً في دعم نظام الأسد، عاد أواخر الشهر الماضي إلى مسقط رأسه في ريف دير الزور، ما تسبّب بموجة احتجاج عارمة.
كما عادت عدة شخصيات إلى المحافظة كانت معروفة بدعمها للنظام المخلوع من دون محاسبة أو مساءلة قانونية جديدة من قبل الحكومة السورية.
وطالب المحتجون بتفعيل العديد من الملفات التي تندرج في سياق" العدالة الانتقالية".
وأجرت الحكومة السورية خلال العام الحالي ما بات يُعرف بـ" التسويات"، مع رجال أعمال وشخصيات وقفت إلى جانب النظام المخلوع، وهو ما أثار حفيظة الشارع الذي يدفع باتجاه محاسبة هؤلاء على الجرائم المتهمين بارتكابها.
أعلن ممثلو الحراك في دير الزور الاتفاق مع المسؤولين في المحافظة على تنفيذ مطالب المحتجين خلال فترة زمنية قصيرة جداًواستشعرت الحكومة السورية حجم الخطر الذي يشكله هذا الحراك على السلم الأهلي الهش في البلاد، فقدمت الثلاثاء تعهداً للمحتجين في دير الزور بالشروع بمحاسبة المتورطين في الجرائم والانتهاكات، ما دفعهم إلى إعلان إنهاء الاعتصام السلمي الذي شارك فيه ذوو قتلى على يد النظام المخلوع، وتعليق جميع فعالياته.
وقال ممثلو الحراك في بيان مصور إنه تم الاتفاق مع المسؤولين في المحافظة على تنفيذ مطالب المحتجين" خلال فترة زمنية قصيرة جداً"، مشيرين إلى أن في مقدمة هذه المطالب" محاسبة الشبيحة"، موضحين أنهم قدموا قائمة بأسمائهم" بشكل واضح".
ومن ضمن المطالب" استيعاب عناصر الجيش الحر ضمن مؤسسات الدولة، ولا سيما وزارتي الدفاع والداخلية"، و" رعاية أبناء الشهداء، وتفعيل مكاتب المفقودين بمن فيهم المحتجزون لدى قوات سوريا الديمقراطية (قسد)".
دعوات العنف والانتقام في سوريةوتعليقاً على ما يجري، بيّن الباحث في المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، المتخصص في علم الاجتماع السياسي رشيد حاج صالح، في حديث مع" العربي الجديد"، أنه" في المراحل الانتقالية التي تمر بها أي دولة تكون الأوضاع بشكل عام غير مستقرة".
وتابع: " وتيرة النزعات الثأرية والانتقامية ترتفع وتنخفض من منطقة إلى أخرى بحسب الظروف والأوضاع التي تمر بها فئات المجتمع".
وأشار إلى أن من أبرز المهام خلال المراحل الانتقالية" تعزيز الثقة بين الأطراف المجتمعية المختلفة"، موضحاً أن" مسار العدالة الانتقالية في سورية ما يزال في البدايات، ولم تخطُ الحكومة خطوات مهمة وحاسمة في إطار محاكمة رموز النظام البائد أو محسوبين عليه، أو متهمين بارتكاب جرائم حرب وهو ما يدفع باتجاه ظهور حملات تدعو إلى العنف والانتقام".
وأوضح ان الدولة بهذه الحالة" هي المسؤولة عن ضبط الأمور والحفاظ على السلم الأهلي"، معرباً عن اعتقاده أن الثقة بين السوريين" ما تزال منخفضة جداً"، مضيفاً: " تأخر مسار العدالة الانتقالية سبب رئيس لهذا الحراك المجتمعي في عدة مناطق.
وعلى المؤسسات المعنية بهذا المسار القيام بدور أكبر في هذا المسار".
من جهته، رأى السياسي والقانوني محمد صبرا، في حديث مع" العربي الجديد"، أن" الأمر حتى اللحظة غير مفهوم"، مشيراً إلى أن الجهات التي تقف وراء هذه الحملات التي ظهرت في عديد المناطق في سورية خلال الأيام الماضية" غير واضحة".
واختصر صبرا الأسباب التي أدت إلى هذا الحراك المجتمعي الذي يُقلق الشارع السوري بسبب تهديده المباشر للسلم الأهلي، بـ" التأثير السام لوسائل التواصل الاجتماعي"، مشيراً إلى أن" هذه الظاهرة ليست حكراً على سورية، بل شهدت أغلب دول العالم مثل هذه الظاهرة، خصوصاً دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا"، مضيفاً: استطاعت احتواء هذه السموم وهذا الخطر، عبر إصدار مجموعة من القوانين التي تحمي المجتمع من التدخل السام لوسائل التواصل، وطورّت أدوات لمكافحة هذا التدخل.
وبرأيه، فإن" تأخر ملف العدالة وعدم الشفافية في هذا الملف" سبب رئيسي من أسباب الحراك، إضافة إلى" فشل الملف الإعلامي من قبل السلطة، التي باتت تعتمد على الترندات، والمؤثرين عبر وسائل الإعلام البديلة، وهو ما عزز ثقافة الاستجابة مع كل ما يطرح عبر هذه الوسائل".
وتابع: تنقية الجو العام في البلاد يحتاج إلى حزمة من التشريعات والسياسات التي تعيد الاعتبار للإعلام الرسمي بما هو صلة وصل بين السلطة والمجتمع، وليس عبر تعزيز فكرة المؤثرين الذين باتوا في موقع أقوى من الإعلام الرسمي نفسه، وهذه ظاهرة فريدة لا نشهدها في أي مجتمع آخر.
وأشار إلى أن وزارة الاتصالات في الحكومة السورية" تتحمل مسؤولية مراقبة المحتوى وحظر كل الصفحات التي تقوم بالتحريض والدعوة للاضطراب وملاحقة القائمين عليها".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك